الصومال… بين وعود الرئيس الانتخابية وآمال الشعب

بعد عقدين من الفوضى والحروب الأهلية المريرة انتخب البرلمان الصومالي رئيسا جديدا للبلاد، ورغم أن العملية السياسية في الصومال لم تصل إلى مرحلة النضوج التام؛ فما زال اختيار الهيئات السياسية خاضعا للعقلية العشائرية، كما أن تشكيلة البرلمان تخضع هي أيضا إلى نظام المحاصصة القبلية الذي أفرز العديد من الشخصيات التي تشتهر بالفساد والمحسوبية إلا أن انتخاب الرئيس الجديد لقي ترحيبا واسعا من شرائح المجتمع الصومالي جميعها، ويعود السبب إلى رغبة الصوماليين في تغيير الوجوه القديمة فضلا عن أن انتهاء المرحلة الانتقالية وبداية الحكومة الدائمة فرض على الجميع هاجس الخوف من أن يكون سبب سعي المجتمع الدولي لإخراج البلد من الانتقالية إلى الدائمة تمرير أمور مهمة لا يحق للحكومة الانتقالية إبرامها، وعليه فإن مجيء رئيس برلمان جديد ورئيس جديد للجمهورية في بداية مرحلة الحكومة الدائمة كان سببا للتفاؤل.

ولكن ما زال الوضع الصومالي يعاني العقبات نفسها التي كانت السبب الرئيس لفشل الحكومات السابقة، ومن أهمها تدخلات دول الجوار وكذلك الدول الكبرى، وفضلاً عن الأزمات الاقتصادية الخانقة ومشكلة تمرد حركة الشباب، ووجود هذه الأسباب وغيرها كاف أن يجعل النظام الصومالي الجديد خاضعا لابتزاز هذه الدول؛ ولاسيما إنه لا يستطيع حماية نفسه من الجماعات المتمردة فضلا من أن يحمي حدود البلد؛ مما يعطي قوات حفظ السلام الأفريقية (أميصوم)  ودولها دورا بارزا في تحديد سياسات الدولة المستقبلية، ولذلك فإن الرئيس الجديد يواجه ضغوطا هائلة من تلك الدول فيما يتعلق باختيار رئيس الوزراء وتشكيلة الحكومية القادمة، ومن الواضح أن هامش المناورة لديه قليل جدا، ويفرض عليه الواقع المرير استخدام بعض المرونة السياسية، ولكن ينبغي أن تسترجع الحكومة من هذه الدول بعض الملفات الحساسة كالملف الأمني؛ حيث إن وضع الخطط  للسياسات الأمنية لا بد أن يخضع لرؤية وطنية واضحة؛ لأن التخلص من التمرد المسلح يحتاج إلى تكتيكات سياسية تسبق الحسم العسكري، ولذلك فإن استعجال القوات الكينية في حسم المعركة مع الشباب قبل تشكيل الحكومة الجديدة وبدء الرئيس الجديد مهام حكمه يوحي إلى تحقيق أجندات خاصة قد تضر في طريق استكمال المصالحة في المناطق الجنوبية التي تمثل الملف الأصعب الذي يواجه الحكومة الحالية.

ونظرا لكل هذه الصعوبات فإنه بات من الضروري أن تضع الإدارة الجديدة التي يقودها الرئيس حسن شيخ محمود استراتيجية واضحة للتعامل مع المشكلات المتفاقمة في عقود الأزمة حتى تتمكن من تحقيق آمال الشعب، ويبدو لي أن الظروف المحيطة بالدولة الوليدة تتأرجح بين آمال الشعب الصومالي المتعطش للاستقرار وبين مصالح دولية وإقليمية تحاول رسم خريطة البلد حسب استراتيجياتها، ولإبحار سفينة النجاة وسط هذه الأمواج والعواصف لا بد للرئيس الجديد من معرفة الخطوط الدقيقة في اللوحة الفسيفسائية التي تشكلت حول الصومال في السنوات العشرين الماضية، وفي السطور التالية نحاول قراءة برنامج الرئيس السياسي لنتلمس توجهات الإدارة القادمة ووضوح بوصلتها من عدمه.

البرنامج السياسي للرئيس

عادة يواجه الزعماء بعد فوزهم في الانتخابات أصعب مرحلة من مراحلهم السياسية التي تتطلب وضع برنامج سياسي يتواءم مع وعوده الانتخابية، وتكمن الصعوبة في أن مرحلة ما قبل الانتخابات وما تحمله من عواطف مشحونة بالآمال تتبدد بعد الفوز ثم تبدأ مرحلة التخطيط الدقيق وفتح الملفات، ونظرا لصعوبة الوضع السياسي في الصومال إلا أن الرئيس الجديد حسن شيخ محمود قد طرح برنامجا سياسيا غاية في الوضوح أثناء حملته الانتخابية، ونستعرض في هذه العجالة نقاطا من برنامج الرئيس السياسي كما جاء في مقابلته مع موقع الشاهد، وهو في الآتي:

تغيير النمط السياسي

يؤكد الرئيس الصومالي الجديد أن برنامجه السياسي يعتمد على مبدأين رئيسين:

أولا: تغيير النمط السياسي، مثل السياسية التي لا تحترم الوطن، والسياسة التي لا تراعي القطاع الاقتصادي والمالي، والسياسة التي يجلب جيشها الضرر للمواطنين.

ثانيا: الاهتمام برفع الأعباء عن كاهل الشعب الصومالي، سواء كان ذلك في الجانب الأمني أم الاقتصادي، أم الهجرة غير الشرعية أم الغرق في المياه.

وأضاف مسألة جديدة تهم الشعب الصومالي والمجتمع الدولي على حد سواء، وهي مسألة تصفير الفساد حيث قال: «أتعهد بأن يكون احتمالنا للفساد صفراً، سواء كان الفساد ماليا أم ذلك الفساد المتعلق بمسألة توزيع المناصب الحكومية»؛ لأن الجميع يدرك أن الدولة الصومالية تحتل مكانة متقدمة من الدول الراعية للفساد إذا صح التعبير، وأن يأتي رئيس جديد يتعهد بالقضاء على الفساد فهذا أمر جيد، ولكن على الجميع أن يترقب تحقيق ذلك الأمر الذي يشبه المعجزة، وصعوبة الأمر لا تكمن بالإرادة السياسة وحسن النوايا فحسب بقدر ما تكمن في ضعف المؤسسات الرقابية للدولة فضلا عن الفساد المستشري في المؤسسات الدولية المانحة الذي يتم تسجيله على الحكومة الصومالية ولا تستطيع رفضه، ومع ذلك فإن أخذ معيار الأرقام في عالم السياسة يعطي رؤى غير حقيقية، ومن الصعوبة أن نقيس عليها بالمعنى الحقيقي للتصفير ولكننا نستطيع أن نتابع ما يتحقق من تغيير نمط الفساد الذي ترسخ في أذهان الناس في السنوات الأخيرة.

تطبيق الشريعة

 وأوضح الرئيس أنه يؤيد مسألة تطبيق الشريعة حيث قال: «أرى أن يتم تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل حقيقي، ودون انحرافات في هذا البلد» وتحقيق هذا المطلب الشعبي يحقق للرئيس تأييدا قويا من أغلب فئات المجتمع ولاسيما العلماء وقادة الحركات الإسلامية، لأنه لا يوجد في الصومال حركات تجهر برفضها للشريعة الإسلامية كما هو الحال في الدول الإسلامية الأخرى، كما أن تحقيق هذا المطلب يمكن استخدامه في مسألة تحقيق الوئام الوطني وسحب البساط من الجماعات المسلحة التي تدعي سعيها لتطبيق الشريعة، والدفاع عن القضايا الإسلامية لذلك ينبغي ألا يظل هذا الوعد نوعاً من التمنيات بل يجب تحقيقه في أرض الواقع وبطريقة واعية.

عمود لإعادة البناء

 رأى الرئيس الصومالي الجديد الجاليات الصومالية الموجودة في المهجر أن تمثل العمود الأساسي لإعادة بناء الوطن حيث قال: «المغتربون الصوماليون عمود أساسي لإعادة بناء هذا الوطن، ونحن نرحب بهم دون أن نقلل من شأن مواطني الداخل».

يؤكد لنا هذا أن الرئيس الجديد يدرك القيمة الاقتصادية والفكرية التي يمثلها الصوماليون في المهجر؛ حيث إن إعادة بناء الوطن يحتاج إلى الاستفادة من جميع أبناء الوطن ولاسيما العقول المهاجرة التي مازال الكثير منهم يرغبون بالعودة إلى بلدهم، وإعطاء دور لهذه الشريحة والاستفادة من خبراتهم يضيف إلى الإدارة الجديدة بعدا نوعيا لإعادة بناء الوطن، ولكنه يحتاج إلى وضع إستراتيجية واضحة ذات معايير وطنية.

التعامل مع العالم

أوضح الرئيس الصومالي الجديد أنه يحمل إستراتيجية واضحة للتعامل مع العالم حيث قال: «أما فيما يتعلق بالسياسية، فللصومال دول جوار، وتنتمي إلى قارة، ونحن جزء أيضا من العالم العربي والمجتمع الدولي، يعني أننا ننتمي إلى تنظيمات مختلفة، ونريد التعامل معهم بسياسيات مختلفة»، وهذا يعني أنه انتهى عهد الثقة العمياء بما يسمى بالمجتمع الدولي، وسياسية وضع البيض في سلة واحدة، وبدأ عهد الرؤية الواضحة والتعامل في سياسة المحاور المختلفة كل حسب قربه وبعده عن مصالحنا الحيوية، وهذا بداية جيدة تبشر بالخير.

حل الأمور بالطرق السلمية

 طرح الرئيس الجديد قبل انتخابه أنه يرفض الحرب ويحاول تسوية الأمور بالطرق السلمية ويتعامل مع جميع الأزمات الداخلية والخارجية عبر هذه السياسة قائلا: «نحن في حزب السلام والتنمية نرفض الحرب إطلاقا، وأنا بصفتي مرشحا للحزب أرفض الحرب والاقتتال، وأعتقد أن تتم تسوية الأزمات والصراعات بواسطة المفاوضات، سواء أكانت الأزمات داخلية أم خارجية، ونتعامل مع العالم وفق هذه الخطة».

وقال أيضا: «ونريد أن تكون الحكومة القادمة بعيدة عن الاضطهاد وظلم الآخرين، وأن يكون الجميع ممثلا فيها، كما نريد أن نأتي بحكم يستوعب كافة الأطياف».

ومن المؤكد أن تحويل هذه الأطروحات إلى سياسة فعليه تحتاج إلى جهود مضنية ووضع خطة واضحة للتعامل مع الحركات المتمردة والاستفادة من الخبرات الموجودة التي بإمكانها أن تحدث اختراقا نوعيا في التفاوض مع بعض القيادات المعتدلة، ومن ثم سحب البساط من تحت القيادات المرتبطة بالخارج التي لا يرجى منها قبول المصالح الوطنية العليا.

الصومال ليس خطرا على العالم

 ويرى الرئيس الجديد أن القيادة الجديدة عليها أن تقنع العالم أن الصومال لم يعد يمثل خطرا على العالم حيث قال: «فعلى قيادة الحكومة القادمة أن تقنع العالم بأن الصومال ليس خطرا على العالم، ولا على دول الجوار، كما يجب أن تقنع العالم بأهمية أن ينفرد الصومال بقضاياه المحلية، وأنا أعتقد أنه يجب أن تكون دولة الصومال الجهة التي تقرر مصير نمط حكمها بعد الاستقرار».

وهذا النمط الذي ينتظره الشعب الصومالي أن يتحقق في أرض الواقع حتى نخرج من عصر وصاية ممثل أمين عام الأمم المتحدة، وقيادة قوات إفريقية.

مستعد للتعاون

 وأكد الرجل في بداية أحاديثه الصحفية في أكثر من مرة أنه مستعد للتعاون مع الجميع لتحقيق المصلحة العامة حيث قال: «أنا مستعد للتعاون معهم من أجل تحقيق المصلحة العامة التي إذا تحققت تتحقق مصالح الجميع».

وهذا الاستعداد يتطلب الكثير من الحنكة السياسة والتحمل وتشكيل إدارات خاصة لرصد المشكلات التي يعانيها البلد من أفراد ومؤسسات فضلاً عن أن تكون هناك إدارات متخصصة لتقديم المشورة للإدارة الجديدة لتحقيق أهدافها السياسية وتحويل هذه الوعود إلى استراتيجيات قابلة للتطبيق حتى تتمكن جميع مؤسسات الدولة من تحقيق الأهداف العليا للوطن والمواطن.

الفدرالية

 ويعد موضوع الفدرالية في الصومال من الموضوعات الشائكة؛ حيث إن العديد من المناطق التي استطاعت تشكيل إدارات محلية ما تزال تتمسك بالنظام الفدرالي خوفا من أن يستخدم النظام المركزي لهضم حقوقهم فضلاً عن أن موضوع الفدرالية كان يجد دعما واضحا من قبل دول الجوار التي ترى أن مركزية الحكم في الصومال واستعادة قوته السابقة يكون تهديدا استراتيجيا لها، ولذلك فإن الرئيس الجديد ركز في مشروعه الانتخابي أن يكون له موقف واضح من المسألة الفدرالية حيث قال: «أما ما يتعلق بالنظام فهل يكون ذلك النظام فيدراليا أم مركزيا أم غير ذلك فهذا أمر يحتاج إلى اختيار وتوافق الجميع، ولكن السؤال هو متى وكيف؟, وتتحدد وجهة نظرنا في أن يتم تشكيل دولة مركزية للبلاد، تقوم بمهمة تسهيل تطبيق الحكم الشامل»، ومن هذا التصريح يتضح أن الرئيس الجديد يرى أفضلية النظام المركزي من النظام الفدرالي، ولكن بعد التوافق، مما يعني أن الإدارة الجديدة يجب عليها أن تقوم بحل المشكلات التي نجمت عن الحرب الأهلية بطريقة تعيد الثقة المفقودة بين أبناء المجتمع، وكذلك فإن هذا التوجه يقتضي وجود مرونة كبيرة لدى الإدارة الجديدة لإقناع المناطق المتمسكة بالفدرالية، ولاسيما وأنها أصبحت جزاء منصوصا في المسودة الدستورية المطروحة أمام البرلمان الحالي، وفي خارطة الطريق التي سعت لإنهاء الدولة المؤقتة وبناء المؤسسات الدستورية؛ حيث إن اتخاذ أي إجراء قبل الانتهاء من كتابة الدستور وحل القضايا العالقة مع المناطق المتمتعة بالحكم المحلي يشكل عائقا رئيسيا في استعادة الثقة بين هذه المناطق والحكومة المركزية، وفي هذا الصدد أعتقد أن مسألة الفدرالية غير واضحة أمام العديد من المواطنين المدافعين والرافضين على حد سواء، ولذلك يحتاج الأمر إلى عقد ندوات عليمة وحوارات حول الفرق بين النظام المركزي والفدرالي، أما الرفض المطلق والقبول المطلق فلن يجدي نفعا في حل المشكلة.

التأني في حل الانفصال

 ومن المسائل المقلقة لنظام الحكم الصومالي الجديد كذلك مسألة انفصال الأقاليم الشمالية الغربية عن باقي أقاليم الجمهورية التي تم إعلانها من جانب واحد عام 1992 ولكنها لم تحظ باعتراف دولي حتى الآن، وبما أن هذه المسألة تعد من المسائل الحساسة في العلاقات بين المناطق الصومالية لأسباب تتعلق بالاستقلال وشروط الوحدة، التي يعتبرها الشماليون أنها لم يتم تطبيقها، يرى الرئيس الجديد ضرورة حل هذه المشكلة بالحوار رغم تمسكه بأهمية الوحدة؛ حيث قال: «اعتقد أن وحدة الصومال مهمة للغاية… غير أن التوحد يجب أن يكون على أساس رغبتنا، والابتعاد عن التدخل الخارجي أو الضغط الداخلي، وإن المباحثات بين أرض الصومال ودولة الصومال نرحب بها، وهي فرصة طيبة … ونحتاج إلى الالتزام بالحذر للانتهاز من الفرصة وعدم إضاعتها، … ونحن نطالب أن يقوم بالأمر شخصيات ذوو خبرة ونضج سياسي، وأنا لا أعتقد أن تبدأ المفاوضات من القيادة العليا… ويجب أن يكلف الأمر بخبراء يعرفون جيدا أسباب الانفصال، مع مواجهة الأمر بشكل فني بناء على التأني وعدم التعجل، وأرى بدء المفاوضات خطوة نحو الطريق الصحيح».

يبدو أن هذه السياسة المتأنية يمكن أن تحقق شيئا في التعامل مع هذه القضية الشائكة؛ حيث إن الشعب الصومالي الذي يسكن في المناطق الشمالية الغربية (أرض الصومال) مقتنع بالانفصال، كما أن أمن واستقرار هذه المناطق مرتبط بمسألة الانفصال والمحافظة عليها، لذلك يجب أن يبدأ التفاوض مع جميع الشعب وتكون هناك صيغة مرضية للتعايش بين جميع مناطق الجمهورية الصومالية حتى لا يبقى من يشتكي من الظلم والاضطهاد، وعليه فإن حل الانفصال والفيدرالية لن يكون من باب الأمر الواقع الذي تفرضه الحكومة المركزية على الآخرين ولكنه يحتاج إلى تأنٍ ومفاوضات تعتمد المصارحة والوضوح، وعليه فإن الرئيس الجديد يمتلك سياسة مرنة في التعامل مع هذه المشكلات الحساسة ويجب عليه أن يضع لها آليات لتنفيذها حتى تتحقق في أرض الواقع.

ورغم صعوبة تنفيذ جميع هذه الوعود أو تحويلها إلى خطط عملية عاجلة إلا أن إجراء الانتخابات الرئاسية على أنقاض عشرين عاما من الاقتتال الداخلي وانحسار المشكلة القبلية التي كانت سببا رئيسا لانهيار الحكومة المركزية تؤكد نهاية عهد كانت البندقية والقوة العسكرية فيها سيدة الموقف وبداية عهد التفاهم في صناديق الاقتراع، وهذا كله مرهون بالطريقة التي تدير الحكومة الجديدة لتحقيق برنامجها السياسي، وكيف تتعامل مع الضغوط الخارجية والمتطلبات الوطنية، والاستفادة من الفرص المتاحة بعد التغيرات التي حدثت في بنية النظام العربي فضلا عن الاهتمام التركي في الصومال الذي لم تتمكن الحكومة السابقة من الاستفادة به كما ينبغي.

%d مدونون معجبون بهذه: