ترجمة تقرير “الصومال: الحكومة الانتقالية في غرفة العناية المركزة” لمجموعة الأزمات الدولية

[sws_book_box src=”http://alshahid.net/wp-content/uploads/2011/06/tarjamat21.jpg” title=””] [/sws_book_box] يقدم مركز الشاهد ترجمة كاملة للتقرير الذي أصدره “مجموعة الأزمات الدولية” في أواخر فبراير من هذا العام. والذي يتحدث عن الحكومة الانتقالية في الصومال. وقد قام بترجمته السفير محمد شريف محمود، مشكورا حيث بذل جهدا في مراعاة أمانة الترجمة. وقد صدرّ الترجمة بتصدير مهم يبدي فيه رأيه وقراءته للتقرير، وننقل هنا نص التصدير، ثم نترك القاريء لتنزيل ملف التقرير كاملا ليستمتع بقراءته.

 

لتنزيل التقرير اضغط هنا: [download id=”26″]

[accordion auto_height=”false” ui_theme=”ui-smoothness”][accordion_panel title=”نبذة عن مجموعة الأزمات الدولية”]تأسست مجموعة الازمات الدولية (ICG) في عام 1995 من قبل نائب رئيس البنك الدولي السيد مارك مالوك براون، والدبلوماسي الامريكي السابق مورتون أبراموفيتش و فريد كوني، المتخصص في الإغاثة من الكوارث الدولية الذي اختفى في الشيشان في عام 1995. وكان هدفهم هو إنشاء منظمة مستقلة تماما عن أي حكومة، لمساعدة الحكومات والهيئات الحكومية الدولية والمجتمع الدولي بأسره في منع الصراعات القاتلة. [/accordion_panel] [accordion_panel title=”نبذة عن المترجم”]السفير محمد شريف محمود، دبلوماسي صومالي مخضرم يقيم حاليا في لندن. كاتب باللغة العربية والإنجليزية وله العديد من المقالات على المواقع والصحف العربية حول القرن الأفريقي

عمل في الوظائف التالية قبل أن يتفرغ للكتابة.:

  • مدير عام وزارة الخارجية الصومالية ١٩٧٥-١٩٧٨م
  • ممثل دائم للصومال في الأمم المتحدة ١٩٧٨-١٩٧٩م
  • سفير الصومال في باريس والممثل الدائم للصومال لدى اليونسكو ١٩٧٩-١٩٨٣م
  • سفير وممثل لجامعة الدول العربية في كل من داكار بالسنغال ونيروبي بكينيا في الفترة بين ١٩٨٣-١٩٨٨م
  • مدير الإدارة الأفريقية بجامعة الدول العربية ١٩٨٨-١٩٩٢م
  • نائب رئيس الإدارة العامة للشئون السياسية في جامعة الدول العربية ١٩٩٢-١٩٩٤م
  • سفير سابق لجامعة الدول العربية في روما ١٩٩٤-١٩٩٩م
[/accordion_panel] [/accordion]

تصدير

بقلم المترجم

[sws_pullquote_right]لقد قمت بترجمة هذا البحث نظرا للضوء الذي يسلطه على البعد الجديد في الإستراتيجية الجديدة القديمة التي سيجري العمل بها في بلادنا، ألا وهو تجاوز نتائج مؤتمر جيبوتي وتحجيم الحكومة المركزية أو الالتفاف عليها لإنشاء “جمهوريات حقيبة اليد” حسب وصف البحث، وهم أولئك الذين يرون استثمار دعوة الغرب إلى إنشاء كانتونات قبلية في كلّ ربوع البلاد واستعداده لتمويلها تحت ذريعة محاربة حركة الشباب، أو بحجة أن الصومال لا يملك مقومات الدولة. [/sws_pullquote_right] هذا البحث يتضمن معلومات قيمة جديرة بالنظر إليها بعناية نظرا لرصده الدقيق للأحداث الجارية في بلادنا، والذي في نفس الوقت يكشف الخطوط العريضة للسياسات المرسومة المراد تطبيقها في المستقبل القريب. وقد صدر عن مركز مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة غير حكومية مستقلة، لا تهدف إلى تحقيق الربح. ورغم غزارة مادته وادعائه الحيادية، إلاّ أنه ينطلق من منظور غربيّ في تحليله للأوضاع في المناطق المختلفة التي يعالجها، ويجتهد في دراستها، ويخدم هذه المصالح. وليس أدلّ على ذلك من أنّ هذا المركز يرأسه اللورد كريستوفر باتن المفوض الأوربي السابق للعلاقات الخارجية، المسئول البريطاني المحافظ المرموق والسفير الأمريكي توماس بيكرنج، لتعرف إلى أين تتجه رياح هذا المركز، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.

ولقد قمت بترجمة هذا البحث نظرا للضوء الذي يسلطه على البعد الجديد في الإستراتيجية الجديدة القديمة التي سيجري العمل بها في بلادنا، ألا وهو تجاوز نتائج مؤتمر جيبوتي وتحجيم الحكومة المركزية أو الالتفاف عليها لإنشاء “جمهوريات حقيبة اليد” حسب وصف البحث، وهم أولئك الذين يرون استثمار دعوة الغرب إلى إنشاء كانتونات قبلية في كلّ ربوع البلاد واستعداده لتمويلها تحت ذريعة محاربة حركة الشباب، أو بحجة أن الصومال لا يملك مقومات الدولة. ولذلك تسابق المغامرون السياسيون إلى إعلان جمهوريات وهمية لاوجود لها على الأرض. ونصبوا رؤساء الجمهوريات بعدد قبائل الصومال. وهكذا تسمع بين كل حين وآخر عن تتويج مرتزق جديد يحمل علما وشعارا واسما في نيروبي، وتروج له وسائل الإعلام الصومالية، طبعا مقابل دفع الثمن مقدما.

لقد تم إحراز بعض التقدم بالنسبة لما كان عليه الحال قبل مؤتمر جيبوتي في ديسمبر 2007، حيث كان الصومال بجميع مشاربه وأطيافه مرتعا خصبا محصورا ومحتكرا لإثيوبيا، لكي تصطاد في مياهه العكرة وتخلق الحقائق السياسية على الأرض، ولذلك، فإن الانخراط في العملية السياسية بالتعاون مع الأمم المتحدة وطرد القوات الإثيوبية من البلاد يمثل مكسبا كبيرا. إلاّ أن الفئة التي حملت الأمانة وتقلدت زمام القيادة سرعان ما انزلقت إلى درب التيه، فخيبت الآمال، وفقدت البوصلة، لا تملك رؤية سياسية، وغارقة في الفساد، لا يجمع بين مجلس وزرائها وحدة عضوية، ولا تسيطر حتّى على العاصمة، وتتنازع فيما بين أجنحتها المؤسسية المختلفة، بل تتصرف قوات الأميصوم بمعزل عن الحكومة وبصفة مستقلة عنها، التي ترتبط بعلاقات خاصة مع مليشيات أمراء الحرب التي تأتمر بأمرها وتقبض منها الثمن مباشرة.

ولقد تعرّض البحث بالتفصيل إلى أزمة الحكومة الفيدرالية الانتقالية، وإلى علاقات الصراع المحتدمة بين أطرافها المختلفة، فيما بين الحكومة، وبين الأخيرة والبرلمان، وبصفة[sws_pullquote_right] تعرّض البحث بالتفصيل إلى أزمة الحكومة الفيدرالية الانتقالية، وإلى علاقات الصراع المحتدمة بين أطرافها المختلفة، فيما بين الحكومة، وبين الأخيرة والبرلمان، وبصفة خاصة في الصراع الطاحن بين رئاسة الدولة ورئاسة البرلمان، والكل ضد الكل. وقد نوه البحث بأن الحكومة مشلولة تماما، فلا هي تملك الشرعية الشعبية ولا المصداقية الدولية [/sws_pullquote_right] خاصة في الصراع الطاحن بين رئاسة الدولة ورئاسة البرلمان، والكل ضد الكل. وقد نوه البحث بأن الحكومة مشلولة تماما، فلا هي تملك الشرعية الشعبية ولا المصداقية الدولية. ولم تنجز شيئا في عملية المصالحة، وترفض إنشاء جيش وطني رغم المبادرات الإيجابية من الإتحاد الأوربي والبلدان الصديقة في هذا الصدد. ولم تدرب حتّى الآن إلاّ مليشيات قبلية. ولقد تم رفض كل الدعوات الرامية إلى إدماج المليشيات الحالية في جيش وطني موحد، محترف ومنضبط ويتمتع بقيادة مركزية، يكون ولائه للدولة فقط لا لغيرها. لماذا؟ لأن السياسيين من كل الأطراف في داخل الحكومة وخارجها، يضمرون طموحات قبلية لتحقيق مطامع شخصية أو قبلية حالية أو بعيدة المدى.

ومن المضحكات المبكيات أنّ الحكومة الفيدرالية الانتقالية لا تسيطر على شيء، فلا هي تملك المؤسسات الإدارية ولا تهيمن حتّى على العاصمة، ولا تملك قوات مسلحة تأتمر بأمرها. أمّا قوات الإتحاد الإفريقي “ألأميصوم”، فإنها مستقلة تماما عن الحكومة، لاتخضع لإرادتها، وتعمل مليشيات صومالية قبلية تابعة لها تحت قيادتها، بعيدا عن تدخل الحكومة، مقابل الثمن بالطبع. ويمكن القول بثقة، أن قوات الأميصوم تتصرف كما لوكانت قوات احتلال تنفق عليها ببذخ الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي اللتان تحددان الأهداف السياسية لعملياتها العسكرية والإستراتيجية المقررة في الصومال.

أمّا الهدف، فهو محاربة حركة الشباب بوصفها امتدادا للقاعدة. صحيح، أنّ هذه الحركة فوضوية، وهدّامة، وجلبت الخراب والدمار للصومال بحربها الضروس على كل ماهو عزيز ومقدس على الصومال من المنظور الإسلامي أو السياسي، ولكنها أيضا تستفز الدول المجاورة والدول الكبرى وتتحرش بها، الأمر الذي يستعدي العالم كله على الصومال وعلى المواطنين الصوماليين أينما كانوا، وتخلق المبررات للسيطرة الأجنبية على البلاد وتفتيت الوطن الصومالي إلى أجزاء مشتتة، وتدفع الدول المجاورة والدول الكبرى إلى اتخاذ الإجراءات تلو الأخرى في الانتهاك والاعتداء على أي مظهر للسيادة أو الدولة الصومالية. إنّ مقاومة هذه الفئة الضالة واجب مقدس، ووسيلة إلى استعادة الاستقرار والسلام كنقطة انطلاق لاسترجاع روح الأمة بإعادة مقومات دولتها المستقلة الموحدة، وتحقيق طموحات شعبها في التقدم والرخاء والكرامة والعدل الاجتماعي. لكن الغاية الأخرى غير المعلنة للتدخل الأجنبي هو الاستمرار في هذه الحرب العبثية بصفة دائمة حتّى استنزاف كلّما تبقى من مقومات الوجود الصوماليّ لخدمة المصالح الإستراتيجية للدول المجاورة المتحالفة مع الدول الكبرى.

لا ننكر أن الحكومة الانتقالية فاشلة وضعيفة، ولكن الحلّ يكمن في إصلاح ما أفسده الدهر وتقويم الاعوجاج، وإحلالها بنظام آخر أكثر كفاءة، ولا يمكن إغفال دور الدول الوصية على الصومال منذ تبنى ميثاق مباغاتي على صنع الحقائق السياسية على الأرض التي يدينونها الآن، التي كانت آخر حلقاتها الغزو الإثيوبي، ثم صيغة تفاهمات جيبوتي في 2007 التي فرضوها على الجانب الصومالي.

وما يكشف سوء نية الأوصياء على الصومال، تصريح نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون الإفريقية الذي قال فيه ما معناه “إن هذه الحكومة الفيدرالية الانتقالية فاشلة وفاسدة، لا تملك رؤية ولا تسيطر حتى على العاصمة، ولذلك فإننا على أهبة الاستعداد لمساعدة وتمويل أي حركة أو كيان إقليمي أوقبلي راغب في محاربة حركة الشباب”.
وهذا معناه بمختصر القول، تصفية مفهوم الدولة الصومالية إلى الأبد، بتسليح وتشجيع ودعم الكيانات القبلية على النمو الانفصالي لكي تتحدى الدولة المركزية.

ويسعى هذا التقرير بالضبط إلى تبرير هذه الفلسفة بلم الذرائع والأسباب للترويج لها ودفن رؤية الدولة بوصفها الكيان الضامن لوحدة الشعب الصومالي والمدافع عن وجوده وكرامته والذي يحقق تطلعاته في التقدم والتنمية والازدهار.

والبحث مفعم بالحجج الواهية المفتعلة القائمة على فرضيات كاذبة لإثبات أنّ الدولة المركزية لا تناسب الصومال، وأنّه يجب نقل السلطة إلى الكيانات المحلية (القبلية)، وأنه يجب تحويل المساعدات الدولية عن الحكومة المركزية في مقديشو إلى الكيانات العشائرية المنشأة حديثا في الأقاليم، أو التي ستنشأ في المستقبل. وهذا ترديد ممجوج للأساطير التي تشيعها إثيوبيا، واستطاعت أن تسوقها للغرب بأنّ إثيوبيا كانت على مدى التاريخ دولة، وأنّ الصوماليين مجرد قبائل متناحرة، تعيش عصر ما قبل الدولة. وتحاول إثيوبيا أن ترجع أصل المشكلة الصومالية إلى هذه الفرضية الرخيصة.

ويقول التقرير في الصفحة 19 تحت عنوان “الطريق إلى الأمام” ما يلي: “رغم المحاولات التي استمرت لمدة عشرين عاما، فإن المجتمع الدولي لم يتعلّم الدرس بعد، أنّ استعادة النموذج الأوربي للدولة المركزية، يكون مقرها في مقديشو، من المؤكد أنها ستبوء بالفشل. والتجربة الوحيدة التي خبرها الصوماليون مع الحكومة المركزية كانت في الماضي غير القريب. لقد كانت عشيرة واحدة أو مجموعة من العشائر التي تستأثر بهذه المؤسسة، تستحوذ على موارد الدولة وتحرم المنافسين منها”.

[sws_pullquote_right]البحث مفعم بالحجج الواهية المفتعلة القائمة على فرضيات كاذبة لإثبات أنّ الدولة المركزية لا تناسب الصومال، وأنّه يجب نقل السلطة إلى الكيانات المحلية (القبلية)، وأنه يجب تحويل المساعدات الدولية عن الحكومة المركزية في مقديشو إلى الكيانات العشائرية المنشأة حديثا في الأقاليم، أو التي ستنشأ في المستقبل. وهذا ترديد ممجوج للأساطير التي تشيعها إثيوبيا، واستطاعت أن تسوقها للغرب بأنّ إثيوبيا كانت على مدى التاريخ دولة، وأنّ الصوماليين مجرد قبائل متناحرة، تعيش عصر ما قبل الدولة. [/sws_pullquote_right] وبهذا الحكم يقرر البحث، أن الصوماليين غير جديرين بأن تكون لهم دولة.

بادئ ذي بدء، أودّ أن أشير إلى أنّ الدولة المركزية ليست فضيلة أوربية، وإنما هي نظام للحكم عرفته البشرية منذ عهد سحيق. لقد عرفته الصين ومصر قبل أوربا بآلاف السنين. وقد مرت الشعوب بالنظام القبلي الذي يمثل نمطا للحياة الاجتماعية والسياسية البدائية، لكنها تجاوزتها. وحتى في العصر الحديث كونت شعوب عربية وإفريقية لا يزال النظام القبلي سائدا فيها دولا حديثة، منها على سبيل المثال المملكة العربية السعودية ودول الخليج والسودان وحتّى إثيوبيا حيث لا يزال النظام القبليّ سائدا فيها وكذلك أغلب الدول الإفريقية باستثناء مصر.

إنّ دولة بضخامة الصومال من حيث المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية والكثافة السكانية لا يمكن أن يديرها شيخ قبيلة هنا وهناك، يحمل حقيبة لملء الصدقات من قاطع طريق طامع في ثرواته، وإنما يمكن إدارتها بنظم العصر الحديثة التي تملك وسائل التعبئة المعاصرة للكيانات الكبرى والكوادر المؤهلة وتبني المصانع الضخمة وتطور الزراعة المتقدمة وتستثمر الثروات البحرية وتصنع الثروة من استغلال العلم والتكنولوجيا وتبني جيشا حديثا قادرا على حماية حدودها من أطماع الطامعين وما أكثرهم. إنها فنّ قيادة الملايين وتنظيمها لما فيه خدمة الخير المشترك. هل تستطيع قبيلة أن تقوم بهذه المهمة المعقدة.

أمّا فيما يتعلق بالدولة الصومالية الحديثة، التي أنشئت في عام 1960، فقد بدأت بداية طيبة، وقد وضعت أسس نظام سياسي برلماني متطور، وكانت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مستقلة بعضها عن بعض. وكان توزيع الاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء موفقا، وكانت العلاقات فيما بينهما قائمة على التعاون والتشاور والتوافق. وكان للبرلمان حضور قوي ومشاركة الحزب الحاكم في اتخاذ القرار السياسي فعالة. وكانت الروح الديمقراطية هي السائدة في تسيير الشأن العام على كافة الأصعدة. وكان السلام والأمن مستتبا على وجه الإطلاق، بحيث لم يكن هناك بلد إفريقي يضارعه في هذا المجال. لم يحدث قط في تلك الفترة بين 1960 وعام 1969 وهو عام الانقلاب العسكري أن تعرض أحد للسجن لأسباب سياسية. لقد أنجز النظام الكثير في مجال التنمية الزراعية وبناء المصانع وفي النهضة التعليمية وإنشاء جيش عصري، وساهم بدور رائد في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية وبدور أساسي في مساندة حركة الحياد الإيجابي وعملية تصفية الاستعمار في إفريقيا. ولم تحصل الانتكاسة إلاّ بعد الانقلاب العسكري في أكتوبر 1969، عندما أصبح العنف والتسلّط العسكري سيد الموقف. ومع ذلك كان النظام في عهده الأول شاملا لكل مكونات الشعب الصومال دون استثناء أو إقصاء أحد، وخلق جيشا حديثا كان يشار إليه بالبنان في إفريقيا، وبنى أطول طريق في إفريقيا يمتد من بلدوين حتى بربرة وأنشأ المصانع الحديثة والجامعات وسد فانولى والمزارع الحديثة، وكانت له حصة الأسد في تحرير جيبوتي وتحقيق استقلالها الوطني. ولم يبدأ النظام في النكوص إلاّ بعد الهزيمة العسكرية في عام 76-77.

وكان سقوط النظام يرجع إلى عوامل محلية ودولية. أمّا العامل المحلّي فهو شعوره بالإفلاس من جرّاء العزلة الداخلية، الأمر الذي دفعه إلى الاحتماء بالعشيرة وإقصاء الآخرين واللجوء إلى العنف المفرط وسيطرة القرار الفردي القائم على الهوى والمزاج في شئون الدولة المعقدة والأزمة الاقتصادية الطاحنة. والعامل الدولي يعود إلى الدخول في حرب غير محسوبة العواقب بدون سند دولي وإلغاء معاهدة الصداقة مع الإتحاد السوفيتي التي أدت إلى وقف تدفق السلاح إلى الصومال وقطع المعونة الاقتصادية وإنهاء المشاريع التنموية الهائلة التي كان السوفيت يمولونها ومن بينها مد البلاد بالوقود بالمجان لتغطية الحاجات العسكرية والمدنية. وقد أدت المغامرات في السياسة الدولية إلى أن أصبحت كلا القوتان الدوليتان الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي تقفان ضد الصومال. وأخيرا وليس آخرا، مواصلة إثيوبيا للحرب بعد وقف إطلاق النار إلى عمق الأراضي الصومالية، أولا بالتحرش واحتلال المناطق الحدودية ثم بحرب الاستنزاف الدائمة مع استخدام المليشيات القبلية التي دربتها وسلّحتها ودفعتها إلى داخل الحدود لتواصل حربها بالوكالة.

أما ما حدث بعد انهيار الدولة فتلك قصة أخرى أشد مرارة، فقد بدأت إثيوبيا التي ساهمت بنصيب الأسد في إسقاطها، بحجة الوساطة بين الأطراف المتصارعة تنشئ الحقائق السياسية على الأرض، وتبارك الحركات الانفصالية التي فرختها ورعتها وتعهدتها، واستمسكت بكل خيوط الأزمة الصومالية، تحوك منها ما تشاء وكيف تشاء من أخطبوط الفتن والمؤامرات والفساد في الأرض. ثم جاءت الولايات المتحدة على سفينة الأمم المتحدة لتضرب العاصمة الصومالية بالطائرات وبأحدث الأسلحة المتطورة، حيث قتلت في يوم واحد 10,000 مواطن صومالي، تحت ذريعة مطاردة عيديد. ولما انسحبت أطلقت العنان لإثيوبيا لكي تكتسح القطر الصومالي برمته، تخوض المعارك في أي جبهة تشاء بحجة تعقب الإسلاميين الذين يشكلون خطرا على سيادتها، أو معاقبة القبائل التي لا تحترم الهيمنة الإثيوبية عليها، وتسلح من تشاء ممن يناصرها وتنزع سلاح من تريد. وهكذا في قتال مستمر لا يخدم إلا مصلحة إثيوبيا في تصفية الحساب نهائيا مع الصومال.

واستمر الوجود العسكري الإثيوبي في الصومال حتى قيام حركة إتحاد المحاكم الإسلامية، حيث استطاعت الأخيرة تصفية الوجود الأجنبي والمليشيات المأجورة للولايات المتحدة وإثيوبيا، وفيما بعد نشر السلام والأمن في معظم أجزاء البلاد.

[sws_pullquote_left] يكمن الحلّ في أن تتحرك الطليعة من المثقفين المستنيرين والوطنيين الشرفاء من كافة الأطياف الصومالية لوضع رؤية شاملة لبرنامج سياسي قصير الأجل وطويل الأجل للنضال من أجل استعادة الاستقلال وبناء الدولة الصومالية باستخدام الوسائل السياسية العلمية، وأدوات التنظيم والاتصال والتعبئة والإعلام الجماهيري للوصول إلى هذه الغاية. وأن عددا محدودا من هذه المجموعة الرائدة تستطيع أن تحقق المعجزات، بقدرتها على تشكيل القيادة الرشيدة المتمتعة بالشرعية الداخلية والمصداقية الدولية، وحينئذ ستكتسب التأييد من المجتمع الدولي، وستجد من يقف مع الصومال للخروج من محنته. [/sws_pullquote_left] وقد أثبتت حركة إتحاد المحاكم الإسلامية التي استطاعت استعادة الأمن والاستقرار والطمأنينة والانضباط واسترجاع الأملاك الخاصة والعامة إلى أصحابها الشرعيين، وما كسبته من تأييد شامل وولاء مطلق من كل الأطياف الصومالية في الداخل والخارج على أن الصوماليين قادرون على إعادة تكوين دولتهم دون تدخل خارجي لو أتيحت لهم الفرصة. ولكن الفرصة لم تسنح لهم رغم أن الإتحاد الأوربي والجامعة العربية كانت ترى في حل الصراع المزمن مع إثيوبيا- التي كانت تحتل الصومال، ولاسيما عاصمته المؤقتة في بيدوة حينئذ- بالمفاوضات والوسائل السلمية. وتحدت الولايات المتحدة المجتمع الدولي، بأن أوصت إثيوبيا بالغزو واحتلال الصومال برمته، مقدمة لها الغطاء الجوي والاستخباراتي واللوجستي والاقتصادي والمالي لتنفيذ هذه المهمة.

إذن، ليست المشكلة أن الصومال غير قادر على حل مشاكله وتأسيس دولته المستقلة، ولكنها القوى الخارجية الغاشمة المتحالفة مع وكلائها الإقليميين التي تماثلت معها مصالحهما الإستراتيجية. وما يجري اليوم في اليمن وليبيا وسوريا لايختلف كثيرا عما جرى في الصومال في عام 1990، الفرق الوحيد أن إثيوبيا حصلت على الغطاء الدولي للاستفراد بالصومال وتصفية الحساب معه، كما كان الحال دائما عبر التاريخ عندما تكالبت القوى الاستعمارية للسيطرة على الصومال.

لقد حدث عبر التاريخ أن انهارت إمبراطوريات ودول إمّا بسبب الصراعات الداخلية أو بفعل الحروب أو نتيجة للكوارث الطبيعية، ولم يدع أحد إلى إلغاء الدولة. إنها تستيقظ من كبوتها دائما، لأنها ضرورة بشرية وحضارية، لكن الخصوم الألدّاء للصومال يصفقون ويزمرون لتصفية الدولة الصومالية لكي تمتد حدودهم إلى المحيط الهندي.

ما الحل إذن للخروج من هذا المأزق الذي نحن فيه؟

يكمن الحلّ في أن تتحرك الطليعة من المثقفين المستنيرين والوطنيين الشرفاء من كافة الأطياف الصومالية لوضع رؤية شاملة لبرنامج سياسي قصير الأجل وطويل الأجل للنضال من أجل استعادة الاستقلال وبناء الدولة الصومالية باستخدام الوسائل السياسية العلمية، وأدوات التنظيم والاتصال والتعبئة والإعلام الجماهيري للوصول إلى هذه الغاية.
وأن عددا محدودا من هذه المجموعة الرائدة تستطيع أن تحقق المعجزات، بقدرتها على تشكيل القيادة الرشيدة المتمتعة بالشرعية الداخلية والمصداقية الدولية، وحينئذ ستكتسب التأييد من المجتمع الدولي، وستجد من يقف مع الصومال للخروج من محنته.

لقد قمت بترجمة حرفية كاملة لهذا البحث باستثناء الهوامش والمراجع والخرائط والبيانات نظرا لأنها كثيفة ومملّة ولاتهم إلاّ الباحث الأكاديميّ، ومن أراد الاستزادة منه فإنه يستطيع الرجوع إلى النص الإنجليزيّ.

تعليق واحد

  1. هدة المقدمة تعبر عن الحالة الصومال، وعما يجري فيها من مؤامرات دولية بالضبط، ولله در القائم بتصويرها، وشكراً

%d مدونون معجبون بهذه: