سياسات المرحلة الإنتقالية فى دولة جنوب السودان الجديدة

بعد أن تحول استفتاء حق تقرير المصير فى جنوب السودان إلى حقيقة واقعة، طفا بوضوح على السطح كل المظالم التى كانت مكبوته منذ زمنٍ طويل، وكذلك الصراعات السياسية، مهددة بذلك عوامل الاستقرار فى عشية الاستقلال.

ويحذر أحدث تقرير لمجموعة الأزمات الدولية قائلاً: “أنه ما لم يكن هناك انفتاح فى الفضاء السياسى فى هذه المرحلة الإنتقالية وكذلك مشاركة جماعية فى السلطة، فإن الدولة الجديدة المزمع تكوينها قريباً فى جنوب السودان تخاطر بأن تعيد إنتاج نفس الدولة المركزية، السلطوية، غير المستقرة، التى استطاع جنوب السودان أن يتحرر منها عقب نضال طويل.

تمكن حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكم من إحراز إجماع هام –إلا أنه مؤقت- وذلك قبيل إجراءات إستفتاء حق تقرير المصير فى جنوب السودان فى شهر يناير المنصرم.

إلا أنه مع ذلك يبدو أن سياسات استحواذ السلطة وفكرة “المنتصر يستحق الكل” المتبعة الآن من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان قد تعرض كل استحقاقات مجتمع جنوب السودان للخطر.

الانباء الواردة هذه الأيام عن حركات التمرد المسلحة، ونشاط المليشيات، وانشقاق الجيش ما هى إلا مؤشرات تسلط الضوء على مدى تصدع النظام من االداخل، وانفلات الأمن فى هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.

يقول زاك فيرتين (Zach Vertin) محلل شئون السياسة السودانية لمجموعة الأزمات العالمية : “إن سياسة الإقصاء والتهميش، المتبعة من قبل جبهة تحرير السودان فى هذه المرحلة، تهدد فعلاً هذا المجتمع بالمزيد من الإستقطاب بين المجموعات العرقية وقادتهم السياسيين. ويضيف إلى ذلك : “لا يمكن للدولة الوليدة أن تتحمل المزيد من التشرذم والاستعداء فى هذه المرحلة، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بمواجهة التحديات المتعلقة بالاستقلال وإدارة ملفات شئون الأمن المحلى وذلك لجعل الوحدة بين الجنوبيين العامل الأكثر أهمية.

كما يقول أيضاً: “الجبهة الشعبية لتحرير السودان تدرك بجلاء أن الإشراك الفعال لقوى المعارضة فى الحياة السياسية ليس خطرا عليها (أى على جبهة تحرير السودان) بل استثمار مفيد فى كل من الاستقرار السياسى وشرعية الحكم. على الأحزاب المعارضة أن تتقاسم مع السلطة الحاكمة (جبهة تحرير السودان) مسئولية تحقيق المصالح القومية المشتركة، وتحمل المسئوليات الوطنية، وكذلك تطوير نظام متين ومتعدد الأحزاب.

يجب على الشركاء الدوليين إعادة تقييم العلاقة مع الحكومة بحيث تكون هذه العلاقة مرآة عاكسة للوضع السياسى الجديد، بما فى ذلك الحاجة إلى خلق فضاء ديموقراطى واسع يستوعب الحزب الحاكم وغيره من القوى الاُخرى، فى أعقاب اتفاق السلام الشامل، أى المعاهدة ألتى أنهت عقدين من الحرب الأهلية فى عام 2005، والتى سوف تتوج باعلان استقلال جنوب السودان عن قريب.

انقضى زمن النضال من أجل التحرير، ووصل عصر السلام الشامل إلى نهايته، لذا وجب على الجبهة الشعبية لتحرير السودان أن تكتب فصلاً جديداً فى تطورها الذاتى إذا ما أرادت أن تحافط على التماسك الداخلى وتوفر للمجتمع نظام حكم مستقر.

إصلاح الحزب الداخلى يجب أن يستهدف صيانته من الانقسام، والمساعدة فى التخلص من ثقافة العسكر، كما أن على الجبهة إضفاء طابع المهنية العالية على كل قراراتها.

فور إعلان الاستقلال، سوف تبرز إلى السطح مشاكل الحكم – وستكون مسألة الإدارة السليمة للموارد النفطية، ومسألة الإلتزام بلامركزية الحكم – الركيزتان الأساسيتان لتشكيل النظام السياسى والاقتصادى للدولة الناشئة، ويمكن اعتبار هاتين الركيزتين عاملين هامين فى سبيل تحقيق التوقعات الكبيرة المرادفة لإعلان الإستقلال، كما يمكن استخدامهما كوسيلة لتقوية كل من سياسة الحكومات المحلية و السياسة العامة للدولة، بالإضافة إلى ذلك يمكن اعتبار هاتين الركيزتين عاملين هامين من أجل الإسراع فى التنمية فى الجنوب الجديد.

يقول السيد أرنست جان هوجندورن (Ernst Jan Hogendoorn) مدير مشروعات مجموعة الأزمات الدولية فى القرن الإفريقى : “ألأيام القليلة القادمة حبلى بالفرص الثمينة كما أنها تجلب معها تحديات هائلة! إلا أن الفشل فى اتخاذ الخطوات السليمة سيقوض التقدم اللذى تحقق بالفعل فى جنوب السودان ويلوث المؤسسات والقيم المؤسسية فى أحدث دولة فى إفريقيا”.

%d مدونون معجبون بهذه: