الشاب أحمد عبد الله أحمد يروي قصة معاناة رحلته في التهريب لشبكة الشاهد

مركا(الشاهد) – أحمد عبد الله أحمد شاب صومالي مركاوي، ولد في حي السرايتي أقدم حي بمدينة مركا الساحلية، شاءت الأقدار أن يسافر من مسقط رأسه مركا إلى مقديشو، التي انطلق منها إلى اليمن في طريقه للوصول إلى المملكة العربية السعودية.

و سافر عبر الطريق غير الشرعي من الصومال إلى المملكة العربية السعودية مرتين، كما سافر مرة واحدة إلى السودان مرورا بأثيوبيا في رحلته إلى اوروبا، فكانت رحلته الأولى إلى السعودية ناجحة إذ لم يتلق الكثير من الصعوبات، وظل في السعودية في رحلته الأولى لمدة ستة أشهر عمل خلالها لإحدى الشركات السعودية التي كان يتقاضى منها مبلغ 300 دولار شهريا، لكنه في المرة الثانية ذاق مرارة السفر في البر والبحر وسيتحدث لنا بشيئ من التفصيل عن رحلته الثانية إلى المملكة العربية السعودية، أما سفره إلى السودان فقد تسبب في اعتقاله في كل من السودان وإثيوبيا وبقي رهن الاعتقال لمدة شهرين، قبل إعادته إلى الصومال.

لم يكن عمر الشاب أحمد عبد الله يتجاوز الـ 16 عندما قرر لأول مرة الرحيل من الصومال، ليعيش في بلد ما يأمن فيه على نفسه.

ولم يكن أحمد عبد الله أول شاب من حي السرايتي في مركا يحاول السفر إلى السعودية أو أوروبا بطريقة غير شرعية، فقد سبقه في السفر إلى السعودية وأوروبا عشرات من أبناء حي السرايتي، ووصل معظمهم إلى أوروبا بسلام عن طريق الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا.

كان الشاب أحمد عبد الله يسمع قصص نجاح أقرانه من الشباب وإرسالهم مبالغ مالية لذويهم في مركا، فقطع على نفسه عهدا بالسفر إلى السعودية ثم إلى أوروبا مهما كلفه ذلك من ثمن.

زارته شبكة الشاهد في بيته الملاصق للساحل بحي السرايتي في مركا وأجرت معه الحوار التالي:

الشاهد: ماذا كانت مهنتك قبل أن تقرر السفر إلى الخارج بطريقة غير شرعية؟

أحمد: فشلت في الدراسة، وكنت أعمل لصالح إحدى المحلات التجارية التي تبيع الأجهزة الألكترونية وأتقاضى راتبا شهريا قدره 15 دولارا أمريكيا.

الشاهد: هل سافرت بإذن والديك؟

أحمد: والدي لم يكونا راضيين عن سفري ولكنني عندما ألحت عليهما أعطاني الخيار في فعل ما أشاء.

الشاهد: ماذا كان يدور في مخيلتك قبل أن تقرر السفر إلى اليمن في طريقك إلى السعودية لأول مرة؟

أحمد : الشيئ الوحيد الذي كان يدور في ذهني قبل أن أقرر السفر إلى السعودية في المرة الأولى هو كيفية خروجي من هذا البلد الذي ضاقت به نفسي ذرعا بنية عدم العودة إليه مرة أخرى، و لكن مع الأسف الشديد تم القاء القبض علي من قبل الشرطة السعودية بعد ستة أشهر قضيتها في المملكة كنت اشتغل خلالها وأرسل النقود إلى أهلي في الصومال.

الشاهد: ما الذي أدى إلى كراهيتك الشديدة لبلدك الصومال؟

أحمد : هذا السؤال غني عن الجواب، توجد في الصومال كل العوامل الطاردة: الحروب، والعصبية،  والبطالة، وسوء التعليم، وسوء التغذية، وسوء الخدمات الصحية. و أنا أريد أن أنفع نفسي وأقاربي في المستقبل لذلك رأيت بأن البقاء في الصومال غير كاف لأحقق التقدم لنفسي ولأقاربي، وعلاوة على ذلك فأسرتنا كانت تعاني من مشاكل عائلية لا أرغب في الإفصاح عنها لك الآن.

الشاهد: ذكرت لي بأن سفرك الأول إلى السعودية كان خاليا من الصعوبات والمشاكل رغم أنه كان غير شرعي، هل لك أن تعطينا صورة عن سفرك من مقديشو إلى بوصاصوا في سفرك الثاني إلى السعودية الذي تفضلت بأنه كان شاقا جدا؟

أحمد : ركبت سيارة ركاب من محطة منطقة عيلشا بياها، التي تستقبل بشكل يومي عشرات الشباب الراغبين في السفر إلى اليمن أو إلى أي بلد آخر بطريقة غير شرعية، وكالعادة فإن السيارة التي هي من نوع الباصات لا تنطلق حتى تكتظ بالركاب من داخلها ومن فوقها بالإضافة إلى امتعتهم وحوائجهم، فانطلقت بنا السيارة بعد نفلها عدد ا كبيراً من الركاب والأمتعة إلى حد أنه لا يوجد فيها موضع قدم.

قطعت بنا السيارة الطريق من عيلشا بياها إلى غالكعيو، حيث قضينا في الطريق بضعة أيام بسبب  رداءة الطريق وكثرة نقاط التفتيش التابعة لهذا الفريق او ذاك، فوصلنا إلى غالكعيو التي ركبنا منها أيضا  سيارة ركاب صغيرة أوصلتنا إلى بوصاصو.

وخلال رحلتنا من عيلشا بياها إلى غالكعيو كنا نتعرض للمضايقات بين الفينة والأخرى في جميع نقاط التفتيش التي نجتازها وذلك باتهامنا في الانتماء لهذا الفريق أو ذاك، فتم اعتقالنا في غالكعيو بحجة أننا ننتمي إلى الجماعات المسلحة في الصومال، وفي النهاية أطلقوا سراحنا بعد اتضاح براءتنا.

الشاهد: هل كان من بين الركاب فتيات؟

أحمد: نعم، كان من بين ركاب السيارة ثلاث فتيات، فتاتين من مركا إحداهما كان معها ابنها الرضيع، والأخرى كانت من مقديشو.

الشاهد: ما هي إجراءات السفر عبر السفن غير الشرعية؟ وهل هناك تفضيلات بين السفن؟

أحمد: يوجد في بوصاصو سماسرة يتعاونون مع المهربين، فتتصل بهم وتبلغهم عن رغبتك في السفر إلى اليمن بطريقة غير شرعية، فيتفقون معك في رسوم نقلك من بوصاصو إلى اليمن طبقا لتفضيلات السفن، فالحد الأدنى للرسوم هو 100 دولار والحد الأقصى 200 دولار، وهناك ثلاثة أنواع من السفن: سفينة صغيرة ورسومها سبعون دولارا، وهذا النوع من السفن تنقلب في الغالب في عرض البحر ومن ثم يتعرض جميع ركابها للغرق، وسفينة متوسطة ورسومها تتراوح ما بين 90-100 دولار، وسفينة كبيرة رسومها 200 دولار أمريكي، وكل هذه الأنواع الثلاث من السفن عند شحنها بالركاب لا يتم مراعات العدد الذي تتحمله السفينة، بل يتم شحن البشر فيها كالبضائع والجمادات، حتى الأغنام عند تصديرها بالسفن أوفر حظا من ركاب سفن التهريب.

الشاهد: هل لك أن تصف لنا مشهد السفينة عند مغادرتها من ساحل بوصاصو والظروف التي مررتم بها حتى وصولكم إلى اليمن؟

أحمد: طاقم السفينة يتكون من خمسة أشخاص: القبطان وحارسان مسلحان ببندقيتين أحدهما يحمل معه بندقية من نوع كلانكشوف والآخر يحمل معه أي كي 47، ومراقبان يراقبان حركة رؤوس الناس فهما يحملان هراوتين غليظتين يضربان بهما كل من يحرك رأسه، وفي حال محاولة شخص ما التمرد على أوامر الطاقم يكون مصيره إلقاؤه في البحر، فقبل انطلاق السفينة يصدر طاقم السفينة أوامره بتجمد كل شخص في مكانه بدءا من التحرك من بوصوصا حتى الوصول إلى اليمن، فيجب أن نظل جالسين بطريقة واحدة (وهي إلصاق الأفخاذ بالبطن والصدر وهما ملتصقتين أيضا ولف اليدين بالساقين، ووضع الذقن في الركبتين) حتى نصل إلى الساحل اليمني مهما استغرق ذلك من ساعات.

الشاهد: ما هي أسوأ اللحظات مأساوية في رحلتكم غير الشرعية من بوصاصو إلى اليمن؟

أحمد: طبعا مأساتنا بدأت منذ ركوبنا السفينة في ساحل بوصاصو، ولكن المأساة الكبرى التي تعرضنا لها خلال سفرنا داخل البحر، كانت تعطل محرك السفينة في المياه الدولية بين اليمن والصومال، وكذلك ضياع البوصلة من أفراد الطاقم، مما تسبب في بقائنا تائهين داخل البحر لمدة خمسة أيام، لم نأكل ولم نشرب خلالها شيئا.

الشاهد: هل الفتيات الثلاث اللاتي رافقنكم في رحلتكم كن معكم في السفينة؟

أحمد: نعم كن معنا، وكان لهن ما لنا وعليهن ما علينا، وقد كادت صاحبة الابن الرضيع أن تلقي ابنها في البحر، إلا أننا توسلنا إليها فقمنا بمسك الولد لها بالتناوب، وهوا لآن حي يرزق في مركة إذ أنه تمت إعادته مع أمه إلى الصومال.

الشاهد: هل لك أن تصف لنا مشهد وصول السفينة إلى الساحل اليمني؟

أحمد: عند وصول السفينة إلى الساحل اليمني تستدير بسرعة فائقة على بعد بضع كيلومترات من البر، فيصدر أفراد الطاقم أوامرهم إلى ركاب السفينة بالقفز من السفينة، ومن يبقى في السفينة ويتردد في إلقاء نفسه في الماء يتعرض للضرب ويتم إبعاده وإلقاؤه في عمق البحر.

الشاهد: ماذا عن وصولكم إلى اليمن؟

أحمد: عندما نزلنا إلى البر لم نستطع المشي بسبب الإرهاق الشديد والجوع والظمأ الذي كنا نعاني منه، فتمت نجدتنا من قبل عمال المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فملأوا عنا الاستمارات، وأمدونا بالطعام والشراب والمأوى، وعندما استعدنا قوتنا بدأنا استعدادنا للسفر من جديد إلى المملكة العربية السعودية، ويوجد في اليمن أيضا سماسرة من اليمنيين والصوماليين يعملون في مجال تسهيل الهجرة غير الشرعية للراغبين في السفر إلى السعودية.

الشاهد: ما هي أبرز المآسي التي تعرضتم لها خلال سفركم من اليمن إلى السعودية؟

أحمد: تزامن سفرنا من اليمن إلى السعودية باندلاع الحرب الأخيرة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، فألقت قوات الحكومة اليمنية القبض علينا واتهمتنا بالانتماء للحوثيين، فاحتفظت بنا لمدة ستة أيام تعرضنا خلالها لأقسى صنوف التعذيب على أيدي رجال الأمن اليمنيين، ومما زاد في صعوبة أمرنا التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم حركة الشباب والتي ذكر فيها بأن حركته سترسل إمدادات إلى الحوثيين في اليمن.

وبعد إطلاق سراحنا واصلنا السفر إلى السعودية مشيا على الأقدام فانسلخت جلود أرجلنا، وكانت أبرز اللحظات مأساوية بالنسبة لنا في الحدود السعودية اليمنية عند سقوطنا في يد بشر يأكلون لحوم البشر، فأنقذنا الله ـ تعالى ـ منهم.

الشاهد: هل تتحدث عن حلم أم عن حقيقة؟

أحمد: هذه حقائق أريد أن أكشفها لشبكة الشاهد.

الشاهد: ما اسم هذا المكان الذي كدتم أن تتحولوا فيها إلى فريسة للذئاب البشرية _ إذا صح التعبير_؟

أحمد: اسمها الدهانية وهي قرية صغيرة في الريف تابعة لمنطقة أبي عريش.

الشاهد: بعد نجاتكم من هذه المأساة ماذا كانت خطوتكم التالية؟

أحمد: قررنا تسليم أنفسنا للشرطة السعودية طمعا في إعادتنا إلى الصومال، لأننا كنا نعاني من إرهاق نفسي وبدني شديد، فتمت إعادتنا إلى الصومال بعد قضائنا فترة شهر ونصف شهر في السجون السعودية.

الشاهد: ما هي أبرز الأحداث مأساوية بالنسبة لسفركم من الصومال إلى السودان؟

أحمد: في الحدود الأثيوبية السودانية تعرضنا لظمأ شديد بعد أن مشينا لعدة أيام متوالية، فذقت طعم البول لأول مرة في حياتي  خلال هذه الرحلة، حيث اشترينا ثلاث لترات من البول بمبلغ 200 دولار أمريكي، كما أن عددا من الشباب الذين كانوا يرافقوننا في السفر ماتوا جوعا وظمأ أمام أعيننا.

الشاهد: بماذا تنصح الشبان الصوماليين الذين يرغبون في السفر غير الشرعي إلى بلدان العالم الذين حتما سيقرؤون مقابلتك؟

أحمد: أنصحهم أن لا يسافروا بطريقة غير شرعية، وأن يحذروا السفر إلى اليمن أو إلى السودان بالطرق غير القانونية.

الشاهد: هل أنت مقتنع الآن في البقاء في الصومال أم ما زلت ترغب في السفر إلى الخارج؟

أحمد: أنا ما زلت أنوي السفر، ولكن هذه المرة أريد السفر إلى الخارج بطريقة شرعية، لأنني جربت تجربة السفر غير الشرعي ثلاث مرات، تلقيت خلالها مآسي أليمة حفرت  في أعماق ذاكرتي أغوارا من الحزن والرعب.

الشاهد: نشكرك على صراحتك في الحديث معنا.

أحمد: أشكر شبكة الشاهد وأحيي كافة العاملين فيها.

تعليق واحد

  1. أشكر الأخ عبد القادر علي جهده في كتابة هذه المقال الرائع. دعني أعترف بأني استمتعت بقرأتها. ولكن تعليقي للمقا هو: بقاء الشعب الصومال في فوضويتها.

    دعني أشرح الأمر بقليل من التفاصيل. تخيل أن الشعب الصومالي كله ينضبط النظام. فمن، ياتري، ركب البحر وتسلل الحدود ليصل إلي أبعد أرض الله ليرفع مستوي حياته ولاقاربه.

    في بداية حياتي، وخاصة بعد ما اختلطت بالمجتمعات الأخري، كنت، كمثلك ألوم الشبعب الصومالي وأتهمه بالفوضي، ولكنني بعد وقفة تأملية وتفكير عميق علمت أننا لندثرنا لو لم نكن فوضويين.

    لماذا أقول ذلك لأن في العالم اليوم مشاكل تسمي “فشل الإنطلاق” أو failure to launch أو كما نقول “Caas caas ama sida reer baadiyuhu dhahaan masdilوالتي يقصد من فشل الشباب الغربيين خاصة في بدء حياتهم باستقلالية بدل الإعتماد علي أهله وأقاربه.

    يااخي عبد القادر لعلك باخع نفسك علي أن تكون أمتك فوضوية. وأقول لك أن هذه الفوضي من نعمة الله علينا. لقد تعامل الغربيين والأفارقة وعلمت أن الفوضي عامل مهم في نجاح الشخص، بل هي ضرورية لكي تتخطي إلي الأمام.

    لوكان الصوماليون يطبقون النظام في البلدان التي إتخذوها مسكنا لما رأيت نجاح تجار الصومال الذي تحقق في كينيا وقلما رأيت صوماليا واحدا يعيش في الغرب.

    إسأل العرب والأسويين والأروبيين الذين حصلوا علي جنسيات الدول المتقدمة. لاشك أنهم سيقولون لك أنهم وصلوا ما وصلوا إليه من نجاح نتيجة خرق القوانين الدول التي إنتقلوا إليها.

    دعني في النهاية أعطي أخي الفاضل عبد القادر مثالا حيا في العاصمة الكينية التي تعاني من أشد الرحمات التي رأيتها في حياتي. لكي أصل إلي مكاني بسعة وفي خلال دقائق، تعودت علي ركوب حافلة “رقم ٩” التي اشتهرت بخرقها كل قوانين المرور في البلد.

    مرة قرأت سائق سيارة يقول: لوامتثلت بقوانين المرور لما قعطعت أرضبا ولا وصلت مكانا.

    ولذا نصيحتي لأخي الفاضل وزميلي القديم عبد القادر “هون علي نفسك” وانظر الجانب الإيجابي للفوضي. فهده نعة عظيمة من الله تعالي لكي ينقدنا من ويلات التقاعس والإنتظار. مجرد أسئلة هل تعتقد أن النسيان نعمة؟ تجيل لوبقي في ذهنك عالقا هل الإحباطات والهموم القاتلة التي مرت بك في حياتك منذ نعومة أظافرك.

    يا أخي عبد القادر، الدنيا مليئة بالفوضي ولكن نظرة الإنسان إليها تختلف. نصيحتي كن فوضويا، بارك الله فيك.

%d مدونون معجبون بهذه: