الرئيس الصومالي للأناضول: هزمْنا “الشباب” عسكريا والمحاصصة القبلية ولّت (مقابلة)

[مختارات الشاهد ] مقديشو/ نور جيدي/ الأناضول : 

“لست مبالغاً إذا قلت إن الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس رجب طيب أردوغان للبلاد في عام 2011 وما تلاها من زيارات أخرى كانت نقطة انطلاق للتطور الأمني والاستقرار الذي يشهده الصومال حالياً” (حسن شيخ محمود)

قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إن مقديشو التي تجد دعماً عسكرياً من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي “أميصوم” تمكنت من “هزيمة” حركة “الشباب” عسكرياً، مؤكداً عزمه تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها الجديد نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل بعد تأجيلها قبل أيام ورغم كل التحديات.

وفي مقابلة خاصة أجرتها وكالة “الأناضول” للأنباء معه في مقديشو، أوضح شيخ محمود أن الحرب على الإرهاب “قضية باتت دولية في جميع أنحاء العالم من أفريقيا وآسيا وأوروبا، والصومال جزء من تلك الحرب”.

وأشار إلى أن بلاده باتت من الدول القليلة التي تمكنت من الحد من خطر الإرهاب وسوف تتخلص مما وصفه بـ”ورم حركة الشباب في وقت قريب”.

ودللّ شيخ محمود على كلامه بأن الضعف الذي يدبّ في أوصال حركة “الشباب” اتضح في الفترة الأخيرة، بعد أن كانت تسيطر على أجزاء واسعة من العاصمة قبل أعوام.

وتأسست نواة حركة “الشباب”، مطلع عام 2004، وهي حركة مسلحة تتبع فكريًا لتنظيم “القاعدة”، وتعتبر التحدي الأبرز الذي يواجه الحكومة الصومالية.

وانحسر نفوذ وهجمات حركة “الشباب” خلال الأشهر الماضية بعدما قامت القوات الحكومية بدعم من “أميصوم” بعمليات عسكرية لدحر الحركة في عدد من الأقاليم الصومالية إلى جانب الغارات الجوية التي تنفذها جهات دولية وتستهدف قيادات الحركة ونجحت في قتل عدد منهم خلال السنوات الماضية.

وشدّد الرئيس الصومالي على أهمية عدم الاعتماد كلياً في إستراتيجية الحرب ضد الإرهاب على السلاح فقط، مشيراً إلى أنه “يجب محاربة الظاهرة أيديولوجياً، ورغم أن الإرهابيين يستغلون الظروف الأمنية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد، إلا أن الحكومة ستواجه حركة الشباب بتبني سياسة جديدة وهي الحرب على الأفكار”، وفق تعبيره.

وحول ملامح وأدوات تلك الحرب التي يتحدث عنها، قال شيخ محمود إن تلك الحرب تتم “من خلال التوعية وفتح مراكز علمية وفكرية تحارب الأفكار المتشددة، كذلك محاربة الفقر الذي يغذّي أفكار التطرف عن طريق النهوض باقتصاد البلاد، وخلق فرص عمل للشباب لتجفيف منابع المتشددين البشرية منها والمالية”.

وحول ثقة الحكومة الصومالية في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها الجديد بعد تأجيلها إلى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل أكد الرئيس الصومالي أن “الانتخابات ستعقد في موعدها المحدد وتعمل الحكومة على تجاوز كافة العقبات التي قد تعرقل تنظيمها”.

وتستعد الصومال لخوض انتخابات رئاسية وبرلمانية كان من المفترض أن تجري في 25 سبتمبر/ أيلول الجاري لكن لجنة الانتخابات أرجأتها إلى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل لأسباب مالية وأخرى فنية.

وتختلف الانتخابات المقبلة عن سابقتها من حيث حجم المشاركة، حيث سينتخب نحو 14025 عضواً من شيوخ القبائل البرلمان الصومالي المكون من 275 عضوا، بدلا من الاعتماد على 130 شيخا قبلياً كانوا ينتخبون النواب سابقاً.

وأوضح الرئيس أن “أسبابا فنية قد تعرقل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في البلاد التي لم تشهد أي انتخابات من هذا النوع منذ نحو 47 عاما وهذا أمر طبيعي، ورغم هذا فإن الهيئات الحكومية ستعمل بجد على تنظيم الانتخابات في موعدها نوفمبر المقبل”.

أما على صعيد ميزانية الانتخابات التي قيل إنها أحد العوامل الأساسية التي تهدد إجراءها، أكد الرئيس الصومالي أن الحكومة مستعدة لدفع 40 بالمئة من ميزانية الانتخابات بعد دفع المجتمع الدولي 60 بالمئة، موضحا أن أسباب تأجيل الانتخابات الرئاسية في البلاد، لا تكمن فقط في الجانب المالي، بل إن معظمها يتعلق بأسباب فنية و”سنحاول التغلب عليها من أجل تنظيم الانتخابات في موعدها”.

وبخصوص التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه بلاده في المرحلة المقبلة، أكد شيخ محمود على أن الحكومة قادرة على تجاوز والتعامل مع تلك التحديات ولها تجارب ناجحة خلال الفترة الماضية حيث تمكنت من تشكيل إدارات فيدرالية محلية من أجل توسيع رقعة المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية على عكس الانتخابات التي جرت عام 2012 (فاز فيها)

ومضى قائلا “إن الحكومة الصومالية واجهت تحديات عديدة لتشكيل الإدارات المحلية في البلاد لكن أخيرا نجحت، وهي الآن على وشك الانتهاء من عملية تشكيل إدارة “هيران وشبيلي الوسطى” لتكون آخر الإدارات المحلية المكونة من إقليمين (هيران وشبيلي الوسطى) وسيتم انتخاب رئيس الإدارة ومجلس البرلمان المحلي في أكتوبر المقبل وقبيل بدء الانتخابات البرلمانية في البلاد”.

وأكد الرئيس أن الأجهزة الأمنية على أهبة الاستعداد لتأمين الدوائر الانتخابية الرئاسية والبرلمانية في البلاد، بدعم من قوات حفظ السلام “أميصوم”، وسترد بكل صرامة على كل من يسعى لتعكير صفو أمن الانتخابات، في إشارة إلى مقاتلي الشباب أو غيرهم.

وبعد الإطاحة بالحكم المركزي عام 1991، ودخول البلاد مرحلة من الفوضى، خاض الصومال 4 انتخابات رئاسية وبرلمانية؛ ثلاثة منها عقدت خارج البلاد في كينيا وجيبوتي، بينما الأخيرة التي انتخب فيها الرئيس الحالي (تنتهي ولايته في العاشر من سبتمبر الجاري)، فعقدت في العاصمة مقديشو، غير أن الانتخابات المقبلة قد تكون مختلفة عن سابقاتها من حيث حجم التمثيل السياسي والمشاركة، وكيفية إجرائها.

وعادةً ما تكون الانتخابات رئاسية وبرلمانية معا، وتجري بطريقة غير مباشرة حيث ينتخب مندوبو القبائل – وليس الشعب – البرلمان بغرفتيه (الشيوخ والشعب)، وبدوره ينتخب الأخير رئيس البلاد من بين المرشحين للرئاسة.

وفي الوقت الذي تستمر حالياً في العاصمة مقديشو حملات الدعاية الانتخابية التي ينظمها المرشحون لمنصب الرئاسة في الفترة المقبلة، أعرب الرئيس الصومالي عن ثقته في الفوز بولاية ثانية، معزيا ذلك إلى “إنجازاته” التي حققها خلال السنوات الأربع إلى جانب التزامه بوعوده السابقة التي عمل على تنفيذها منذ توليه المنصب.

و,أضح قائلا: “مما لا يختلف عليه اثنان أن البلاد قطعت شوطا كبيرا نحو التطور والاستقرار منذ وصولي إلى سدة الحكم”، مشيرا إلى أنه أنجز الكثير من تعهداته ولا يزال مستعدا لدفع البلاد نحو مزيد من التطور والازدهار في حال استمراره في الحكم.

غير أن الرئيس الصومالي لم يقلل من شأن منافسيه لرئاسة البلاد حيث قال إن الشعب الصومالي “يمتلك الكلمة الأخيرة لانتخاب من يراه مناسبا لهذا المنصب، ويحق له أن يختار أي مرشح يتمتع بأجندة سياسية واضحة قد تغير البلاد نحو الأفضل”.

ويتنافس في سباق الرئاسة في الانتخابات المقبلة نحو 17 مرشحاً لكن المرشحون الأبرز هم شيخ محمود ورئيس الوزراء الحالي عمر عبد الرشيد شرماركي والرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد ومحمد نور ترسن رئيس بلدية مقديشو وجبريل إبراهيم عبدلي ناشط في المجتمع المدني إلى جانب كل من محمد عبد الله فرماجو رئيس الورزاء الأسبق وعبد الرحمن عبد الشكور وزير التخطيط والتعاون الدولي الأسبق.

وبخصوص العمل على الانتقال من المحاصصة القبلية التي تعتمد عليها سياسة البلاد إلى الأحزاب، اعتبر الرئيس الأمر “نقلة نوعية حققها الشعب الصومالي” حيث كانت القبيلة ومنذ سنوات تلعب الدور الأبرز في الحياة السياسية للبلاد، مشيراً إلى أن المجتمع الصومالي “أدرك أهمية الأحزاب في البلاد حيث بإمكان أي فرد أن ينضم لأي حزب يقتنع بأفكاره وأجنداته السياسية وينتمي إليه بدلا من القبيلة، رغم أن القبيلة لها منافع في الحياة الاجتماعية، لكن في السياسة يختلف الأمر”.

ومضى قائلا إن “كل سياسي صومالي ينتمي لقبيلة، والقبيلة بدورها كانت ترشح من يمثلها في السياسية، ورغم أن القبيلة لها منافع إلا أنها لا تتناسب مع نظام الدولة وخاصة عند بناء دولة رشيدة وقوية تستطيع بسط سيطرتها على أرجاء البلاد، ما يعني أن منطق القبيلة قد ولى زمنه بعد سنوات من الفوضى والخراب”.

ويعد حزب السلام والتنمية الذي أسسه شيخ محمود عام 2011، وحزب دلجر الذي تأسس عام 2014 وحزب كلن الذي تأسس عام 2015 أبرز الأحزاب السياسية في البلاد، وأقر البرلمان الصومالي مشروع قانون الأحزاب في شهر مايو/ أيار عام 2016 بينما صادق الرئيس شيخ محمود على المشروع في أغسطس/ آب الماضي تمهيداً لتعددية حزبية واسعة في البلاد.

وحول الدور التركي في الصومال، قال شيخ محمود إن “لتركيا دور بارز في الصومال وعلى جميع الأصعدة والمجالات الإنسانية والبنية التحتية والصحة والاستثمار، ولست مبالغاً إذا قلت إن الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للبلاد في عام 2011 وما تلاها من زيارات أخرى كانت نقطة انطلاق للتطور الأمني والاستقرار الذي يشهده الصومال حالياً”.

وأوضح أن تركيا “تشكل بالنسبة للصومال شريكاً تاريخياً وأساسياً يقف إلى جانبها في وقت كان العالم يتابع ظروفها عن بعد، فتركيا لفتت انتباه العالم للصومال، والشعب الصومالي يكن الاحترام والتقدير لتركيا حكومة وشعبا”.

وفيما يخص النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا قال الرئيس إن بلاده أعلنت وستعلن مجدداً أنها “لن تتنازل عن شبر واحد من مياهها الإقليمية ولها الحق في أن تدافع عن حدودها البحرية والبرية”.

وحول إمكانية حل النزاع بين البلدين الجارين عبر المفاوضات، أكد الرئيس أن “فرصة المفاوضات لحل القضية انتهت”، واستدرك قائلاً “نسعى للتحاكم في محكمة العدل الدولية أمام أنظار المجتمع الدولي، ولدينا ثقة تامة في أن تنتهي القضية المتنازع عليها لصالحنا، فدعوتنا تستند لحقائق ولا نطمع في حق غيرنا”.

وظهر النزاع البحري بين الصومال وكينيا عام 2012 عندما وقعت الأخيرة مع شركات عالمية اتفاقيات للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية ما أثار امتعاض الحكومة الصومالية والتي طالبت الشركات بالانسحاب من المناطق المتنازع عليها بين البلدين، ليتم اللجوء بعدها إلى المفاوضات إلا أن البرلمان الصومالي رفض تلك المفاوضات، وبعد فشل الأخيرة لجأت مقديشو إلى محكمة العدل الدولية لبحث النزاع البحري مع كينيا.

وشيخ محمود البالغ من العمر 60 عاماً هو أستاذ أكاديمي حاصل على درجة الماجستير من جامعة بوبال الهندية، وتولى رئاسة البلاد عام 2012 لمدة أربع سنوات انتهت الشهر الجاري.

 المصدر: الموقع العربي لوكالة أناضول التركية http://aa.com.tr/ar

%d مدونون معجبون بهذه: