قلق من تأجيل الاستحقاق الانتخابي في الصومال

بقلم : عبد الرحمن عيسى :

مقدمة :

تساور الأوساط السياسية والشعبية الصومالية شكوك ومخاوف من التأجيل المتكرر لجدول الانتخابات غير المباشرة في البلاد ، ويبدي بعض المرشحين قلقا متزايدا من إمكانية أن يصب هذا الإرجاء لصالح القيادات السياسية الحالية سواء على المستوى الاتحادي أو الولائي والمتمثلة في منتدى القيادة الوطني، والذي يضم الرئاسات الثلاث وجميع رؤساء الولايات الفيدرالية في ظل رغبة هذه الأطراف السياسية الفاعلة كسب المزيد من الوقت والمماطلة لأكثر مدى زمني ممكن.

 وفي نفس السياق أعرب مجلس الأمن الدولي عن أسفه لتأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية لهذا العام في الصومال، داعيا جميع الجهات المعنية للامتثال بالجدول الزمني المعدل للانتخابات “دون مزيد من التأخير” من خلال بيان رئاسي ؛ حيث رحب الأعضاء الـ 15في المجلس بالتقدم السياسي والأمني المستمر في الصومال منذ عام 2012، وشددوا على ضرورة الحفاظ على هذا الزخم نحو الحكم الديمقراطي، مع عملية انتخابية شاملة وشفافة وذات مصداقية في عام 2016 كخطوة أولى تمهد الطريق لإجراء اقتراع شعبي مباشر في عام 2020.

  • النموذج الانتخابي والجدول الزمني

توصلت القيادات الصومالية إلى قرار توافقي عبر منتدى القيادة الوطني إلى نموذج انتخابي غير مباشر بعد أن تعذر تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية مباشرة للظروف الموضوعية التي تمر بها البلاد، ويقضي النموذج الانتخابي أن تباشر عينة مصغرة من الشعب انتاب مجلس النواب البالغ عدده 275 عضوا، في حين يقوم رؤساء الولايات بتعيين مجلس الأعيان المكون من (58) عضوا، وبعد تشكيل البرلمان وانتخاب رئاسة البرلمان بمجلسيه يقوم البرلمان بدوره بانتخاب رئيس الجمهورية حسب الاتفاق؛ على أن تجرى في البلاد انتخابات مباشرة في عام 2020 ، وبموجب ذلك تم وضع جدول زمني من 20 أغسطس إلى 20 سبتمبر 2016 لتنفيذ الاستحقاق الانتخابي، وللأسف لم يتم الالتزام بالجدول الزمني المتفق علية لأسباب منها غياب الإرادة السياسية وقلة الاستعدادات ونقص التمويل من المجتمع الدولي الذي وعد بالإشراف على التحول السياسي والاستحقاق الانتخابي إضافة إلى أن النموذج الانتخابي تجربة جديدة على البلاد التي تتعافى من آثار حرب أهلية، ولتفادي حدوث فراغ دستوري تم تمديد ولاية المؤسسات الدستورية من البرلمان والحكومة والرئاسة حتى الانتهاء من تنفيذ العملية الانتخابية.

 وعلى إثر ذلك تم وضع جدول زمني معدل للانتخابات البرلمانية حتى 25 أكتوبر، والرئاسية حتى 30 أكتوبر..
غير أن المراقبين لا يستبعدون حدوث مزيد من التأخير بالنظر إلى معطيات ومؤشرات على أرض الواقع من وتيرة الاستعدادات والحملات الانتخابية التي وإن بدأت تتسارع إلا أنها لم يشتد رحاها بعد، فمنتدى القيادة الوطني لم يرفع جلساته بعد إيذانا ببدء المعركة الانتخابية بشقيها البرلماني والرئاسي مما يبقي الباب مفتوحا لإجراء تعديلات على بعض بنود النموذج الانتخابي الأمر الذي ينسحب إلى تعديل في الجدول الزمني.

  • فرصة تاريخية

تعد الانتخابات القادمة نهاية هذا العام ثاني انتخابات يتم عقدها في داخل البلاد منذ عام 1967 وإن كانت بشكل غير مباشر إلا أنها تعكس مدى التقدم السياسي والأمني الذي تم إحرازه بالرغم من ضآلته مقارنة لما هو مطلوب ولكن بلا شك فقد خطى الصومال خطوات إلى الأمام بشهادة مجلس الأمن الدولي الذي اعتبر العملية الانتخابية “فرصة تاريخية” لتقديم المزيد من الحكم التمثيلي للشعب الصومالي وتمثيل كافة فئات الشعب مما يساهم في إرساء قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، كما رحب المجلس بقرار منتدى القيادة الوطني على تمثيل عشائر الأقليات والنساء وحث المجلس جميع الأطراف على اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الأحكام الواردة في بيان مجلس القيادة الوطني في 9 أغسطس 2016، بما في ذلك التزام الحكومة في تحقيق حصة 30 في المائة من مقاعد مجلسي البرلمان للنساء. وحث المجلس على الحكومة ضمان عملية انتخابية شفافة وذات مصداقية في مناخ من الاحترام لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وأثنى على إنشاء آلية تسوية المنازعات الانتخابية.

ورغم هذه الدعوات الدولية والمحلية إلا أن واقع الحال يفرض نفسه، فجمع 14075 مندوبا والمرشحين والمراقبين في عواصم الولايات وضمان أمنهم وشفافية ومصداقية العملية الانتخابية أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلا في غضون 50 يوما، ويرى المحللون أن العملية الانتخابية ستطول وستأخذ وقتا أطول من المتوقع لا يقل عن شهر ديسمبر على أقل تقدير، بالنظر للأمور الفنية واللوجستية هذا إذا استبعدنا الخلافات السياسية التي قد تطرأ وتعرقل العملية الانتخابية برمتها.

  • خلاصة

في كل الأحوال فإن التحول السياسي سيأخذ مجراه، وستجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل نهاية العام الجاري، ويعول الشعب الصومالي على ذلك، راجيا أن تفرز العملية الانتخابية قيادة قادرة على إخراج البلاد من مرحلة الدولة الهشة إلى مرحلة الدولة المستقرة ذات السيادة الكاملة، وهذا الاستحقاق سيدخل البلاد في مرحلة جديدة من بناء الدولة وتحقيق الاستقرار وإنعاش الاقتصاد وتحقيق طموحات الشعب الصومالي في العيش الكريم وإنهاء التشرد واللجوء، ومن الطبيعي أن لا يتم حل المشاكل الصومالية في الأمد المنظور لأن التعافي سيأخذ وقتا طويلا ولكن الأهم هو السير نحو الهدف ولو بخطوات بطيئة؛ ولكنها مدروسة بعناية ودقة، ويجب على الجميع أن يساهموا في إحداث التغيير والإصلاح المنشود . .

%d مدونون معجبون بهذه: