تطلعات لفتح صفحة جديدة في العلاقات الصومالية-الأمريكية

بقلم : عبد الرحمن عيسى

تمهيد :

بدأت العلاقات الصومالية الأمريكية بعد استقلال الصومال مباشرة في عام 1960 ، ومرت بمراحل قوة أثناء الحكم المدني من عام 1960 إلى 1969م، ودخلت في مرحلة فتور بعد أن تعززت العلاقات الصومالية مع الاتحاد السوفييتي بعد انقلاب العسكر واستيلائهم على السلطة في عام 1969 إلى أن انهار الحكم العسكري؛ مما أدى إلى انسحاب البعثات الدبلوماسية من الصومال بسبب الحرب الأهلية في عام 1991، ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقات فراغا دبلوماسيا من جانب الولايات المتحدة؛ لأن الصومال استأنف العلاقات مع أمريكا في عام 2014 بتعيين رئيس الحكومة الحالية عمر عبد الرشيد علي شرماركي كأول سفير للصومال بعد الحرب الأهلية، وبحسب بيان وزارة الخارجية الأمريكية الذي صدر الاثنين 27 يونيو حزيران في واشنطن، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد قررت ملء الفراغ الدبلوماسي مع الصومال؛ حيث أدى السفير الأمريكي المعين للصومال ستيفن شوارتز اليمين القانونية بعد موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي عليه في مايو الماضي كأول سفير أمريكي إلى الصومال منذ 25 عاما، وبذلك سيخلف جيمس بيشب آخر سفير أمريكي معتمد لدى الصومال، والذي غادر مقديشو قبل أكثر من عقدين من الزمن بعد اندلاع الحرب الأهلية في الصومال.

 ويعتبر شوارتز أحد كبار ضباط الخدمة الدبلوماسية في الخارجية، وسبق أن شغل منصب نائب رئيس البعثة في زامبيا، وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد رشح في البداية إلى هذه المهمة إلى السيدة كاثرين سيموندس طناني؛ لتكون سفير الولايات المتحدة لدى الصومال بيد أنها سحبت ترشيحها العام الماضي متعللة بأسباب شخصية، الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة قد اعترفت رسميا بإدارة الرئيس حسن شيخ محمود في عام 2013، هذا وسيقدم السفير المعين أوراق اعتماده أمام الرئيس الصومالي بعد أن تجتاز الإجراءات البروتوكولية المعتادة عبر القنوات الدبلوماسية؛ الأمر الذي سيستغرق عدة أسابيع .

ذكريات أليمة وتطلعات لصفحة جديدة

وكانت الولايات المتحدة قد قادت عملية إعادة الأمل أطلقها الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الأب والذي اتخذ قرار التدخل ولم يبق من مغادرته المكتب البيضاوي أسابيع قليلة، فقد نزل 27 ألف جندي من البحرية الأميركية (المارينز) في ليل الأربعاء 9 من ديسمبر 1992، إلى شواطئ العاصمة مقديشو لوقف الحرب الدائرة بين الفصائل الصومالية المتناحرة وتأمين الطرق لإيصال المساعدات العاجلة إلى عشرات الآلاف من الصوماليين الذين كانوا يموتون جوعا بسبب الحرب الأهلية؛ إلا أن العملية انتهت بفشل ذريع بعد مقتل العديد من المدنيين الصوماليين وإسقاط مليشيات الجنرال محمد فارح عيديد طائرة هليكوبتر عسكرية أمريكية ومقتل 18 جنديا، وانسحبت الولايات المتحدة من الصومال في عام 1993 بعد أن وجدت نفسها في مواجهة مفتوحة مع الشعب الصومالي في الوقت الذي كانت تتحدث فيه بإنقاذ الشعب الصومالي من ويلات الحرب والمجاعة.

ويأتي تعيين السفير الجديد في محاولة لتغيير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصومال التي كانت تتعاطى عن بعد مع الصومال نتيجة لأخطائها الكارثية في بداية الأزمة الصومالية، وللأسف فإن الذاكرة الشعبية تحمل في طياتها ذكريات ومآسي أليمة للجانب الصومالي أكثر من الجانب الأمريكي، وهذه الخطوة من شأنها محو هذه الذكريات وفتح صفحة جديدة من التعاون في كافة المجالات، وخاصة جهود إعادة مؤسسات الدولة الصومالية الأمنية والاقتصادية التي تتعافى من آثار الحرب الأهلية وعقود من عدم الاستقرار، حيث يحتاج الصومال إلى مساعدة المجتمع الدولي وفي مقدمتهم الولايات المتحدة كصديق للشعب والحكومة الصومالية.

وفي إشارة إلى هذه السياسة الجديدة أدلى السفير المعين شوارتز بتصريح مقتضب عقب أداء القسم قائلا : ” لقد حان الوقت للسلطات الصومالية تأسيس جيش وطني صومالي قادر على استجابة التحديات، ولديه فعالية لهزيمة حركة الشباب وتوحيد البلاد”، وبدوره قال نائب مساعد وزير الخارجية أنطوني بلينكن ” إن الصومال قد أحرز تقدما؛ لأن قادتها يرون أهمية النمو والسلام والاستقرار للبلاد رغم أن التحديات التي تواجه العملية السياسية والجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار والانتعاش الاقتصادي والكفاح ضد الارهابيين ما زالت كبيرة، لا أحد منا لديه أي أوهام بشأن التحديات التي تنتظرنا”

زيارة وزير الخارجية الأمريكي

ويأتي تعيين شوارتز بعد الزيارة التاريخية المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى مقديشو في مايو 2015، ليصبح أول وزير خارجية أمريكى يزور الصومال على الإطلاق، وأظهر كيري الدعم للصومال الذي يعاني من آثار الحرب ويسعى بجهود حثيثة لاستعادة الحياة الطبيعية والتغلب على الحركات المتطرفة، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر داعم للصومال بملايين الدولارات وخاصة دعم الأجهزة الأمنية مثل قوات التدخل الخاصة المعروفة بـ “غاشان” أي الدرع (Alpha group) إضافة إلى الجوانب الإنسانية والتنموية .
تدشين مرحلة جديدة

يقرأ المحللون في الخطوة الأمريكية الجديدة بتغير السياسة الخارجية السابقة تجاه الصومال بعد فشل التدخل الأمريكي المباشر وانتهاء العملية بفشل سياسي وأخلاقي ذريع نتيجة عدم فهم هوية وطبيعة وثقافة المجتمع الصومالي، وبعد فترة من التجاهل التام استعاضت الولايات المتحدة تدخلها المباشر بتدخل غير مباشر؛ حيث سمحت بقوات أفريقية لحفظ السلام وذلك لاحتواء الوضع في الصومال حتى إشعار آخر، وتعتقد الولايات المتحدة أنه حان الوقت المناسب للعودة إلى الصومال، وخاصة بالنظر إلى عدة متغيرات متلاحقة في الآونة الأخيرة، منها توجس الولايات المتحدة من زيارة رئيس الحكومة الصومالية شرماركي إلى موسكو في أبريل الماضي لتطبيع العلاقات مع روسيا وخوفها من نسج الصومال علاقات استراتيجية مع روسيا من جديد إضافة إلى وجود الصين في الصومال منذ ديسمبر 2014، وإعلان أوغندا سحب قواتها العاملة في الصومال نهاية عام 2016 ضمن بعثة قوات الاتحاد الأفريقي؛ علما بأنها أول وأكبر قوة في أميصوم، وكذلك تأخر مرتبات القوات الأفريقية وتخفيضها؛ كلها مؤشرات وإرهاصات بدخول عصر جديد ستنخرط الولايات المتحدة مع الصوماليين مباشرة دون وسطاء ووكلاء، وتعتقد الولايات المتحدة متسلحة بدروس التاريخ بأن الصوماليين وقياداتهم يمكنهم التعامل معهم دون وصاية من أحد.

وبالنسبة للصومال – الذي سيشهد انتخابات رئاسية والتي بموجبها ستنتقل السلطة – يرى المحللون أن الولايات تقرأ المشهد السياسي الصومالي وتحاول التأثير على قدوم رئيس صومالي تستطيع التعامل معه لتحقيق مصالحها إلا أن المطلوب من السياسيين الصوماليين أن يهتموا بتحقيق المصالح الصومالية في جلب الاستقرار السياسي والاقتصادي بالاستفادة من الولايات المتحدة كقوة عظمى في إعادة بناء دولته ومن نفوذها في المجتمع الدولي.

أخيرا، إن الحضور الأمريكي للصومال سيزيد من التمثيل الدبلوماسي في الساحة الصومالية، والذي ينموا باطراد منذ طرد حركة الشباب من العاصمة في أغسطس عام 2011 .

%d مدونون معجبون بهذه: