قراءة في زيارة الرئيس الصومالي إلى مخيم داداب في كينيا

بقلم : عبد الرحمن عيسى

مقدمة :

قام الرئيس الصومالي ” حسن شيخ محمود ” بزيارة رسمية إلى كينيا استغرقت ثلاثة أيام في الفترة من 6-8 يونيو 2016، شملت مخيم داداب للاجئين الصوماليين في شمال شرق كينيا، وهي أول زيارة من نوعها لرئيس صومالي إلى مخيمات اللاجئين، وذلك بهدف تفقد أوضاع اللاجئين المقيمين هناك وبحث العلاقات الثنائية مع كينيا والقضايا ذات الاهتمام المشرك، وقد عقد الرئيس في مستهل زيارته لقاءات مع الجهات الفاعلة والمؤسسات المعنية بشؤون اللاجئين كوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمسؤولين في المخيمات ونماذج من اللاجئين الذين يعيشون في المخيم، وكان في استقبال الرئيس الصومالي لدى وصوله إلى بلدة داداب التي يقع فيها المخيم، وزير الخارجية الصومالي وأعضاء السفارة الصومالية في كينيا الذين سبقوا الرئيس إلى المخيم تمهيدا لزيارته. وقد أجرى الرئيس الصومالي في اليوم الثاني لزيارته لكينيا جلسة مباحثات أولى مع نظيره الكيني تركزت العلاقات الثنائية وخاصة التعاون الأمني إضافة إلى ملفات أخرى ذات الاهتمام المشترك، وفي اليوم الثالث والأخير من زيارة الرئيس إلى كينيا عقد جلسة مباحثات صدر في نهايتها بيان مشترك حول كافة النقاط التي شملها النقاش .

الاتفاق الثلاثي

تجدر الإشارة إلى أن هذه الزيارة تأتي في وقت تصاعدت فيه أزمة اللاجئين في مخيمات شمال شرق كينيا التي أعلنت عزمها على إعادة اللاجئين إلى ديارهم بعد ربع قرن من وجودهم في المخيمات، ووضعت الحكومة الكينية جدولا زمنيا وميزانية قدرت بنحو عشرة ملايين دولار لإغلاق المخيم الذي يؤوي ما لا يقل عن ثلاثمائة وخمسين ألف لاجئ غالبيتهم من الصومال، وتقول كينيا إن المخيم بات منطلقا للمسلحين الذين شنوا هجمات عدة داخل الأراضي الكينية في الشهور الأخيرة.

وقد اعترض على الخطوة الكينية كل من الصومال والأمم المتحدة بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا؛ إلا أن كينيا تبدو مصرة على إغلاق مخيم اللاجئين الذي يؤوي لاجئين معظمهم من الصومال وطالبت كل من أمريكا وبريطانيا بإعادة توطين اللاجئين في بلادهم ورفع العبء عنها. وكانت الصومال قد وقعت مع كينيا ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة اتفاقا في 11 نوفمبر 2013 يقضي بإعادة اللاجئين الصوماليين الراغبين في العودة إلى الصومال بحلول 11 نوفمبر 2016، وبالفعل تمت طوعيا إعادة نحو 14 ألف من اللاجئين إلى أماكن اختيارهم في الصومال؛ ولكن المشكلة أضحت قلة الأعداد الراغبة في العودة الطوعية برعاية الأمم المتحدة؛ علما أن الاتفاق لا يجبر أي لاجئ على العودة القسرية طالما أن الأسباب التي دفعته إلى اللجوء لم تنتفِ بعد، وإن حدث تحسن نسبي كبير في الوضع الأمني، ولكن لا تتوفر الخدمات الأخرى كالتعليم والصحة، وهو ما يجعل اللاجئ يتمسك بالمخيم ولا يرغب في مغادرته في هذا الوقت بالذات ويفضل الانتظار إلى أن يحدث مزيدا من تحسن الخدمات في بلده.

أسباب تفاقم أزمة اللاجئين

من أسباب تفاقم هذه الأزمة طول أمد بقاء اللاجئين من الصومال لفترة طويلة تتجاوز ربع قرن في كينيا، وقد قامت كينيا بإيوائهم حسب القوانين الدولية إلا أن تدهور الأوضاع الأمنية في كينيا واعتقادها بأن المتطرفين قد اتخذوا من مخيمات اللاجئين قاعدة لنشاطاتهم الإرهابية يُعد السبب الرئيسي لموقف كينيا للحفاظ على أمنها القومي، ومن الأسباب شح التمويل الدولي لأنشطة اللاجئين في ظل تزايد أزمة اللجوء في عدد من المناطق في العالم، وهناك سبب آخر وهو الخشية من أن يصبح اللاجئون مواطنين كينيين مما يزيد من سكان محافظة شمال شرق كينيا الذين هم أصلا صوماليون، ولكن بعض المحللين يذكرون بأن قسما لا بأس به من اللاجئين في المخيم من صوماليي إيثوبيا وكينيا؛ وهم رعاة المنطقة الذين فقدوا مواشيهم في أزمات الجفاف المتكررة في منطقة القرن الأفريقي، وانضموا إلى بقية اللاجئين، وهو ما يجعل ملف اللاجئين في كينيا ذا أبعاد متشعبة؛ كقضية معقدة تستعصي على الحل القريب.

آفاق الحل

هناك اتجاه لتسوية ملف اللاجئين على الأمد البعيد، وهو ما يعني العمل ضمن إطار الاتفاق الثلاثي بالعودة الطوعية وإن على وتيرة بطيئة، وقد بحث الرئيس الصومالي بعمق مع نظيره الكيني ملف إعادة اللاجئين، موضحا سياسة الصومال في إعادة اللاجئين ضمن برنامج مدروس وآمن؛ مما لا يقوض جهود الصومال في جلب الأمن والاستقرار، وفي نفس الوقت يخفف الضغط على كينيا ويساهم في استقرارها، وتضمن البيان المشترك الذي صدر عقب اختتام المباحثات الحاجة للعمل بالاتفاق الثلاثي، وتسعى كينيا إلى الضغط على الصومال والمجتمع الدولي لحث اللاجئين على العودة الطوعية ومضاعفة الأعداد العائدة عبر تقديم حوافز للاجئين وتقديم البرامج الإغاثية والتعليمية والصحية لأماكن عودتهم، وترحب الصومال عودة اللاجئين إلى ديارهم ولكن تخشى من عدم تقديم الخدمات الأساسية لهم؛ مما قد يفاقم من الوضع الأمني الآخذ في التحسن في السنوات القليلة الماضية.

بنود البيان المشترك

  1. التأكيد على حسن الجوار والروابط التاريخية، المصير المشترك والعلاقات الودية القائمة بين كينيا والصومال، في ظل رغبة مشتركة من أجل السلام والاستقرار والازدهار.
  2. الإعراب عن تقدير مساهمة الدول الأفريقية في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) في تحقيق الاستقرار في الصومال، والثناء على قيمة التعاون بين بعثة الاتحاد الأفريقي وقوات الأمن الصومالية في تأمين بيئة مستقرة لبناء الدولة بما يتماشى مع رؤية الصومال 2016.
  3. الإشادة بالدور الرئيسي الذي تلعبه كينيا في تعزيز السلام والأمن والوحدة والاستقرار في الصومال.
  4. ملاحظة التقدم المحرز في العملية السياسية، والإعراب عن الثقة في أن الانتخابات المقبلة سوف تؤدي إلى أساس مستقر ومزدهر في الصومال.
  5. الالتزام بالعمل معا على إعادة اللاجئين بشكل منظم وإنساني وكريم إلى الصومال وفقا للاتفاق الثلاثي.
  6. التأكيد أن الاتفاق الثلاثي يوفر إطارا قانونيا لإعادة سريعة منظمة وإنسانية وكريمة للاجئين الصوماليين.
  7. الملاحظة مع التقدير أن هذا المسعى من التعاون سيعزز روح التعاون قبل وبعد الاتفاق الثلاثي.
  8. دعوة المجتمع الدولي بما يتماشى مع مبادئ تقاسم الأعباء لدعم هذه العملية من خلال توفير الدعم المادي الكافي للحكومة الاتحادية في الصومال لاستقبال العائدين.
  9. وفيما يتعلق بالتعاون الثنائي، ضرورة عقد اجتماع فوري للجنة المشتركة للتعاون لمتابعة تنفيذها وخاصة على معبر الحدود المشترك والأمن والتجارة والاستثمار والصحة والتعليم والرياضة والشباب والثقافة والبحث العلمي و الاتصالات.
  10. تم الاتفاق في المدى القصير، تطبيق إجراءات الجمارك وتقليص الهجرة عبر رحلات جوية من الصومال إلى كينيا من عند نقطة واحدة من الدخول يتم تحديدها في وقت قريب؛ وعلى المدى الطويل تطوير رحلات مباشرة بين الصومال وكينيا.
  11. وفيما يتعلق بالقضايا الإقليمية، تم الاتفاق، بالتشاور رئيس منظمة إيغاد لرؤساء الدول والحكومات على عقد قمة الإيقاد القادمة في مقديشو.
  12. التأكيد من جديد بالتزام الثابت للعمل معا على المجالات ذات الاهتمام المشترك. الرئيس محمود شكر زميله الرئيس كينياتا وحكومته لدعوته كريمة. ودعا الرئيس كينياتا لزيارة الصومال في المستقبل القريب وقد قبل الرئيس كينياتا الدعوة.

الخلاصة

الصومال وكينيا بلدان جاران يتشاركان الكثير من المصالح، وهناك بعض الملفات العالقة كمسألة الحدود البحرية وقضية اللاجئين، ولا ينبغي أن تعيق هذه الملفات التعاون المشترك بين البلدين في كل المجالات لحاجة كل منهما الآخر، وعليه فإن إدارة الخلافات بين البلدين ممكن، وأن ما يتفق عليه البلدان أكبر مما يختلفان عليه، إذا أخذنا في الاعتبار استضافة كينيا لمدة طويلة اللاجئين الصوماليين فضلا عن الجالية الصومالية في كينيا وأغلبها من رجال الأعمال النشطين الذين ساهموا في تعزيز التجارة البينية بين اللبدين الجارين.

وفي المجمل، فإن زيارة الرئيس حسن شيخ محمود إلى كينيا كانت ناجحة وطمأنت اللاجئين الصوماليين في متابعة أوضاعهم وأن الحكومة الصومالية تهتم بقضيتهم على أعلى المستويات، ولكن في نفس الوقت فإن الصومال كدولة لا تملك الموارد الكافية لإعادة مواطنيها إلى بلدهم وتقديم الخدمات الأساسية لهم، وعلى هذا الأساس فإن نتائج زيارة الرئيس لكينيا لم تغير من الأمر كثيرا ولكنها على الأقل ساهمت في شعور اللاجئين من الناحية النفسية بأن هناك من يهتم لأمرهم؛ وهذا وإن كان ذلك أضعف الإيمان فإن له أهمية كبيرة في إنهاء اللجوء في المستقبل القريب.

%d مدونون معجبون بهذه: