أضواء على المرسوم الرئاسي الحاسم للخلاف البرلماني في الصومال

بقلم/ عبد الرحمن عيسى.

تمهيد :

أصدر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يوم الأحد 22 مايو 2016 مرسوم بقانون صادق بموجبه على النموذج الانتخابي الذي تم الاتفاق عليه من قبل منتدى التشاور الوطني المكون من الرئاسات الثلاث ورؤساء الولايات بمقديشو في 12 أبريل 2016 بعد أن فشل البرلمان الاتحادي بالمصادقة على النموذج الانتخابي غير المباشر، وصرح الرئيس شارحا ملابسات أسباب إصداره لهذه القانون “أقف أمام الشعب الصومالي وأود أن أخبركم أنني قررت إصدار مرسوم قانون للمصادقة على النموذج الانتخابي غير المباشر، ومن الممكن أن يضايق هذا القرار بعض الناس ولكني آثرت الانتصار للمصلحة الوطنية العليا” وأضاف الرئيس ” بلدنا مر بظروف صعبة واليوم يقف على أعتاب مفترق طرق ويحتاج منا اتخاذ قرار وموقف شجاع، حرصت طول مدة ولايتي على أن لا يخرج القرار  الصومالي من أيدينا وأن لا يقع في أيدي الأجانب، ولهذا اتخذت هذا القرار التاريخي خاصة بعد أن تيقنت استحالة أن يتخذ البرلمان قرارا حيال النموذج الانتخابي“.

هذا، وقد زار البلاد مؤخرا وفد من المجتمع الدولي من كافة أعضاء مجلس الأمن، وحث القيادة الصومالية بالإسراع في تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل له، ولكن البرلمان الاتحادي وقف حجر عثرة في المصادقة على الاتفاق معترضا على بعض البنود من أهمها حصص مجلس الولايات ( المجلس الأعلى ) واستثناء العاصمة التي لم يتم حسم وضعها في الدستور المؤقت إلى الآن.

دستورية القرار الرئاسي

القرار الرئاسي لم يكن مفاجئا بل كان متوقعا بعد أن ماطل البرلمان في تمرير النموذج الانتخابي غير المباشر، وشهدت جلساته خلافات ومشادات حادة مما خلق انطباعا عاما في الداخل والخارج باستحالة اتخاذ البرلمان لقرار بشأن هذه المسألة، ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هو ما مدى دستورية القرار الرئاسي ؟ بالفعل تم طرح هذا التساؤل قبل صدور القرار كأحد سيناريوهات الحل المحتمل. قبل الإجابة على هذا السؤال المهم ينبغي علينا الإشارة إلى أن الدستور الحالي المؤقت غير كامل ويخضع للمراجعة والتنقيح والتصحيح؛ وهناك الكثير من القضايا المؤجلة كوضع العاصمة، المحكمة الدستورية وغيرها، وعليه يثير بعض أعضاء البرلمان أن الرئيس خرج من عباءة البرلمان فهل من المعقول أن يعطل إرادة البرلمان الذي انتخبه أو حتى يحل البرلمان ؟

هناك بند في الدستور الحالي ينص على الرجوع إلى دستور 1961 في حال عدم وجود نص في الدستور الحالي مما يجعل القرار الرئاسي دستوريا، لأنه عندما يفشل البرلمان في التصديق على القرارات السياسية المصيرية التي لا تحتمل التأجيل يحق للرئيس التدخل وممارسة السلطة التشريعية بدلا من البرلمان، وأيضا يحق للرئيس حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة عندما يفشل البرلمان في أداء مهامه التشريعية والرقابية والدعوة لانتخابات مبكرة.

كان من الواضح أن البرلمان الحالي انقسم على نفسه بشكل حاد، ولم يكن بالإمكان الاعتماد عليه في إصدار القرارات المصيرية مثل ما حدث في العام 2012 عندما فشل البرلمان الثامن آنذاك في تحمل مسؤولياته حتى أتت معاهدة كمبالا وعطلت قراراته في سيناريو مشابه لليوم. كان على أعضاء البرلمان أن يدركوا أن ولايتهم شارفت على الانتهاء وأن لا ينتصروا لذاتهم وعشائرهم وأن ينتصروا للمصلحة العليا للوطن.

ردود الافعال

لم يصدر رد فعل رسمي على الفور من المجتمع الدولي الذي يعتقد كثير من المحللين أنه المخرج الحقيقي للقرار الرئاسي من وراء الستار حسب ما يتم تداوله بين الأوساط السياسية والشعبية الصومالية، ربما هذا التريث يأتي لجس النبض ورصد ردود الأفعال وبناء المواقف على هذه الردود، ولكن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة كتب في صفحته على الفيسبوك ” هنيئا للرئيس حسن شيخ محمود على تصديقة على النموذج الانتخابي، لقد بدأت جدولة العملية الانتخابية الآن

ولكن صدرت بيانات رسمية لاحقا ترحب بالمرسوم الرئاسي  من كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والإتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد ومن أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والسويد إضافة الى إثيوبيا وكينيا . ومن المنتظر أن يصدر مجلس الأمن بيان رئاسي حول زيارته الأخيرة لمقديشو؛ ومن المتوقع أن يشيد بالمرسوم الرئاسي ويطالب بوضع جدول زمني لأخذ التحول السياسي مجراه وتنفيذ بنود النموذج الانتخابي غير المباشر في مواقعها المتفق عليه، وكذلك من الطبيعي أن يرحب رؤساء الولايات على هذا القانون، كما يمكن تفهم أن أعضاء من البرلمان لن يرحبوا بهذ القانون مثل ما صرح به عدد من النواب لوسائل الاعلام .

وضع العاصمة

لا يزال وضع العاصمة يثير الخلافات، ففي المرسوم الرئاسي الذي حسم النموذج الانتخابي في البلاد لم يحسم وضع العاصمة مقديشو، فقد دعى المرسوم منتدى التشاور الوطني لاتخاذ قرار حيال تمثيل العاصمة في مجلس الولايات وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على الرئيس وتهدئة الرأي العام في العاصمة وبعض شيوخ العشائر الذين أبدوا امتعاضهم من استثناء العاصمة في التمثيل في مجلس الولايات.

وفي الحقيقة فإن وضع العاصمة بند دستوري مثير للجدل ولم يتم حسمه، وهناك عدة سينايوهات للعاصمة :

  • أن تكون العاصمة مقاطعة اتحادية مستقلة تماما عن سلطة الولايات كالعاصمة الأمريكية واشنطن DC.

وفي هذه الحالة :

  • تكون العاصمة مقاطعة اتحادية للدولة.
  • لا يسمح بأن تكون العاصمة ولاية من الولايات.
  • يجب أن تصدر الحكومة الاتحادية قانونا خاصا ينظم شؤون العاصمة.
  • لسكان العاصمة الحق في اختيار ممثليهم في مجلس النواب.
  1. لا يكون لسكان العاصمة ممثلين في مجلس الولايات.
  2. الحكومة الاتحادية لها سلطة إصدار القوانين.
  • أن تكون العاصمة في داخل ولاية من الولايات

وفي هذه الحالة يُشرَّع قانون يحدد صلاحيات الولاية المستضيفة للعاصمة وصلاحيات العاصمة نفسها، ويجب مراعاة مبادئ وروح التعاون التي ينص عليها الدستور، كما ينبغي أن يتم الاتفاق على الأمور المتعلقة بالضرائب مع إصدار قانون خاص يحدد الأراضي والمباني التابعة للحكومة الاتحادية .

جـ – أن تكون العاصمة هي مدينة وولاية في الوقت ذاته، كالعاصمة الألمانية، ويكون لها قانون موحد ينظم شئونها.

وفي هذه الحالة:

  • تكون العاصمة ولاية من الولايات.
  • لا يجوز أن تنضم العاصمة لولاية من الولايات الأخرى.
  • المجلس المحلي للعاصمة والحكومة الاتحادية يجب أن يراعوا مبادئ وروح التعاون التي ينص عليها الدستور، ويصيغوا قانونا خاصا ينظم شؤون العاصمة والأراضي والمباني التابعة للحكومة الاتحادية التي تقع داخل العاصمة.

الخلاصة :

يعتقد المتابعون للشأن الصومالي أن قرار الرئيس سيأخذ مجراه؛ لأنه يحظى بدعم ومساندة كافة الولايات مثل ما يتمتع بتأييد المجتمع الدولي وبذلك سيسدل الستار على هذا السجال الذي طال أكثر من اللازم، ويبدأ الاستعداد لانتقال السلطة سلميا وبآليات ديمقراطية، وحتى يتم وضع النقاط على الحروف ينبغي للحكومة إصدار الجدول الزمني وإعداد المراكز في كل الولايات التي سيجتمع بها المندوبون الذين سيختارون النواب وفق النموذج المتفق عليه. وهذا لا يعني أن بعض النواب سيحاولون عرقلة القرار الرئاسي ببعض التحركات في داخل قبة البرلمان؛ ولكن لا أحد يتوقع أن تنجح أو تؤتي ثمارا طيبة؛ فقد أضاع البرلمان فرصته في أخذ زمام المبادرة بنفسه وترك ذكرى طيبة في مشواره الأخير نحو المحطة النهائية، وينبغي عليه أن يصدر التشريعات اللازمة للتحول السياسي قبل أن يفقد فرصته الدستورية.

%d مدونون معجبون بهذه: