الدلالة السياسية في إقصاء رئيس المحكمة العليا في الصومال

مقدمة :

عين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الدكتور إبرهيم إيدلى سليمان رئيساً جديداً للمحكمة العليا في البلاد خلفاً لرئيس المحكمة السابق المحامي عيديد عبد الله إلكاحنف والذي تم إعفاؤه عن المنصب بناء على مرسوم رئاسي صادر عن مكتب رئيس الجمهورية يوم الأربعاء الموافق 04 مايو 2016.

وفور إعلان المرسوم الرئاسي في مناسبة إقيمت بالقصر الرئاسي أدى رئيس المحكمة العليا الجديد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية بمشاركة وزراء وأعضاء في البرلمان الفيدرالي بالإضافة إلى بعض قادة الأجهزة الأمنية، وأشار الدكتور سليمان في كلمة مقتضبة خلال المناسبة إلى أن استقامة القضاء تُعد عاملا أساسيا في تقدم البلاد وإزدهارها، داعيا الجميع العمل لتكاتف الجهود من أجل تحقيق العدالة التي تحمل معنى أوسع من مفهوم القضاء، وبدوره أوضح الرئيس حسن شيخ محمود أن السلطة القضائية – الركن الثالث للدولة – هي العمود الذي تقوم عليه الدولة، راجيا للدكتور سليمان التوفيق والنجاح في أداء مهامه الجديدة . وبموجب المرسوم الرئاسي الصادر فإنه تم إيضا إقالة رئيس محكمة الإستنئاف لمحافظة بنادر حسن محمد علي، وتم تكليف نائبه رئيساً مؤقتا للمحكمة.

الجدير بالذكر أن المحامي إلكاحانف قد تولى منصب رئيس المحكمة العليا في عهد الرئيس السابق شريف شيخ أحمد في عام 2011، وفي رد فعله الأول أدلى بتصريح عبر فيها عن رفضه لخطوة العزل؛ منوها أن المجلس الأعلى للقضاء هو المخول بإجراء من هذا القبيل، إلا أنه تراجع لا حقا وقبِل قرار العزل بل وشارك في مناسبة تسلّم وتسليم المنصب، وقال فيها إن القضاء الصومالي يحتاج إلى الاستقلالية في أداء مهامه وأشار إلى أن لا أحد يبقى في المنصب إلى الأبد، وأنه لا بد من قبول التغيير.

مشروعية الإقالة :

 تفاوتت ردود الأفعال بشأن جدوى إقالة رئيس المحكمة العليا في هذا التوقيت المتأخر، ومدى دستورية خطوة الإقالة نفسها؛ بالنظر إلى عدم اكتمال مجلس القضاء الأعلى الذي يعد الجهة المخولة في محاسبة القضاة واقتراح عزل أو حتى محاكمة القضاة حسب الدستور الصومالي المؤقت الذي ينص مبدأ فصل السلطات .

ومما ألقى الأمر بظلال من الشكوك كون رئيس المحكمة المُقال قد اعترض في البداية على قرار العزل، وكذا طعْنه في دستوريته قبل أن يعلن فجأة قبوله ترك المنصب؛ مما يشي باتباع طرق غير دستورية إما بالترغيب أو بالترهيب، حيث قال المستشار عيديد إلكاحانفْ في حديث خاص لإذاعة صوت أمريكا: إنه لم يتم إبلاغه بأمر الإقالة، وأنه – لا أحد يمكن أن يعزله من منصبه سوى [مجلس القضاء] عبر قنوات دستورية، ولكن المعارضين لهذا الرأي يرفضون هذه المقاربة ويفندونها؛ مؤكدين أن الرجل ظل شوكة في حلق الرئيس الصومالي طيلة فترة ولايته، ويعزون قبول عزله بأنه أدرك تآكل رصيده في الشارع؛ فآثر ترك المنصب قبل فوات الأوان بأقل الأضرار على سمعته ومسيرته السياسية، وخاصة أنه طاعن في السن ، وقد تولى المنصب هو فوق السن القانونية [65 سنة] قبل خمس سنوات.

ترحيب حذر :

 استقبلت الأوساط الشعبية والسياسية الصومالية بترحيب حذر خطوة الإقالة نظرا للشكاوي المتعددة وغياب العدالة والإنصاف لكثير من أصحاب القضايا المرفوعة أمام القضاء ، ولاسيما قضايا ملكية الأراضي والعقارات في محافظة بنادر – العاصمة مقديشو وضواحيها – والتي شهدت الكثير من ملفات الفساد والرشاوي المكشوفة للعلن؛ بحيث تم الحكم لطرفي النزاع مرة تلو أخرى مما أفقد القضاء نزاهته وسمعته في أذهان الشعب الصومالي.

الدلالات السياسية :

بحسب المراقبين والمتابعين للشأن الصومالي فإن خطوة الإقالة كانت منتظرة، وقد أتت متأخرة عن وقتها، ورغم كونها تصب في الاتجاه الصحيح لإصلاح الجهاز القضائي إلا أنها تثير تساؤلات وشكوك حول مغزاها السياسي في هذا التوقيت بالذات، وخاصة في ظل الحديث عن حتمية التمديد الإداري والفني لمؤسسات الدولة لأشهر إضافية عن الموعد المحدد بمبررات من بينها ضخامة العمل المطلوب وقلة الوقت المتبقي؛ وهو ما يجعل معارضو الرئيس لا يستبعدون وجود تسييس في عملية الإقالة التي أعقبها تعيين بديل محسوب على جماعة الرئيس، والتي كانت حريصة على إيجاد حليف موال لها في رأس الجهاز القضائي، ضمن مساعي ترجيح كفة الرئيس وتمكينه من العودة إلى السلطة لولاية ثانية، وكذا زيادة نفوذه وسلطته على مؤسسة القضاء وملحقاتها سعيا لإنهاء أي جدل دستوري قادم لصالحه مع غياب المحكمة الدستورية.

ومن جهة أخرى يتوجس بعض المراقبين من ولاء رئيس المحكمة العليا الجديد للدولة الصومالية بالنظر إلى موضوع استقالته قبل أشهر من منصب المحامي العام في إدارة أرض الصومال التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عن بقية الصومال عام 1991م، وكذلك فإن بعض المحللين يشككون في أهلية الرجل لمنصب رفيع من هذا النوع بسبب افتقاره إلى الخبرة اللازمة حسب اعتقادهم.

وعلى النقيض من ذلك يرى الموالون للرئيس بأنه لا يوجد تسييس في عملية التعيين؛ مطالبين وضعها في نصابها الصحيح في إطار الحاجة القائمة إلى إحداث تغيير إيجابي في السلك القضائي بهدف جعله مواكبا مع عمل الأجهزة التنفيذية والتشريعية للجمهورية، ويعتبرون هذه الاتهامات خالية من المضمون وجوفاء لا تمت إلى الحقيقة بصلة. وذلك على اعتبار أن رئيس المحكمة العليا لا يستطيع تغيير المسار السياسي أو تعطيله لمحدودية السلطات الممنوحة له.

وأخيرا ؛ تجدر الإشارة إلى أن الجميع يتفق على الحاجة إلى التغيير والإصلاح في السلك القضائي ولكن هناك تباين في الطريقة التي تم فيها اتخاذ القرار ، وفي التوقيت ، وفي البديل. ومهما كان الأمر فإن هذا جزء من تداعيات التقصير المتعمّد في استكمال القاعدة التشريعية في البلاد وتجاهلها في أحيان كثيرة لدواعي سياسية، مثل إنشاء المحكمة الدستورية، وتفعيل الدستور واستكمال مواده والاستفتاء عليه شعبيا، وعندها تتحقق طموحات الشعب الصومالي في الابتعاد عن المحاباة ووضع الرجل المناسب – صاحب الكفاءة والجدارة – في المكان المناسب.

%d مدونون معجبون بهذه: