ملابسات الهجوم على قاعدة “عيل عدي” العسكرية في جنوب الصومال

  • تمهيد :

شن مسلحو “حركة الشباب المجاهدين” هجوما واسعا صبيحة يوم الجمعة الموافق لـ 15 يناير الجاري عن طريق كتيبة تطلق على نفسها ” صالح النبهان “[i] على  قاعدة ” عيل عدي ” العسكرية الواقعة على بعد نحو 550 كلم في محافظة جدو القريبة من الحدود الصومالية الكينية؛ جنوب غرب العاصمة مقديشو، وهي قاعدة عسكرية تابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال “أميصوم ” وخاصة القطاع الذي تديره كينيا، ويعتبر أكبر هجوم على القوات الكينية منذ دخولها الصومال في عام 2011م .

 رغم أن “حركة الشباب المجاهدين” قد أُجبرت على الانسحاب من معظم معاقلها في وسط وجنوب الصومال بعد عمليات عسكرية واسعة قام بها الجيش الصومالي مدعوما بقوات الاتحاد الأفريقي في الأعوام القليلة الماضية؛ إلا أنها ما زالت تسيطر على بعض النواحي النائية، وتقوم بعمليات كر وفر وهجمات متقطعة على القوات الحكومية الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي بين الحين والآخر .

تعمل القوات الكينية في الصومال التي يبلغ عددها أكثر من 4000 جندي تحت إطار قوات الاتحاد الأفريقي التي يقدر عددها بنحو 22,000 جندي، لكن القوات الكينية المتواجدة في الصومال منذ 2011م لم تنجح في إيقاف مسلحي ” حركة الشباب ” من التخطيط وشن هجمات مروّعة استهدفت مرافق سياحية ومراكز تجارية وجامعات وحافلات النقل العام؛ بالإضافة إلى مدنيين عزل في كينيا، وهو ما أدى إلى تزايد المطالبات والمناشدات التي تُوجَه إلى الحكومة الكينية بسحب قواتها من الصومال واعتماد سياسة عسكرية أكثر نجاعة لردع ووقف ” الجماعات الإرهابية ” التي تثير الرعب والهلع الدائم في نفوس الكينيين الآمنين الذين لم يعتادوا رؤية مشاهد التفجير والتدمير والدماء والقتل والترويع في تاريخهم المديد !

  • ارتباك كيني:

تقوم القوات الكينية المنضوية تحت قوات الاتحاد الأفريقي بعمليات بحث وإنقاذ واسعة إثر هذا الهجوم الدامي  في صفوف القوات الكينية العاملة في الصومال. ففي يوم الأحد بعد الهجوم، تم نقل أربعة من الجنود الجرحى جوا إلى العاصمة الكينية نيروبي لتلقي العلاج الطبي برفقة 16 آخرين يعانون من صدمة نفسية بعد نجاتهم من الهجوم المباغت الذي شنته “حركة الشباب” على قاعدتهم في المنطقة.

وفي يوم الاثنين، قالت وزيرة الدفاع الكينية ريشيل أومامو في خطاب متلفز بأن الجنود الذين تأثروا بهجوم حركة الشباب الصومالية يقدرون بحجم سرية عسكرية؛ والسرية العسكرية – بحسب الخبراء العسكريين – تتكون عادة ما بين 80 – 200 جندي. وفي الثلاثاء ، صرح مسؤول صومالي كبير تحدثت إليه هيئة الإذاعة البريطانية ” بي بي سي ” ” بأن 16 جنديا كينيا ممن نجوا من هجوم الشباب قد تم معاينتهم في مدينة أخرى من نفس المنطقة. مؤكدا أن الجنود الكينيين الناجين من ” عيل عدي ” في أيدي آمنة وسيتم تسليمهم إلى القوات الكينية العاملة تحت إطار قوات الاتحاد الأفريقي. وأشار المسؤول الصومالي إلى أن الجنود الذين وصلوا مشيا على الأقدام كانوا مصدومين من الهجوم  ” الكارثي ” على قاعدتهم في بلدة ” عيل عدي”.

وفي الأربعاء، عرضت “حركة الشباب الصومالية” صورا قالت إنها توضح مشهد قاعدة ” عيل عدي ” العسكرية بعد الهجوم ، وأظهرت الصور – التي تجاوزت أكثر من 100 صورة – آليات عسكرية معطوبة وأقفاص عسكرية تم التخلي عنها، إضافة لجثث لجنود بزي الجيش الكيني حسب زعم الحركة .

في حديث للصحفيين يوم الأحد الماضي صرح الجنرال سامسون مواثيثي – قائد قوات الدفاع الكينية – بأن الجيش الكيني قد هاجم المواقع العسكرية لحركة الشباب في الصومال عقب هجومها على قاعدة ” عيل عدي ” مستخدما الطيران الحربي والآليات العسكرية، وأكد الجنرال أيضا أن عمليات البحث والإنقاذ التي يقوم بها الجيش حاليا تهدف إلى تحديد مصير الجنود المفقودين الذين من الممكن أن تستخدمهم حركة الشباب كدروع بشرية حسب قوله، وقال مواثيثي في تصريحات لاحقة إن الطيران الحربي الكيني قتل بغارة جوية ” معلم جنو ” العقل المدبر وقائد كتيبة حركة الشباب التي نفذت الهجوم على قاعدة ” عيل عدي ” العسكرية.

وفي الخميس، طالب أعضاء الكتلة النيابية لحزب ” أو . دي . إم ” الكيني المعارض – الذي يتزعمه رايلا أودينغا – الرئيس أهورو كينياتا بإقالة وزيرة الدفاع ريشيل أومامو لفشلها في إلهام القادة العسكريين والجنود الذين يخدمون تحتها، وأشار النواب إلى أن الإبقاء على ” أومامو ” في منصبها يعد ” خطئا فادحا ” وذلك لعدم أهليتها لترؤس وزارة الدفاع وافتقارها للكفاءة في قيادة جهود كينيا لمكافحة الإرهاب ومواجهته ، وطالب نواب المعارضة أيضا الحكومة بسحب القوات الكينية من الصومال، مشددين أن استراتيجية دحر الإرهاب وهزيمته قد فشلت !

  • بيان الحركة

أكدت حركة الشباب المتمردة في بيان أصدرته يوم الأحد الماضي بأنها قتلت أكثر من 100 جندي – بعد تراجعها عن الرقم الأول الذي أعلنته من قبل (63 جنديا)، وقالت الحركة في البيان ” تمكن المقاتلون من اقتحام القاعدة الكينية في الساعات المبكرة من صباح الجمعة، وقتلوا أكثر من 100 من الجنود الكينيين ، واستولوا على أسلحتهم ومدرعاتهم العسكرية، وألقوا القبض على جنود كينيين – وذلك دون تحديد لعدد الجنود المحتجزين لديها وهم على قيد الحياة. وتابع البيان ” الهجوم -على قاعدة عيل عدي العسكرية – كان انتقاما من الغزو الكيني لأراضي المسلمين ، وهو يرسل رسالة واضحة إلى الحكومة الكينية بأن غزو جيشها لأرضنا المسلمة وقتل المسلمين الأبرياء على يد الكينيين الصليبيين لن يمر بدون عقاب وخيم ” بحسب نص البيان المتداول في الأوساط الصحفية.

  • بصمات داعش

وفي سياق آخر فتح الجيش الكيني تحقيقا فيما إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ” داعش ” قد تورط فعلا في الهجوم على قواته في الصومال الذي خلف عشرات القتلى والجرحى من جنود الفرقة التاسعة المتمركزة في مدينة ” إيلدوريت ” بغرب كينيا. وقد كشف المفتش العام للشرطة الكينية جوزيف بوينت في شهر ديسمبر من العام الماضي أن حركة الشباب انقسمت إلى فصيلين رئيسيين : أحدهما يساند تنظيم الدولة بينما يوالي الآخر لتنظيم القاعدة .

وأشارت بعض المصادر العسكرية التي تحدثت إليها صحيفة ” ذا ستاندرد ” الكينية بأن أسلوب الهجوم على قاعدة ” عيل عدي ” العسكرية يشبه إلى حد كبير الأساليب الهجومية التي استخدمها تنظيم الدولة في المعارك التي خاضها مؤخرا ضد الجيش العراقي في مدينة الرمادي – مركز محافظة الأنبار – غربي العاصمة العراقية بغداد. وبحسب هذه المصادر، فإن الجناح الموالي لتنظيم الدولة داخل حركة الشباب هو – على الأرجح – من دبر وقام بتنفيذ هذا الهجوم المخطط له جيدا على القوات الكينية ، مستغلا ” الضعف التكتيكي ” أثناء تبادل الجنود للأدوار الخدمية في الفترة الصباحية والخلافات القبلية في المنطقة .

  • استراتيجية جديدة

هجوم حركة الشباب الصومالية على القوات الكينية في الصومال جدد الجدل حول جدوى التواجد العسكري الكيني في الصومال وأهدافه الحقيقية والمصالح الاستراتيجية المترتبة عليه؛ حيث طالب بعض شرائح المجتمع الكيني وشخصيات سياسية بسحب قوات كينيا من الأراضي الصومالية ، لكن الرئيس أهورو كينياتا أكد في أكثر من مناسبة أن قواته ستبقى تعمل في الصومال ضمن قوات الاتحاد الأفريقي حتى تحقق مهامها الأساسية، بينما قالت وزيرة دفاعه ريشيل أومامو أثناء تعليقها على أحداث ” عيل عدي ” إن القوات الكينية ستستمر مع الحلفاء في مواجهة ومحاربة أعداء السلام والحرية في المنطقة حسب وصفها .

ويؤشر هذا الهجوم أيضا إلى أن الحركة غيرت من استراتيجتها العسكرية التقليدية التي تقوم على استهداف الأماكن المكتظة بالسكان والمواقع العسكرية الأقل تحصينا، وبدأت في التخطيط لشن هجمات ” مزلزلة ” على الثكنات والمواقع العسكرية التابعة للقوات الحكومية الصومالية والأفريقية المتحالفة والتي تخضع لحراسة أمنية مشددة، وهو ما يدل على صحة الأنباء التي تحدثت عن وقوع  أسلحة ” نوعية ” ومتطورة  في أيدي ” الشباب ” مؤخرا ، وقد أعرب مسئولون أوربيون عن قلقهم البالغ إزاء الأخبار التي ترددت عن استيلاء حركة الشباب الصومالية على أسلحة وعتاد حربي يعود لبعض القوات الأفريقية العاملة في الصومال .

وأخيرا؛ تجدر الإشارة إلى أن هناك اتهامات وجهت إلى القوات الكينية في الآونة الأخيرة بخصوص تورطها في قضايا فساد والتربح من التجارة غير المشروعة في الصومال وتهريب السكر والفحم الصومالي عبر الحدود وكسب عوائد مالية ضخمة من هذه الأنشطة .

……………………………

الهامش :

1 – كان صالح نبهان مواطنا كينيا وأحد قادة حركة الشباب الميدانيين وقتل بغارة جوية نفذتها طائرة أمريكية بدون طيار قبل أعوام.

تعليق واحد

  1. كنت اراقب وانتظر ان تؤشرو معاناة الشعب بعد هذا الهجوم وما تقوم القوات الكينية من قصف وتشريد وابادة للشعب العزل في عيلعدي والمناطق المجاورة ولكن ارى مع الاسف عدم اهتمامكم لهذا الجانب وكانه لا يخص الكاتب. يالها من عيب

%d مدونون معجبون بهذه: