تداعيات قطع العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وإيران

مقدمة :

سعت إيران إلى التمدد في أفريقيا وفي المنطقة العربية؛ وذلك تنفيذا لسياستها الخارجية التي ترتكز على مبدأ تصدير الثورة، وتغيير الخارطة المذهبية، وفرض وصايتها على المنطقة، وتوسيع دائرة نفوذها، وتحقيق اختراقات مهمة في العمق الاستراتيجي العربي؛ مما ينضاف إلى مكاسبها في العراق ولبنان وسوريا ومحاولاتها المستميتة في الآونة الأخيرة في اليمن على حساب المصالح العربية والخليجية بشكل خاص، وتعتبر الصومال دولة استراتيجية في موقعها ومواردها الاقتصادية؛ وبالتالي تسعى إيران لضمها إلى محورها.

وقد ردت الصومال على هذا التغلغل بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد انحرفت الدبلوماسية الإيرانية عن نشاطها الطبيعي وكرست جهودها لنشر أفكار غريبة تحدث شرخا في نسيج المجتمع الصومالي [السني مذهبا قلبا وقالبا].

ملابسات ومدلولات القرار

لم يأت قرار قطع العلاقات الدبلومسية مع إيران اعتباطا أو تبعية لدولة أو لأخرى؛ وإنما أتى حماية لمصالح الصومال، ودرءا لمخاطر تهدد الأمن القومي والوحدة الوطنية، وحفاظا على نسيج المجتمع وترابطه، والحيلولة دون إحداث شروخ عميقة في المجتمع الصومالي المتجانس؛ ولهذا فالقرار نابع من الصومال بعيدا عن تأثير أجنبي على عكس ما يروجه المعارضون أو بالأحرى المتعاطفون مع المشروع الإيراني في الصومال، ومن أهم حيثيات القرار وملابساته ما يلي :

أولا : حذرت هيئة علماء الصومال مرارا تكرار عبر وسائل الإعلام الصومالية من خطر التشيع في الصومال؛ ونوهت الهيئة إلى ضرورة كف إيران عن نشر المذهب الشيعي في الصومال عبر مؤسسة الإمام الخميني والهلال الأحمر الإيراني؛ كما أهابت الدولة للتصدي لأنشطة التشيع في أوساط المواطنين عبر برامج الإغاثة الإنسانية واستغلال حاجة الفقراء وفاقة المحرومين، وخلُصت الهيئة أن الصومال لا ينقصه نشوب صراع سني – شيعي على غرار ما يحدث في العراق ويكفيه ما يعانيه من صراعات باسم الدين والقبيلة، وأنه الآن لا يتحمل صراعا طائفيا يضيف عبئا جديدا على كاهله التي منعته من النهوض منذ ربع قرن من الزمان.

وفي السياق ذاته وبهدف مغاير أصدرت حركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة تقريرا حول أنشطة إيران المشبوهة في الصومال؛ متعهدة في تقريرها بالتصدي لمشروع إيران الصفوي والرافضي على حد تعبير التقرير. وكان ذلك يوحي بنية استهداف المصالح الإيرانية في الصومال من قبل الحركة؛ رغم وجود معلومات معاكسة تشير إلى تسلّح الحركة مؤخرا بدعم إيراني عبر اليمن بحسب تقرير صادر من الأمم المتحدة (1)

ثانيا : التستر بالمناسبات الدينية والمناسبات الاجتماعية كالاحتفال بالمولد النبوي الشريف كستار لأنشطتها، هذا أدى إلى توقيف اثنين من موظفي السفارة الإيرانية في مقديشو واستجوابهما من قبل أجهزة الأمن الصومالية لما كان لهما من ارتباط بأنشطة مشبوهة تحت ستار مناسبات دينية عبر الهلال الأحمر الإيراني ومؤسسة الإمام الخميني في الصومال.

والأمر الأكثر خطورة هو ما يقال من تزايد العلاقة بين إيران وجماعة أهل السنة والجماعة المسيطرة على بعض مناطق وسط الصومال؛ وذلك في محاولة لتأليب الجماعة على الحكومة الفيدرالية بحسب تقارير صحفية، وقد رصدت الحكومة الصومالية عدة رحلات لدبلوماسيين إيرانيين إلى المنطقة التي تسيطر عليها الجماعات الصوفية دون إشعار لوزارة الخارجية الصومالية على خلاف ما تقتضيه الأعراف الدبلوماسية، وعندما تم استدعاء القائم بالأعمال لشرح أسباب هذه الرحلات لم يعط جوابا مقنعا بل استمرت الزيارات المشبوهة إلى أن تم قطع العلاقات بين البلدين.

ومن جهة أخرى فقد لوحظ نشاط متزايد لإيران في شمال شرق الصومال بولاية بنتلاند وتحديدا في مدينة قرطو ضمن محاولات مستميتة من إيران لتجنيد البسطاء وإقناعهم باعتناق الفكر الشيعي المتطرف، ولم يقتصر نشر المذهب الشيعي في هذه المناطق بل امتد إلى شمال غرب الصومال في ولاية صومالاند؛ حيث نُشر في الموقع الإلكتروني لإذاعة صوت أمريكا أن محكمة في مدينة هرجيسا قد قضت بالسجن والغرامة وترحيل ثلاثة أشخاص من بينهم اثنان باكستانيان، بعد اتهامهم بنشر المذهب الشيعي في  أرض الصومال، كما أصدرت المحكمة نفسها حكما قضائيا بغرامة مالية بحق امرأة صومالية أدينت بالإدلاء بشهادة كاذبة، وقال رئيس المحكمة المذكورة عبد الرشيد محمد حرسي أن عددا من المتهمين حوكموا غيابيا لتوزيع 200 كتاب مترجم إلى اللغة الصومالية؛ مشتملة على مضامين تدعو إلى تبني المذهب الشيعي  (2).

تصريحات رسمية

وتزامنا مع هذه الأحداث وخاصة بعد إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران صرح الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن إيران تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في الصومال، وأنها حاولت الاستفادة من المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد من خلال زرع فتنة في نسيج المجتمع الصومالي؛ مما قد يمس الأمن القومي الصومالي؛ ولهذا اضطرت الحكومة الصومالية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران؛ وأضاف الرئيس قائلا “أن لدى الحكومة أدلة كافية على ضلوع إيران في أنشطة نشر التشيع، ولهذا قررنا حماية شعبنا من هذه المخاطر بقطع العلاقات مع إيران” وفي الوقت ذاته نفى الرئيس الشائعات حول كون قطع العلاقات مع إيران يأتي بعد التوتر السياسي بين طهران والرياض ؛ مؤكدا أنها ادعاءات لا أساس لها من الصحة.

ومما قاله الرئيس بشأن ذلك في خطاب متلفز؛ أنه تم رصد حركة المسؤولين الإيرانيين بشكل دقيق ، وأنهم وُجدوا متلبسين في أنشطة مشبوهة معتزمين خلق فوضى مماثلة للتي أحدثوها في بعض المناطق في أفريقيا ؛ ولكن من لطف الله أن أجهزتنا الأمنية تمكنت من معرفة هذه الأنشطة في مهدها ومكَّنتنا من تجنيب بلادنا من خطر هذه الفتنة، وبالتالي اتخذنا القرار الصحيح لمصلحة أمننا القومي”(3)

التداعيات

لم يكن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران مفاجئا للمراقبين والمتتبعين لمسار الأحداث في الصومال فقد كان الاستياء واضحا من الأنشطة الإيرانية في الصومال؛ ولاسيما بعد أن زادت وتيرتها مع ما كان يصاحبها من تجاهل لتحذيرات السلطات الرسمية من تبعات أنشطتها المشبوهة، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار حاسم يضع حد للتمادي الإيراني في انتهاك وتهديد الوحدة الوطنية للصومال الموحد لغة ومذهبا وجنسا ولونا في تناسق نادر في العالم أجمع رغم مشاكله الخاصة.

  •  لا شك أن التأثير الأكبر لقرار قطع العلاقات يلمس قاعدة المجتمع الصومالي باعتباره المسرح الرئيسي الذي تجري عليه الأحداث، ومن هنا نميز بين تأثير إيجابي وآخر سلبي؛ فالتأثير الإيجابي يتمثل في منع الفتنة من المجتمع والحيلولة دون إيجاد موطئ قدم لإيران في الصومال؛ مما كان سيجلب حربا أهلية تضاف إلى أزمات الصومال الحالية، كما تم وقف تواصل إيران المباشر مع المنظمات الإرهابية والجماعات المتطرفة، وكذلك الصيد غير المشروع في المياه الصومالية بحسب تأكيدات مصادر مطلعة.
  • أما التأثير السلبي لانقطاع العلاقات بين البلدين فيتمثل في حرمان آلاف الأسر من الرعاية الاجتماعية من مؤسستي الإمام الخميني والهلال الأحمر الإيراني مع فقدان بعض العاملين وظائفهم في المؤسسات الإيرانية في حال لم توفر الحكومة الصومالية برامج بديلة، وانحسار التجارة البينية بين البلدين.

 وأخيرا؛ … تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الدبلوماسية مبنية على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والتعاون المشترك بين شعوب المنطقة وفق احترام سيادة الدول حسب ما ينص عليه القانون الدولي ومعاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 والأعراف الدولية، ولهذا فإن الأمل معقود على أن تعي القيادة الإيرانية أخطاءها ليعيش شعب المنطقة في سلام ووئام  وعلى أساس معادلة يكون فيها كل طرف رابحا.

…………………………………………………………………………………………

المراجع :

  1. تقرير سري للأمم المتحدة يؤكد تمويل إيران لحركة الشباب الصومالية. الرياض. صحيفة الرياض : اسم غير معروف، 2013.
  2. إذاعة صوت أمريكا. [متصل] 2016. http://m.voasomali.com/a/3141336.html.
  3. الأخبار. إذاعة مقديشو الحكومية. [متصل] 2016. https://translate.google.so/?hl=ar&tab=wT#so/ar/Madaxweynaha%20Jamhuriyadda%20Federaalka%20Soomaaliya%2C%20Mudane%20Xasan%20Sheekh%20Maxamuud%2C%20ayaa%20sheegay%20in%20dowladda%20Iiraan%20ay%20falal%20amniga%20iyo%20xasiloonida%20Soomaaliya%20lagu%20carq.
%d مدونون معجبون بهذه: