جهود إنشاء إدارة ولاية هيران وشبيلي الوسطى

أعلنت الحكومة الفيدرالية في شهر سبتمبر من العام المنصرم 2015 أنها بصدد تشكيل ولاية هيران وشبيلي الوسطى إلا أنه كانت هناك خلافات بشأن المدينة التي تستضيف مؤتمر تشكيل الولاية؛ وذلك بسبب ما أبداه كل طرف من إصرار على استضافة عاصمته المؤتمر، الأمر الذي أبرز الخلافات بين الجانبين على غرار ما حدث أثناء تشكيل ولاية غلمدغ بوسط الصومال منتصف العام الماضى.

يذكر أيضا أنه كانت هناك أصوات بارزة من بعض أعيان قبيلة حوادلي- أبرز قبائل محافظة هيران – أصوات تنادي بجعل المحافظة ولاية فيدرالية قائمة بذاتها من خلال تقسيمها إلى محافظتين [ محافظة هيران وعاصمتها بلدوين، ومحافظة شبيلى العليا وعاصمتها بولوبرتي] ويستند هؤلاء إلى وثيقة اعترف بها الرئيس الصومالي السابق شيخ شريف شيخ أحمد بشأن تجزئة محافظة هيران، ضمن مساعي واستقطابات كانت قائمة آنذاك؛ وذلك استنادا إلى تقسيمات إدارية كانت معتمدة في عهود سابقة، وبهدف استيفاء الشروط المنصوصة في الدستور الصومالي المؤقت عند إنشاء ولاية فيدرالية التي يشترط أن تتكون من محافظتين فأكثر.

وإثر هذه الخلافات الجانبية بين المحافظتين عملت القيادة السياسية للبلاد جهودا من أجل تفعيل عملية إنشاء ولاية هيران و شبيلي الوسطى في قرارات صارمة وقوية؛ حيث أصدر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مرسوما رئاسيا عيَّن فيه السيد يوسف محمد هَغَرْ رئيسا لإدارة هيران خلفا لـ عبد الفتاح حسن أفرحْ الذي أُقيل من منصبه مؤخرا إثر توجيه اتهامات له بالتورط في فساد وقلاقل أمنية في المنطقة، وربما هذا التغيير الإداري يسهل عملية إنشاء الولاية على اعتبار أن المسؤول السابق كان شخصا أكثر تشدُّدا في بعض المسائل الخلافية بين الأطراف المعنية.

 وفي السياق ذاته أصدر الرئيس مرسوما رئاسيا في 19/12/2015م بشأن المدينة المستضيفة لمؤتمر إنشاء الولاية الجديدة؛ حيث قرر في المرسوم بأن مدينة جوهر عاصمة محافظة شبيلي الوسطى تستضيف مؤتمر تشكيل إدارة هيران وشبيلي الوسطى، على أن تصبح في المقابل مدينة بولوبردي في محافظة هيران عاصمة انتقالية للإدارة المرتقبة، وهي خطوة لم تنل إعجاب أهل هيران؛ مما أدى إلى ذهاب الرئيس حسن شيخ محمود إلى مدينة بلدوين، وأن يبيت فيها ليلتين في مسعى للتشاور مع زعماء العشائر والوجهاء والسياسيين والمجتمع المدني بهدف إقناعهم بقراراته الرئاسية، بالإضافة إلى استكمال عملية مصالحة وتوطيد دعائم السلام بين قبائل كانت متصارعة بغربي مدينة بلدوين، ومن جانبه بذل وزير الداخلية عبد الرحمن محمد أدوا جهودا كبيرة في شأن تنظيم مؤتمر تشكيل الولاية في مدينة جوهر، وتسيير أعماله التي من المزمع أن تبدأ في الأسبوع القادم.

وتبذل الحكومة الفيدرالية جهودا مكثفة في ملف إنشاء إدارة لولاية هيران وشبيلي الوسطى مع تسارع الأحداث السياسية واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في شهر أغسطس المقبل؛ وبحسب مصادر مطلعة فإن هناك خطة حكومية تسعى للانتهاء من أعمال المؤتمر خلال 45 يوما ابتداء من الأسبوع الثاني في شهر يناير الجاري؛ علما بأن المؤتمر تأجل لمدة أسبوع تقريبا بسبب وفاة واحد من أبرز شيوخ القبائل في المنطقة، ويعتقد أن هناك ضغوطا متزايدة تقتضي إغلاق هذا الملف في أسرع ما يمكن بهدف التفرغ للاستعدادات الجارية للانتخابات الرئاسية المقبلة.

وعلى الصعيد الميداني هناك شركة مقاولة كبيرة تتولى عملية تجهيز قاعة المؤتمر والمرافق اللازمة لها؛ كما أن هناك توافد ملحوظ إلى مدينة جوهر قبل أيام من بدء فعاليات المؤتمر؛ حيث تم حجز كافة الفنادق في المدينة، وذلك تحت إجراءات أمنية مشددة، ويتعاون في الترتيبات الأمنية قوات الاتحاد الإفريقي والقوات الحكومية المتواجدة في المحافظتين؛ أما العاصمة الصومالية مقديشو فتجرى فيها فعاليات من نوع آخر ، وتتمثل في استقطابات لعناصر لوفود المؤتمر؛ وذلك ضمن حفلات متتالية يعلن فيها المترشحون لرئاسة الولاية برامجهم، ويعرّفون فيها أنفسهم الشعب الصومالي؛ وخاصة المنحدرين من مناطق الولاية المراد إنشاؤها كآخر ولاية تتشكل في جنوب الصومال وفق خارطة الطريق المدعومة دوليا؛ وذلك بعد تشكيل كل من ولايات جوبالاند 2013، وجنوب غرب الصومال 2014، ولاية غلمدغ بوسط الصومال 2015؛ بالإضافة إلى ولاية بونت لاند التي تأسست عام 1998م؛ والتي تُعتبر أم الفيدرالية في الصومال، أما إدارة أرض الصومال (جمهورية صومالي لاند) فقد أعلنت عام 1991م انفصالها عن الصومال، وبالتالي فإن وضعها مختلف و لا تعتبر نفسها جزءا من الصومال؛ وإن كانت قد فشلت في الحصول على اعتراف دولي لجهودها الانفصالية.

وفي موازاة هذه الجهود تتعالى الأصوات المعارضة للنظام الفيدرالي في الصومال بعد بروز تداعياته السلبية من اقتتال داخلي دام، وتنازع حدودي بين الأقاليم المتجاورة، وكثرة الأعلام والألقاب، وضعف السيادة الوطنية، وتسابق مشؤوم إلى كسب ولاء أعداء الوطن التقليديين على حساب تماسك البلد وحدته.

تتميز محافظتا هيران وشبيلى الوسطى بموقعهما الهام؛ حيث تعتبران همزة الوصل ما بين الأقاليم الوسطى والأقاليم الجنوبية من الصومال، وتعتبران الرافد الرئيسي للعاصمة مقديشو، ويمر نهر شبيلي عبر أراضيهما، وبشكل خاص يقال إن محافظة هيران تعتبر مهدا للعقول المثقفة ومنبعا للنشطاء ورواد النهضة في الصومال منذ أيام الاستعمار الأروبي في المنطقة، ولا تقل محافظة شبيلى الوسطى أهمية عن هيران؛ حيث تحتضن أماكن تاريخية ومراكز دينية وحضارية عريقة، وقد تمتعت المحافظة بحكم إداري ذاتي ما بين عامي 2001- 2006م مما أهلها لاستضافة حكومة الرئيس الراحل عبد الله يوسف في مدينة جوهر؛ وذلك عندما كانت مدينة مقديشو خاضعة لنظام المحاكم الإسلامية.

 وعلى هذا الأساس يرى المراقبون أن السباق الرئاسي في الولاية سيكون أكثر إثارة وأهمية نظرا لثقل الإقليم وأهميته الديموغرافية والإستراتيجية وكثرة الرموز والشخصيات البارزة المنحدرة من مناطقه، ومع ذلك يرجَّح أن تنحصر عملية المنافسة بين المنتمين إلى القبائل الكبرى القاطنة في المحافظتين، لما لعامل القبيلة من أهمية قصوى إلى جانب العامل المادي؛ وهذا يعني أن الشخصيات الأوفر حظا لتولى منصب والي الولاية الجديدة ستتحد أسماؤهم مع بداية المؤتمر وإعلام شروط وإجراءات الترشح للرئاسة.

ويشاع على نطاق واسع أن من بين المبالغ الباهظة المراد توظيفها في المنافسات الانتخابية مستحقات ومرتبات موظفي بعض الهيئات الحكومية مما يجعل المنافسة غير متكافئة، ويؤكد مزاعم استغلال السلطة لدى المسؤولين المتنفذين في الدولة الصومالية بحسب اعتقاد معارضي الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وحلفائه، وذلك قياسا على منافسات انتخابية سابقة، وبالطبع فإن ذلك بحاجة إلى تحقيقات وتحريات موثقة.

وبشكل عام فإن الجهود الجارية لإنشاء إدارة ولاية هيران وشبيلى الوسطى ستنجح في الوقت المحدد لها نظرا للرغبة العارمة – من الجانب الحكومي وهيئات المجتمع الدولي الداعمة للصومال – في التفرغ لترتيبات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، مع العلم أن جميع الأطراف المعنية تحرص على جعل مخرجات مؤتمر جوهر في صالحها بل إن الولاء الفكري والانتماء القبلي للرئيس المرتقب في ولاية هيران وشبيلي الوسطى قد يرجع الكفة لصالح طرف ما من بين مكونات المشهد السياسي الصومالي أو بالأحرى الأطراف السياسية والقبلية المتنافسة في تولي زمام السلطة في المرحلة القادمة.

%d مدونون معجبون بهذه: