اعتبارات واقعية حول عودة الرئيس الصومالي إلى السلطة مرة ثانية

تمهيد :

الساحة الصومالية معروفة بمفاجئاتها السياسية لتعدد العوامل الداخلية والخارجية المتحكمة في مصير البلاد، فكما تولى الرئيس الحالي حسن شيخ محمود مقاليد الحكم نهاية عام 2012 بسبب عوامل فرضت نفسها في آخر لحظة على عكس ما كان متوقعا، يتطلع الجميع مجيء شخص توافقي يبرز فجأة أو يتم دفعه من الخلف على أساس أنه رجل المرحلة؛ وعليه فإن دراسة فرص عودة الرئيس الحالي إلى السلطة في هذا الوقت المبكر نوعا ما – أي نحو قبل عام من الانتخابات المقبلة – أمر في غاية الصعوبة، ولاسيما أنه لم تتحدد حتى الآن طبيعة وحجم و مستوى المنافسين المحتملين والدول الداعمة لهم، كما لم يتحدد بعدُ شكل الانتخابات، أضف إلى ذلك فإن الأمر مرتبط بكيفية إدارة الرئيس الحالي ملفاته ومدى استفادته من الوقت المتبقي له لتحسين صورتهقبلحملته الانتخابية بعد أن وجهت إليه مؤخرا تهمة الخيانة العظمى؛ وبالتالي فإن الرئيس يواجه تحديا كبيرا فيما يخص بإثبات جدارته وأهليته للعودة إلى السلطة لفترة رئاسية ثانية؛ وهذا يجعلنا نسلِّم أن الفرصة الوحيدة التي أمامه والتي يعول عليها هي استخدام المال لشراء الأصوات، ولكنها سياسة فشل فيها الرؤساء السابقون؛ حيث أنفق بعضهم كل ما جمعوه في حلم لم يتحقق لأي رئيس مر بالبلاد منذ الاستقلال عام 1960م.

  • اعتبارات واقعية :

أولا : عودة الرئيس الحالي إلى السلطة بعد انتهاء فترته الرئاسية نهاية أغسطس القادم شبه مستحيلة؛ وذلك نظرا طبيعة الشعب الصومالي الذي يحب دائما الوجه الجديد، ثم إن ذلك أمر لم يحدث في تاريخ الصومال منذ الاستقلال عام 1960م، فكان أول رئيس للصومال وأعدلهم آدم عبد الله عثمان بشهادة الجميع أقرب الرؤساء إلى أن يحقق ذلك لو لا رفضه لدفع الرشوة التي طلبها منه معارضوه؛ فخسر بفارق صوت واحد راح لصالح الرئيس الثاني للصومال ووالد رئيس الوزراء الحالي عبد الرشيد  علي شرمأركي في عام 1967 والذي اغتيل في شمال الصومال عام 1969م.

أما الإدارات التي تشكلت بعد سقوط النظام العسكري 1991م- من الحكومات الانتقالية وإدارة أرض الصومال (صوماليلاند) التي أعلنت انفصالها من جانب واحد في شمال غرب الصومال 1991م وإدارة بونت لاند في شمال شرق الصومال – فكلها لم تشهد عودة رئيس حكمها إلى فترة ثانية باستثناء من عاد بالتمديد له عاما أو عامين، وقد أوشك رئيس ولاية بونت لاند السابق عبد الرحمن فرولي للعودة إلى السلطة؛ حيث كاد أن يعود إلا أنه خسر بفارق صوت واحد [ اعتُبر باطلا ] وبذلك فاز بالرئاسة منافسه عبد الولي محمد علي غاس رئيس بونت لاند الحالي، وعلى هذا الأساس فإن عودة الرئيس الحالي إلى السلطة – بغض النظر عن إخفاقاته وتدني شعبيته ووصف بعض معارضيه بأنه أسوأ رئيس مر بالبلاد – يعتبر مخالفا لما اعتاد عليه الصوماليون، وإن تحقق له ذلك يكون أول رئيس يعود إلى السلطة لفترة ثانية في تاريخ الصومال، وسيعدُّ ذلك سابقة تاريخية يفرد لها الإعلام الصومالي عناوين بارزة يطول الحديث حولها.

ثانيا : يعتقد المراقبون أن مصير البلاد تتحكمه دول كثيرة تستطيع بعضها أن ترجح كفة طرف دون آخر بسهولة، وفي حال إجماع بعض هذه الدول المؤثرة على مرشح ما ( ماديا ومعنويا) فإنه من المرجح أن يفوز بسهولة، إلا أنه – بحسب رؤية البعض – لن يكون لذلك النصيب مرشح يتحالف مع مجموعة دينية مرتبطة بجهات خارجية ومحظورة في بعض البلاد الإسلامية بحسب رأي بعض المراقبين والمحللين السياسيين في الصومال.

ثالثا : الوضع السياسي غير مستقر، وبالتالي فهو يقبل كافة الاحتمالات، فمن كان مكروها بالأمس القريب يكون محبوبا اليوم، بل قد يكون الخيار الأوحد فيتم انتخابه خشية أن يدخل البلد في يد من هو أشد منه بأسا وأقل منه نفعا.

  • عامل القبيلة

وإذا استحضرنا العوامل التي ترجح كفة مرشح ما؛ فأبرزها عامل القبيلة التي ينتمي إليها المرشح ثم يأتي عامل المال؛ فهناك قبائل يُرجح أن تشغل منصب الرئاسة في الفترة القادمة مراعاة لنظام المحاصصة القبلية؛ حيث يراعي أن يكون رؤساء المؤسسات الحكومية العليا من قبائل مختلفة؛ فتتبادل القبائل الأربعة الأولى المناصب العليا حتى لا تختل الموازين ( رئاسة الدولة – رئاسة البرلمان – رئاسة مجلس الوزراء – رئاسة المحكمة العليا). وعلى هذا الأساس فإن الرئيس الحالي حسن شيخ محمود إذا نجح في أن تُجمع عليه قبيلة “هوية ” التي ينتمي إليها كمرشح وحيد وممثل لها يمكن القول بأنه الأوفر حظا بنسبة 50% للفوز بالرئاسة مرة ثانية ( وهذا شبه مستحيل في نظر الكثيرين) وبالطبع يكون ذلك محتملا إذا فاز الرئيس الصومالي قبل ذلك بمنع أفراد هذه القبيلة من الترشح لرئاسة البرلمان، وهو ما يسعى إليه المرشحون الآخرون بهدف حجبه تلقائيا من الترشح للرئاسة، وبذلك فإن المعركة الحقيقية تبدأ أثناء اختيار أعضاء البرلمان الفيدرالي؛ فكل مرشح يحرص على إدخال مجلس النواب شخصية من القبائل الأخرى تكون أكثر استحقاقا لرئاسة البرلمان من حيث العمر والخبرة والتعليم وكذا القبول الشعبي والإقليمي والدولي.

  • شراء الأصوات

وفيما يخص بمسألة شراء الأصوات، والتصويت لصالح الأكثر دفعا للمال؛ فيقال إنها أمر لا يمكن أن يعول عليها قياسا على تجارب سابقة شهدتها الساحة الصومالية؛ وكان آخرها تجربة الرئيس السابق الشيخ شريف شيخ أحمد الذي لم يدخر جهدا في ذلك المجال؛ ولم يكن ينقصه المال، وبالتالي فعودة الرئيس الحالي تتطلب – ليس فقط المال الذي يمكن أن يؤخذ منه دون إعطائه الصوت الذي يكون في الغالب سريا – وإنما يجب انتفاء الموانع مع توفر التحالفات القبلية والمناطقية إلى جانب العامل المادي الذي ينبغي أن ينفق بسخاء في جميع المراحل التي تسبق المرحلة النهائية الحاسمة.

  • العامل الحزبي وشخصية الرئيس

كثيرون يؤمنون أن الرئيس الصومالي شخص دبلوماسي هادئ اكتسب مهارات وعلاقات أثناء فترة حكمه، وهو منفتح على الغرب والمجتمع الدولي عموما؛ إلى جانب ذلك هو شخص محظوظ قد يحالفه الحظ مرة أخرى؛ فيفوز بمنصب الرئاسة بسهولة ، وخاصة إذا وصل إلى الجولة الأخيرة من الانتخابات مع منافس ينتمي إلى قبيلة غير مُرحب بها في مقديشو؛ ولكن بشرط أن يغير توجهاته الفكرية قبل حلول موعد الانتخابات لكي تتغير الانطباعات السلبية السائدة عنه؛ من خلال تغيير استراتيجياته وفق متطلبات المرحلة، بالإضافة إلى استحداث طرق جديدة تجعله زعيما مؤهلا لتولي الحكم مرة ثانية ضمن حملة علاقات عامة تهدف إلى تحسين صورته التي اهتزت بشكل كبير بعد إدانته مؤخرا بتهم الفساد واستغلال أموال الدولة.

كذلك يُحسب لفريق الرئيس بأنه الأكثر قدرة على الحشد والتجميع؛ وهو ما أدى إلى تغلغلهم في جميع مفاصل الدولة؛ وهو فريق عمل متعدد المهارات والخبرات واسع العلاقات يعمل تحت إطار حزبي؛ فأثبت إمكانية الوصول إلى السلطة عبر بوابة غير قبلية ؛كما أثبت جدارته في الصمود أمام كل التحديات، وكان الحزب يتعلم مما كان يعتبره الصوماليون فشلا بسبب كثرة الحكومات التي جاءت في عهده ، والمحاولات المستميتة لاستبعاد كوادره بسبب انتماءاتهم الفكرية؛ وبالتالي يُعتبر هذا الرصيد من الخبرات فرصة للرئيس الحالي مع وجود معارضة (نخبوية لا شعبية) لحزبه؛ إلا أن اجتماع الخبرة والمال وحسن التخطيط قد يأتي بمفاجآت غير منتظرة على عكس توقعات معارضي الرئيس وحزبه.

  • تساؤلات

ويتساءل المتابعون للشأن الصومالي عن قرار الحزب الحاكم – إن صح هذا التعبير – بشأن الكشف عن مرشحه لخوض سباق الرئاسة في 2016، وهل سيكون من الحكمة ترشيح الرئيس الحالي حسن شيخ محمود أم خوض السباق بمرشح آخر جديد في الساحة؛ هذا إذا سلم هذا الحزب – حزب السلام والتنمية – من الانشقاقات، واعتُمد النظام الحزبي كأحد الخيارات الانتخابية المدروسة في المجلس الوطني التشاوري، والذي يُنتظر منه تقرير شكل الانتخابات المناسبة للصومال بعد إلغاء الانتخابات العامة لأسباب أمنية نهاية يوليو الماضي. وفي حال ما إذا قرر حزب الرئيس الحالي خوض السباق برئيس الحزب مرة أخرى؛ فماذا يكون مصيره ؟

ويكاد يتفق معظم المحللين – الذين طرحنا عليهم هذه التساؤلات – على أنه من السابق لأوانه الجزم بشيء مما يتعلق بسياسة الصومال؛ وذلك نظرا لافتقار الساحة السياسية لأدوات قياس الرأي العام، وغياب تجربة الأحزاب السياسية، وهيمنة صيغة المحاصصة القبلية المعروفة بـ 4.5 ؛ والتي يعزى إليها تجمُّد العملية السياسية ومراوحة الوضع من أزمة سياسية إلى أخرى؛ أضف إلى ذلك أن منصب الرئاسة صار محصورا بين قبيلتين معروفتين دون غيرهما من القبائل، والأدهى أنه يكاد ينحصر في قبيلة واحدة، وهذا مؤشر لـ لبلنة الصومال؛ بحيث تكون كل قبيلة أو طائفة تعرف نصيبها من السلطة مسبقا دون منافسة سياسية، وهذا – بالطبع – ليس لصالح الصومال باتفاق الجميع.

%d مدونون معجبون بهذه: