أيهما أفضل إسقاط الرئيس أم بقاؤه حتى عام 2016م

بعد أن قدّم عدد من النواب إلى البرلمان الصومالي مذكرة إتهام (impeachment) وحجب الثقة من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في الـ 12 من شهر أغسطس الجاري بدأت موجة جديدة من التجاذبات السياسية التي ألقت بظلالها على الواقع السياسي برمته؛ فتجمدت كافة الملفات، وبدأ الجميع يفكر فيما سيؤول إليه الوضع بعد إسقاط الرئيس إن تحقق ذلك بحسب ما يخطط له معارضوه، وبالتالي أثيرت تساؤلات كثيرة حول مآل المسيرة السياسية في ظل هذا التدافع غير مأمون الجانب نظرا لغياب الشفافية والمصداقية لدى طرفي الصراع.

في الحقيقة إن المحاولة الجارية لإسقاط الرئيس أمامها عقبات قانونية جمة نظرا لصعوبة توفر البيئة الملائمة في ظل غياب المحكمة الدستورية التي يُشترط أن تضطلع بدور البت في صحة الاتهامات الموجهة إلى الرئيس من قبل البرلمان، ومن جهة ثانية يُعتقد على نطاق واسع أن النواب الذين يتصدرون في طليعة القائمة المعارضة للرئيس الصومالي هم ممن فشلوا في تولي حقائب وزارية في الحكومات المتعاقبة أو أُبعدت حكوماتهم بواسطة البرلمان، كما أن فرصهم في تقلد مناصب وزارية محدودة. وبالتالي فإن مساعيهم غير نزيهة وأغلبهم ممن كانوا بالأمس القريب ضد أو مع المقترحات التي أسقطت الحكومات السابقة لأسباب ومصالح شخصية، ومع ذلك تشكل الحملة الحالية إرباكا يعيق الرئيس والحكومة عن مواصلة أعمالها والقيام بترتيبات تمهد لعودة الرئيس الصومالي إلى الرئاسة، كما أنها -أي الحملة- تستهدف أكثر ما تستهدف إلى إضعاف الرئيس وتشويه سمعته في الداخل والخارج حتى يصل نهاية فترته 2016 مهيض الجناح.

يذهب بعض المحللين أن الصراع قد انتهى لصالح الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالنظر إلى التطورات الجديدة، وخاصة فيما يخص بتراجع مجموعة تقارب 15 نائبا بحسب بعض المصادر عن قراراتهم ومساعيهم لسحب الثقة من الرئيس؛ مؤكدين أن توقيعاتهم في المذكرة المطروحة كانت قبل عام تقريبا، وأنهم تنازلوا عن قراراتهم آنذاك بعد تسوية الخلافات؛ وبالتالي فإن كل هذه الأمور تجعلنا نفكر في أننا أمام ضجة سياسية قد تأتي بنتيجة عكسية لما قد ينجم عنها من الإصرار والتشبث بالسلطة أو الاغترار باستحالة مواجهة خطط الطرف المنتصر في المعارك السياسية القادمة إن صح التعبير.

وبشكل عام فإن الخطاب السائد لدى السياسيين المعارضين المعتدلين والمحافظين هو انتهاج طريق التهدئة بما لا يؤثر سلبا على المسيرة السياسية العامة في الصومال، حتى إن بعضهم يذهبون إلى نظرة أكثر عمقا في تحليلاتهم؛ معتبرين أن إساءة سمعة الرئيس لا تنحصر على نفسه بل تتعدى تأثيراتها السلبية على السمعة العامة لكافة أجهزة الدولة الصومالية، وبالتالي ينصحون بأن يتم انتهاج نهج التهدئة في مختلف الأحوال.

وحول هذا الملف يثار العديد من التساؤلات، من بنيها: ما هي الجهات المستفيدة من الحملة الجارية … وما موقف اللاعبين الدوليين .. وهل هناك جهات عندها انتقاد بناء وموجه للرئيس بشأن وصفه بالعجز عن أداء مهامه؟ و في السياق ذاته لا بد من تحديد دوافع ومحركات مشروع حجب الثقة واتهام الرئيس ؛ ومنها محاولة التمديد للبرلمان وتشويه سمعة الرئيس ومنعه من الترشح لـ ٢٠١٦ وربما يكون أصحاب المشروع مدفوعين من جهات أجنبية؛ مع أن الرئيس ربما ليس بريئا من كامل التهم ولكن البرلمان شريك فيها أيضا بحسب بعض المراقبين.

وطبقا للدستور الصومالي المؤقت يصبح منصب الرئيس شاغرا إما باستقالته أو إقالته إذا ارتكب الخيانة العظمى أو انتهك الدستور بشكل صارخ، ويحق لثلث أعضاء البرلمان اقتراح عزل الرئيس من منصبه، وتدرس المحكمة الدستورية هذا الاقتراح، وبعد أن تجيزه المحكمة يتم التصويت على مقترح العزل، ويجب أن ينال ثلثي الأصوات من مجمل أعضاء البرلمان، ويتولى رئيس البرلمان رئاسة الجمهورية مؤقتا حتى انتخاب رئيس جديد خلال ثلاثين يوما، في حين يتولى النائب الأول لرئيس البرلمان رئاسة البرلمان مؤقتا.

وفي خلاصة الأمر، فإن فرص نجاح مسعى النواب الذين طرحوا مشروع إقالة الرئيس على أساس انتهاكه للدستور ضئيلة جدا بالنظر إلى غياب المحكمة الدستورية أولا، وأن اتهامات انتهاك الدستور لا يمكن إثباتها ثانيا؛ مما يجعل مشروع سحب الثقة سياسيا بامتياز، وثالثا حتى وإن افترضنا أن تحل المحكمة العليا محل المحكمة الدستورية وإفتائها بصحة الاتهامات الموجهة ضد الرئيس فإنه من الصعوبة بمكان أن يصوت 184 نائبا على إقالة الرئيس.

في كل الأحوال فإن الصومال كبلد هو الخاسر في هذه المعركة الخاسرة؛ حيث إن كلا من البرلمان والرئاسة قد خسروا من رصيدهم الشعبي الشيء الكثير، كما تسببت هذه الأزمة في زيادة الانطباع السيء عن الصومال في نظر الكثيرين؛ ولهذا ينبغي إنهاء هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن والعمل على تحقيق استحقاقات البلد الكبرى في الفترة القليلة المتبقية من رئاسة الرئيس الحالي حسن شيخ محمود. والذي يعتبر بقاءه في منصبه حتى عام 2016 خيرا من إسقاطه خشية أن تتراجع الجهود السياسية الجارية؛ وحتى لا يعود البلد إلى المربع الأول؛ فتختلط الكثير من الأوراق بحسب رؤية بعض المحللين.

%d مدونون معجبون بهذه: