تداعيات عملية إنشاء ولاية جَلْمُدُغْ بوسط الصومال

في نهاية شهر يونيو الماضي أُعلن عن ميلاد ولاية فيدرالية جديدة باسم جَلْمُدُغْ بعد تشكيل برلمانها في مؤتمر عدادو بتاريخ 26 يونيو 2015م؛ تلا ذلك الإعلان عن انتخاب عبد الكريم حسين جوليد رئيسا للولاية في الرابع من شهر يوليو الجاري ، وقد حظي الانتخاب بترحيب كل من مكتب الرئاسة الصومالية، والأمم المتحدة، ومنظمة الإيغاد ومكونات مجتمعية صومالية كثيرة. وفيما يلي نشير إلى بعض تداعيات إنشاء الولاية الجديدة على مسيرة العملية السياسية في الصومال، وإلى أين تتجه الأمور بعد التصعيد الأخير – الذي كان متوقعا – من قبل ولاية بونتلاند المجاورة للكيان السياسي الجديد.

 تجدر الإشارة إلى أن إنشاء ولاية جلمدغ جاء كخطوة دستورية تتسق مع هدف إنشاء ولايات تشكل لبنات للدولة الصومالية الحديثة، وهو إحدى المهام الأساسية لحكومة الرئيس حسن شيخ محمود ورئيس وزرائه ، وتشرف عليه منظمة الإيغاد IGADوالأمم المتحدة؛ ولكن اللافت للنظر أن وضع الأقاليم الوسطى التي تأسست منها الولاية كان متلونا بالصراع العشائري، والتباين في ولاءات السياسيين المنحدرين من المنطقة ، وشح مصادر الدخل الجاهزة رغم التجانس العشائري الكبير، وتشير المعطيات الراهنة إلى استمرار هذا الوضع في الولاية الجديدة مما يضع الرئيس الجديدة أمام مهام صعبة.

  • جهات أربعة 

 وحاليا ثمة أربع جهات معنية بدرجة أولى لإقامة الكيان الجديد، وهي:

  1. الرئاسة الصومالية متمثلة بالرئيس والحكومة؛ حيث استمات القصر الرئاسي لإنجاح العملية لصالح المرشح الذي يدعمه، وقد وضع كل ثقله المالي والسياسي لضبط عملية اختيار مندوبي القبائل الذين بدورهم يختارون أعضاء البرلمان الذين سيكون بيدهم اختيار رئيس الولاية، وتتجه أنظار فريق الرئاسة إلى مرحلة ما بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالية في سبتمبر2016م لما تمثله الولاية الجديدة من ظهير سياسي مؤثر في الترجيح مع أوراق أخرى تستعد بها الرئاسة.
  2. فصيل أهل السنة (الصوفي) الذي يتمتع بتأييد شعبي في المنطقة لتصديه لمقاتلي حركة الشباب باستماتة، والحد من فرص تمدده وانتشاره في إقليمي جالجدود Galguduud ومودغ Mudug وسط الصومال. ويحظى الفصيل بدعم إثيوبيا وبعض المكونات العشائرية والسياسيين في المنطقة بالإضافة إلى تأييد ولاية بونتلاند للفصيل بعد تشكيل ولاية جلمدوج الجديدة. وقد اعتبر فصيل أهل السنة إنشاء الولاية الجديدة في عدادو بمثابة سحب البساط من تحته وتجريده من كل أوراق القوة، والالتفاف باستحقاقات نضاله في الإقليم بعد أن ظلَّ رقما صعبا في معادلة القوى في المنطقة . وقد تمثل رد فعل فصيل أهل السنة لمؤتمر عدادو على استيلاء طوسماريب عاصمة إقليم جلجدود والإعلان عن عقد مؤتمر مواز لإقامة إدارة للمنطقة، وقد تمخض المؤتمر عن اختيار رئيس للإدارة ونائبه مع مراعاة حصص القبائل القاطنة في الإقليم. هذا، وقد اعتبر محللون مؤتمر طوسماريب ونتائجه تحديا قويا يصعب تجاوزه كما انطوى على براعة سياسية ، وحسب صحافي بمدينة عابُدْواق فإنه من الصعب التوصل إلى اتفاق سياسي مع الفصيل الصوفي لانطلاقه من أيدلوجية دينية تسعى لتحقيق مكاسب دينية وسياسية معا، ويرى من واجبه التصدي لما يعتبره خطر انتشار حركات متطرفة تنطلق من أيدلوجية مناوئة له.
  1. ولاية بونتلاند المجاورة التي تتقاسم مع الولاية الجديدة إدارة محافظة مودغ Mudug التي ظلت على حالة انقسام على أساس عشائري منذ عام 1991م، شاهدة على ويلات الاحتراب الأهلي في الصومال. وحسب مادتي 49 و 51 من الدستور الفيدرالي فإن أية ولاية فيدرالية جديدة يشترط أن تتألف من محافظتين على الأقل من أصل 18 محافظة تألفت منها الجمهورية الصومالية قبل عام 1991م، وبالتالي فإن قيادات الولاية الجديدة رأوا من الضرورة السياسية ضم أراضي خاضعة لإقليم بونتلاند متغاضين عن رفض الأخيرة واحتجاجاتها، وفي المقابل فإن القيادات في بونتلاند كانت مدركة منذ الإعلان عن مؤتمرها التأسيسي في 30 يوليو 2014م تأثير الولاية الجديدة على حدودها، وفقدانها الشرعية الدستورية إلا بضمها أجزاء من الأراضي الخاضعة لها، وهي الأجزاء الشمالية لمحافظة مودغ Mudug ، باعتبارها مناطق تابعة لها على أساس التوزيع العشائري والإداري للمنطقة. وقد اتخذت بونتلاند سياسات وقائية تتمثل في إبرام اتفاقات مع الحكومة الصومالية ، واستصدار وعود بعدم المساس بحدودها ونطاق سيادتها الحالي ، وقد جرى اتفاق في 1 أكتوبر 2014م مع رئيس الوزراء عبد الولي شيخ أحمد ، وبنود إعلان مع الرئيس حسن شيخ محمود الذي أعلن في خطاب له في 02 مايو 2015م بمدينة جاروى –عاصمة بونتلاند- أن إنشاء ولاية الأقاليم الوسطى لن يؤثر على حدود بونتلاند وشعبها بعد إصرار بونتلاند على توضيح الرئيس لموقفه.
  1. وأخيرا يأتي دور إثيوبيا الجارة التي من مصلحتها قيام كيان شريك يتعاون معها في مسائل الأمن؛ حيث تشترك الولاية في حدود طويلة مع إثيوبيا، وحتى الآن فإن إثيوبيا لم تعلن موقفها من الولاية الجديدة بشكل صريح، لكن المعطيات على الأرض تشير إلى عدم ارتياحها لفوز المرشح الرئاسي الذي لا يشير ماضيه السياسي إلى ارتباط مصلحي مع إثيوبيا .
  • رد فعل بونتلاند

ومنذ الإعلان عن إنشاء الولاية الجديدة التي ينص دستورها بضم أراضي واقعة في شمال محافظة مُدوغْ ، وفوز المرشح المدعوم من القصر الرئاسي السيد عبد الكريم حسين جوليد، فقد تجاوز رد فعل بونتلاند مجرد احتجاجات أو مسيرات لإعلان رفضها لما تمخض عن مؤتمر عدادو بل اعتبرت إشراف الرئيس ومباركته لمجمل العملية وزيارة رئيس البرلمان لمكان انعقاد المؤتمر وحضوره لمناسبة إعلان تشكيل أعضاء البرلمان الجديد بمثابة خرق سافر للدستور، واتخذت خطوات عملية أكثر حدة وانفعالا عقب اجتماعات مكثفة لبرلمان بونتلاند انتهت بإصدار قرارات تدعو إلى شبه مقاطعة الحكومة الفيدرالية، ومؤسساتها والتلويح بالانفصال في حال إصرار الحكومة بشرعية الولاية التي تضم بعض أجزائها، بل تحركت لأبعد من ذلك؛ حيث سعت إلى تشكيل تحالف مع ولاية فيدرالية أخرى هي جوبا وعاصمتها كيسمايو ، وقد زار رئيسها أحمد مادوبي لعاصمة بونتلاند جاروى في 11 يوليو الجاري. وأعلن مادوبي الهدف من زيارته لبونتلاند أنها التباحث بشأن إصرار الحكومة الفيدرالية على التدخل بشأن الولايتين ( بونتلاند- جوبا)، وحسب المحلل عبد الله عمر فإن الولايتين تسعيان لإرباك الحكومة الفيدرالية ووضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.

  • إلى أين تتجه الأمور بعد التصعيد الأخير؟

من المتوقع أن تتجه الأمور نحو التوتر بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات القائمة حول مسائل دستورية، وتكوين شبكة تحالفات سياسية في وقت تقترب فيه الفترة الرئاسية الحالية من الانتهاء، وهذا التعاند السياسي بين الأطراف الصومالية سيفتح الباب لمزيد من تدخل دول الجوار والمعنيين الدوليين؛ مما يؤثر سلبا على حسن سير العملية السياسية في الصومال بشكل عام. وخاصة فيما يخص استكمال المهام المندرجة تحت رؤية 2016م، و التي هي “خارطة إنجازات من المفترض تحقيقها قبل انتهاء الولاية الحالية للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود”.

%d مدونون معجبون بهذه: