الخلاف القائم بين إدارة جوبا والحكومة المركزية في الصومال

أساس المشكلة :

يعتقد على نطاق واسع أن أي خلاف في الصومال يرجع إلى أساس قبلي في أغلب الأحيان؛ وخاصة عند شعور بعض القبائل بالتهميش أو الإقصاء من قبل قبائل أخرى تدعي بأنها تشكل الأكثرية دون وجود أدلة علمية مقنعة، وما أكثر من القبائل الأصلية في المدن القديمة، والتي تتعرض للتهجير و الإبادة تحت تهديد السلاح في الصومال، و ليس ما حدث مؤخرا في محافظة شبيلي السفلى عنا ببعيد.

ومن ناحية ثانية يُعتبر أمرا طبيعيا أن يحدث خلاف بين الأقاليم الفيدرالية والحكومة المركزية ؛ ولاسيما في ظل تجربة فيدرالية وليدة بعد عقدين من الفوضى والحروب في الصومال، ولكن الذي يعمِّق الهوة بين الأطراف والمركز هو دائما التسرع في القرارات دون أعطاء أي اعتبار لمشاعر المجتمع ولا للقوانين المنصوصة في الدستور الصومالي المؤقت الذي يُفترض أن يُحتكم إليه في حال حدوث خلاف حول إجراءات تشكيل النظام الفيدرالي في كل ولاية من الولايات الصومالية المشكَّلة حديثا وقديما.

 أما الأزمة الحالية يرجع أصلها إلى خلاف حول كيفية تشكيل برلمان جوبا والذي تقاسمت القبائل القاطنة في الإقليم على أساس المحافظات الثلاثة التي تتكون منها إدارة جوبا ، وهي محافظة جوبا السفلى، ومحافظة جوبا الوسطى ومحافظة جدو، في جنوب الصومال، وقد احتجت بعض القبائل لدى البرلمان الفيدرالي؛ وتقدمت بعريضة أو التماس إلى البرلمان نفسه بهدف إبلاغه بأنها أعطيت حصة أقل مما تستحقه. وهو ما أدى إلى أن يقرر البرلمان الفيدرالي بدوره بطلان تشكيل برلمان إدارة جوبا المؤقتة بعد عملية تصويت على مشروع قرار اعتُمد مؤخرا وأثار الأزمة الحالية. والأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن معارضي رئيس إدارة جوبا أحمد مدوبي يقولون إن ما يقارب ثلث أعضاء برلمان الولاية المكون من 75 عضوا ينتمون إلى قبيلة واحدة.

ومن جانبه حاول رئيس مجلس الوزراء السيد عمر عبد الرشيد علي شرمأركي تطويق هذه الأزمة في بدايتها وطالب بإرجاء جلسة برلمانية كانت مقررة للتصويت على بطلان برلمان جوبا، وزار كيسمايو بنفسه وتباحث مع المسؤولين فيها ، وشكَّل لجنة مكونة من عشرة وزراء لإيجاد حل سياسي للمشكلة؛ ولكن البرلمان لم يمهل اللجنة المشكلة لتطرح رؤيتها في الحل الممكن، واستبق بالمضي في التصويت على قرار مستفز نال الأغلبية؛ ولكنه لم يغير من الأوضاع شيئا؛ لأن الجهة المخولة في التنفيذ هي الحكومة، والحكومة لا تسيطر على كيسمايو فضلا أن تفرض قرار البرلمان على إدارة جوبا المؤقتة.

 وبحسب ما كان متوقعا فقد ردت إدارة جوبا بقطع علاقاتها مع الحكومة المركزية في مقديشو. ولكن زعيم إدارة جوبا المؤقتة السيد أحمد محمد إسلام (أحمد مدوبي) أوضح أن خلاف إدارته مع الحكومة الفيدرالية لن يؤثر على تنفيذ رؤية 2016 وأن إدارته ستشارك إيجابيا بكل الاجتماعات التي تمس مستقبل الصومال وإجراء الانتخابات في عام 2016.

آراء حول القرار

يرى بعض المراقبين السياسيين أن البرلمان الفيدرالي الصومالي أصبح عبئا على الصومال؛ ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يتفرغ لحل المشاكل العويصة التي يواجهها البلد أصبح الخصم والحكَم في آن واحد؛ مما جعله جزءا من المشكلة؛ حيث أصبح الشغل الشاغل لأعضاء البرلمان طرح مشاريع سلبية تُدخل البلد في دوامة أزمات وتناقضات عفى عليها الزمن، فما أن تخرج البلاد من مشكلة حتى تتورط في أخرى، بسبب عدم قدرة النواب على طرح مبادرات من شأنها إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المضطربة في الصومال.

وفي السياق ذاته يرى بعض المحللين أن قرار البرلمان غير دستوري من الناحية القانونية ولا يستند إلى أرضية قانونية؛ لأن الجهة التي لها حق البطلان لا بد أن يكون لها حق التشكيل، وبما أن البرلمان الفيدرالي لم يساهم في تشكيل برلمان إدارة جوبا فلا يوجد مسوغ يدعو إلى أن يقوم بحل هذا البرلمان ، ناهيك أن البرلمان الفيدرالي ليس له سلطة على برلمان ولاية بونت لاند و ولاية جنوب غرب الصومال ولا حتى برلمان ولاية غَلْمُدُغْ المشكَّل قبل أيام بوسط الصومال، فضلا أن تكون له سلطة على برلمان صومالي لاند التي أعلنت انفصالها عن باقي الصومال من جانب واحد عام 1991م.

وعلى صعيد آخر يحتج المؤيدون لهذا القرار بأن البرلمان هو الممثل الشرعي للمواطنين الصوماليين، وبما أن آلية تشكيل برلمان جوبا لم تعتمد على نظام المحاصصة القبلية 4.5 المعمول به في السياسة الصومالية وأن بعض القبائل استأثرت بأغلبية برلمان جوبا دون الاكتراث بشكاوي ومناشدات القبائل الأخرى كان لا بد من وضع حد لهذه الأزمة، ولكن من حيث المنطق لا يمكن اعتماد قاعدة 4.5 في تشكيل برلمان الولايات المشكلة للجمهورية الاتحادية لسبب بسيط؛ وهو أن التوزيع الجغرافي للقبائل ليس بنسبة تتوافق مع 4.5 ، فالمعروف أن كل من برلمان بونت لاند وصومالي لاند وجنوب غرب الصومال وحتى وسط الصومال الذي تم تشكيله مؤخرا لم يعتمد على قاعدة 4.5 فلماذا الإصرار على قاعدة الـ 4.5 في حالة إدارة جوبا المؤقتة !

أما من الناحية السياسية فإن هذا القرار يعقِّد الأوضاع السياسية والاجتماعية، ويهدد السلم الأهلي والوئام بين الفرقاء، ويزيد من الشروخ بين قبائل المنطقة، ويعطي فرصة للتدخلات الأجنبية التي سيرضخ لها كافة الأطراف في نهاية المطاف.

ولاية بونت لاند

رفضت ولاية بونت لاند قرار البرلمان الفيدرالي الصومالي واعتبرته عديم الجدوى منددة بقرار حل برلمان إدارة جوبا الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي الصومالي، وصرح رئيس الولاية السيد عبد الولي علي غاس بأن تطبيق النظام الفيدرالي قد انحرف عن مساره الصحيح، وهدد بأن إدارة بونتلاند ستتخذ القرار المناسب حال تطبيق النظام الفيدرالي بشكل يتعارض مع الدستور والقوانين في البلاد في إشارة ضمنية إلى أن ولاية غلمدع بوسط الصومال لا تتوفر فيها الشروط الدستورية التي تنص على أن يتم تشكيل أي ولاية فيدرالية من محافظتين على الأقل من المحافظات الـ 18 التي كانت تتألف منها الجمهورية الصومالية إبان حكم العسكري برئاسة محمد زياد بري.

ولاية جنوب غرب الصومال

لم يصدر أي تعليق رسمي أو غير رسمي من رئيس ولاية جنوب غرب الصومال السيد شريف حسن شيخ آدم السياسي المخضرم ولكن كل المؤشرات تدل على ارتياحه لقرار البرلمان الفيدرالي؛ حيث تؤكد المصادر المطلعة بأنه العقل المدبر لمشروع قرار حل برلمان جوبا ؛ حيث أن قبيلته من أكثر القبائل التي تشتكي من تهميشها في برلمان جوبا، ولكن لدهائه السياسي لا يريد أن يسجل عليه موقف، ولذلك آثر التزام الصمت بحسب مصادرنا الصحفية.

الحل الوحيد

الحل الوحيد لهذه الأزمة وغيرها من أزمات الصومال السياسية هو الحوار وإقناع جميع الأطراف المعنية بحلول منطقية ومقبولة، فلا يوجد في الحقيقة ما يدعو إلى النزاع والاقتتال على أمور وهمية، ومعروف أن القتال على سراب السلطة والثروة المحتملة دمر الصومال وقضى على مستقبلها رغم امتلاك الصومال موقعا إستراتيجيا في العالم وأحد الممرات المهمة في العالم وامتلاكه ثروات طبيعية متنوعة. وبالتالي فإن البرلمان الفيدرالي يجب أن يتدارك أو يتراجع عن قراره الذي فجَّر الأزمة؛ لأنه لا يمكن حل أزمة بخلق أزمة أكبر منها؛ مما لا يتيح أن يأخذ الحوار الوطني مجراه، وفي السياق ذاته يجمع المراقبون على أن نجاح التجربة الفيدرالية مرتبط بمدى ما يبديه قادة ورؤساء الولايات من تسامح وتنازل ليس لصالحهم الشخصي ولا للقبائل التي ينتمون إليها وإنما للصالح العام؛ من أجل إيجاد دولة صومالية فيدرالية موحدة ذات سيادة غير منقوصة، وتتمتع بسلطة مركزية قوية يشعر الجميع فيها بأنهم متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. ولن يحدث ذلك إلا عندما يشعر القادة أنفسهم بأنه لا مكان لهم في المستقبل إلا إذا أعطوا الأولوية مسائل كثيرة؛ من بينها بناء الأساس (المركز) واحترام هيبته قبل القيام بخطوة نحو إصلاح الأطراف التي لن تكون لها قائمة بدون رأس قوي مهيب الجانب؛ وذلك تفاديا لمكائد الأعداء وعملائهم أصحاب مشاريع التقسيم في الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: