آفاق جديدة للدور القطري في الصومال

برزت دولة قطر كدولة مؤثرة في الساحة العربية والدولية بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، وذلك إثر تولي الحكم فيها سمو الشيخ حمد بن خليفة آل الثاني وفق تقييم مؤسسات ومراكز البحوث العربية، أما في الصومال فسطع نجمها عندما قامت بتوثيق العلاقة مع اتحاد المحاكم الإسلامية الذي حكم جنوب الصومال في النصف الثاني من عام 2006م، وحينها دعمت قطر سياسيا تحالف إعادة تحرير الصومال الذي كان ضد الوجود العسكري الإثيوبي ، وحاولت التوسط بين الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس الأسبق عبد الله يوسف أحمد والمقاومة الإسلامية ممثلة في جناح شيخ شريف شيخ أحمد الذي صار فيما بعد رئيسا للبلاد 2009 – 2012م.

وقد اشتهرت قطر في حل النزاعات الإقليمية من خلال عقد مصالحات جادة ومدروسة بين الفرقاء في دول العالم العربي والإسلامي، و هي جهود إيجابية لاحظ الجميع جدواها في بلدان كثيرة مثل لبنان والسودان وأفغانستان وسوريا وغيرها؛ وبالتالي فإن دولة قطر ودورها الإقليمي مدعوما بإعلامها القوي وسياسات قادتها الحكيمة وسخاء شعبها المعطاء، وما تملكه قطر من عوامل القوة الناعمة يجعلها دولة محورية ذات نفوذ في منطقة القرن الإفريقي التي تنشط فيها إنسانيا وتجاريا ودبلوماسيا في آن واحد، بل وفاقت في هذه المجالات دولا عربية كانت رائدة في مجالات كثيرة قبل فترة وجيزة. وخلال زيارة للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود للدوحة عام2013م صرح لوكالة الأنباء القطرية أن دولة قطر تتمتع بخبرة جيدة في مجال المصالحات، وأن الصوماليين حكومة وشعبا لديهم الثقة الكاملة في أن تلعب دولة قطر دورا في المصالحة بين الفرقاء لكونها تحظى بثقة الفئات المختلفة في الصومال”

وعلى المستوى الإنساني كان لدولة قطر دور بارز في تخفيف آثار الجفاف الذي ضرب الصومال عام 2011م عبر هيئاتها العاملة في المجال الإنساني والتنموي مثل الهلال الأحمر القطري وجمعية قطر الخيرية وغيرها، ولا زالت جهودها الإنسانية مستمرة على طول البلاد وعرضها. وأثناء المؤتمر الذي عقد في لندن حول الصومال عام 2013م؛ “تعهدت دولة قطر بمبلغ 18 مليون دولار ضمن 4 محاور تتعلق بدعم وتطوير مشروعات البنية التحتية والمشاريع التنموية وتطوير المؤسسات الإدارية ودعم الرعاية الصحية والتعليم في الصومال ” وفق تقرير منشور في صحيفة الراية القطرية.

ويتميز دور قطر في كافة المستويات بكونه دورا منسجما ومكملا للدور التركي في الصومال، وبحسب تحليلات بعض المراقبين فإن تركيا وقطر يشكلان محورا أساسيا داعما لسياسات الرئيس الصومالي الحالي حسن شيخ محمود، وذلك في مقابل دول عربية وإسلامية أخرى تسير على عكس خط السير للمجموعات المتنفذة في الفترة الرئاسية الحالية متهمين إياهم بأنهم أصل المشكلة الصومالية بانتماءاتهم الفكرية وارتباطاتهم بالإخوان والجماعات الإرهابية حسب رؤيتهم.

ويرى بعض المراقبين أن العلاقة بين الصومال وقطر قد توثقت منذ انتخاب الرئيس الحالي حسن شيخ محمود عام 2012، استنادا إلى ما هو شائع إعلاميا بشأن تلقى حزب الرئيس الحالي دعما سخيا من قبل قطر قبيل الانتخابات الرئاسية مما رجح الكفة لصالح الرئيس حسن شيخ محمود؛ على حساب الرئيس السابق شيخ شريف شيخ أحمد في الجولة الثانية من الانتخابات التي كانت محصورة في أعضاء مجلس النواب المعين هو الآخر من قبل رؤساء شيوخ القبائل وفق شروط محددة وعلى ضوء خارطة الطريق المدعومة دوليا.

آفاق جديدة

في نهاية شهر مارس الماضي قام رئيس الوزراء الحالي عمر عبد الرشيد شرمأركي بزيارة مهمة إلى الدوحة؛ حيث تم التوقيع على مذكرة تفاهم للتعاون بين البلدين في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، واتفاقية الخدمات الجوية التي تتيح بدء رحلات جوية بين مقديشو والدوحة، وتعد هذه الاتفاقية من أهم الاتفاقيات بين البلدين ضمن جهود قطر في تطوير البنى التحتية و عمل استثمارات كبيرة في الصومال.

يقول المحلل السياسي عبد النور إبراهيم: ” إن زيارة رئيس الوزراء الصومالي الأخيرة للدوحة، وما تم من توقيع اتفاقية تاريخية تفتح آفاقا جديدة للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فدولة قطر إحدى الدول الخليجية المهمة بالنسبة إلى الصومال، وأن دورها سيكون بنَّاء وأكثر عمليا في المرحلة القادمة بحسب تصريحات للمسئولين القطريين أثناء الزيارة الأخيرة “.

ويتوقع المراقبون أن يتجه الدعم القطري للصومال في المرحلة المقبلة نحو مزيد من الحضور الميداني على شكل مشاريع عملاقة وملموسة في مختلف المجالات مثل الطرق والمستشفيات والإسكان والبنى التحتية لمؤسسات الدولة، وبذلك نحن أمام دولة جادة في دعمها لشقيقتها الصومال بغض النظر عن توجهات الحاكمين وانتماءاتهم الفكرية؛ حيث يتوقع أن يكون دورها أكثر بروزا كما هو الحال بالنسبة لتركيا من خلال تنفيذ مشاريع متنوعة في مجالات كثيرة؛ من بينها التعليم والمنح الدراسية ؛حيث يمكن أن تدعم قطر الطلاب الصوماليين الذين يدرسون في الدول العربية والإسلامية أو أن تمنحهم منحا دراسية مباشرة في جامعاتها بحسب مصادر مطلعة.

الجدير بالذكر أن علاقات دولة قطر تحسنت مؤخرا مع دول مجلس التعاون الخليجي بعد فترة من الجمود؛ وذلك منذ تسلُّم مقاليد الحكم في السعودية العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، إضافة إلى ما فرضته أزمة اليمن من ضغوط كبيرة على صانعي القرار السياسي في البيت الخليجي مما يصب في مصلحة الصومال الذي يعاني من التدخلات السافرة في شؤونه وزجه في مشاريع متناقضة تزداد تصادما كلما تباعدت رؤية المهتمين به من أشقائه العرب.

وبعيدا عن ما يخاف عنه البعض – من استغلال مساعدات دولة قطر من قبل الأطراف السياسية لصالح مشاريع تخدم مصالحهم الحزبية أو الجهوية – فإن المرحلة القادمة ستشهد سياسة تنبني على دعم قطر للصومال كبلد وليس كأفراد أو جماعات؛ لأن مصالح قطر كدولة ليست مع الأشخاص أو الكيانات الحزبية وإنما مصالحها مع الدولة الصومالية التي تبقى عندما يذهب الأشخاص.

وبشكل عام فإن جهود قطر في الصومال ستتركز في المرحلة القادمة على خلق مشاريع تنموية تستهدف بعث روح الأمل في المواطن الصومالي البسيط، مع بناء شراكة تجارية واستثمارية تفيد الطرفين، أما الأمد البعيد فتعتزم قطر الاستفادة من الموارد والثروات الهائلة في هذه البلاد وفق سياسة تخدم مصالح البلدين الشقيقين، ومن ذلك الأراضي الزراعية الشاسعة والثروة الحيوانية والموارد البحرية والسياحة والخدمات والمعادن والطاقة وغيرها؛ وبحسب المراقبين يتوقع أن تكون دولة قطر خفيفة في التعاطي مع الملف الأمني والسياسي وثقيلة – بطريقة غير تقليدية – في مجالات التنمية الأخرى بالصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: