المؤتمر التشاوري الثاني بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية في الصومال

اختتم في جاروى عاصمة ولاية بونتلاند الصومالية يوم السبت 04/05/2015 الاجتماع التشاوري الثاني لمناقشة سبل تنفيذ رؤية 2016م التي تم التوصل إليها في مؤتمر بروكسيل في سبتمبر2013م.

وقد حضر سلسلة المناقشات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ، ورؤساء الولايات الأعضاء في الحكومة الفيدرالية الصومالية، وهي بونتلاند ، وجنوب غرب الصومال، وجوبا لاند. وبعد خطب افتتاحية ونقاشات جادة حول المسائل الرئيسية في أجندة المؤتمر انهمكت لجان مؤلفة من الحكومة الفيدرالية الصومالية، والولايات الثلاث الأخرى في عملية صياغة البيان الختامي للمؤتمر بشكل سليم لا يقبل تأويلات كثيرة تثير مشاكل جديدة بين الأطراف المعنية؛ وذلك وفق الدستور الفيدرالي المؤقت باعتباره مرجعا قانونيا فيما يخص بتشكيل الولايات الجديدة وحدودها وغيرها من الأمور المثيرة للجدل في الصومال.

ولاية الأقاليم الوسطى وبونتلاند

في البداية تباينت آراء وفد الحكومة الفيدرالية وممثلي بونتلاند حول مستقبل محافظة مُدوغْ، وكاد اختلاف وجهات النظر يعصف بالمؤتمر يوم الخميس حسبما صرح وزير الإعلام في بونتلاند لإذاعة صوت أمريكا يوم الجمعة الماضي قائلا: “إن لجان المفاوضات من الأطراف توقفت عن أعمالها؛ لأنها وصلت إلى طريق مسدود”. وكانت أهم المسائل التي اشتد حولها النزاع بين الممثلين مسألة حدود ولاية الأقاليم الوسطى، وتقاسم الثروة، وتنفيذ الاتفاقيات السابقة التي أبرمتها الحكومة الفيدرالية مع ولاية بونتلاند.

 وقد صرح أيضا عضو في برلمان بونتلاند يدعى سعيد عبدي سمَتَرْ أحد ممثلي بونتلاند في المناقشات لإذاعة محلية بأن ممثلي الحكومة الفيدرالية أبدوا رفضا لتقسيم محافظة مودغ إلى قسم شمالي خاضع لبونتلاند وجنوبي تحكمه الولاية الجديدة المتوقع تأسيسها في عدادو وسط الصومال وقال: “قبل كل شيء حرصت بونتلاند على انتزاع موقف صريح حول الوضع القانوني لمستقبل محافظة مودغ، ولكن ممثلي الحكومة الفيدرالية حرصوا على إبقاء الأمر في حالة الغموض”.

ويبدو أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تنازل بسبب ضغوط بونتلاند، حتى لا ينتهي الاجتماع إلى طريق مسدود؛ ولكن ممثلي الحكومة الفيدرالية نجحوا في رفض إضفاء ما تم التوصل إليه صفة اتفاق بل مجرد بنود إعلان.

وتصر بونتلاند على اعتبار القسم الخاضع لها خارجا عن نطاق أراضي ولاية الأقاليم الوسطى. وحسب المحلل عبد الله عمر لشبكة الشاهد فإن القرارات تعتبر لصالح بونتلاند التي حرصت طوال النزاع الذي استمر منذ 30 يوليو 2014م الحصول على مكاسب قانونية تقوية لموقفها الحالي والمستقبلي فيما يتعلق بحدود الولاية الجديدة في الأقاليم الوسطى من البلاد، وتضمن الإعلان بندين ينص الأول بوضوح بأن تشكيل الولاية الجديدة لن يؤثر الخريطة الأرضية والسكانية الحالية لبونتلاند، كما صرح بند آخر بأنه لن يُسمح لمشاركين ينتمون إلى بونتلاند حضور المؤتمر التأسيسي الجاري حاليا في عدادو بإقليم جلدود. وهذا الإعلان يضع مؤتمر عدادو في مأزق قانوني؛ حيث ينص الدستور بأن الولاية الفيدرالية لا تتشكل بأقل من محافظتين.

وينص الدستور الفيدرالي على أن أي ولاية فيدرالية لابد وأن تتألف من محافظتين من أصل 18 محافظة التي كانت تتألف منها الصومال قبل عام 1991م.

كما جاء مضمون البنود السابقة في تصريحات أدلى بها الرئيس حسن شيخ محمود أعلن فيها بأن تشكيل الولاية الجديدة لن يمس بونتلاند، وأن الإدارة المزمع إقامتها مؤقتة وفق التفاهمات بشأن مختلف الإدارات المماثلة.

 ومن جانبه أبدى رئيس بونتلاند عبد الولي محمد علي شكوكه في الدستور الفيدرالي الذي يحتوي مواد وجمل قد تم تحويرها في نظره، وقال: “نحن حتى الآن ملتزمون بنسخة الدستور التي تم الاعتماد عليها من قبل الموقِّعين[ بونتلاند، وجلمودغ، وأهل السنة، ومكتب الأمم المتحدة السياسي ].

رؤية 2016م

 وقد اتفقت كلمة المجتمعين على اعتبار ما يسمي برؤية 2016 New Dealبأنها تحد من سيادة الصومال، وتجعل البلاد رهينة للدول المانحة ومنظماتها إلى الحد الذي سماه الرئيس عبد الولي بأنه “استرقاق جديد” ومن جانبه أكد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده لم تتلق شيئا يذكر من الوعود التي أطلقت في بروكسيل عاصمة بلجيكا، ودعا الشركاء الدوليين لمراجعة خارطة الطريق لإعادة بناء الصومال. مع العلم أن المانحين وعدوا في مؤتمر بلجيكا نحو 1.2 بليون دولار لإعادة بناء الصومال. وتعتبر عملية الشراكة مع المانحين (برنامج الرؤية الجديدة في بروكسيل سبتمبر 2013م) ويركز على أمرين: إقرار الأمن في البلاد، وبناء مؤسسات الدولة الصومالية.

ويعود أصل الرؤية الجديدة إلى اقتناع كثير من الدوائر الغربية بأن أفضل طريقة لإنهاض الدول الفاشلة هو عقد شراكة بين الغرب وبينها تستدعي الوصاية عليها. وقد توقع محللون صوماليون وفي وقت سابق بأن الشراكة الجديدة مع الدول المانحة ستفقد الصومال سيادته؛ لأن رواتب الجيش والشرطة والبرلمان، وتكاليف التطوير وإعادة البناء للبلاد ستقدمها المنظمات الدولية، وهو ما استشعره المسئولون الصوماليون بعد فوات الأوان حسب رؤية بعض المراقبين.

انتخابات آمنة عام 2016

يذكر أن الإعلان قد تضمن اتفاق الممثلين بشأن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تشاركه جميع الأطراف في أجواء آمنة عام 2016م، وهذا يعني استبعادا كليا وجود تمديد الفترة الرئاسية للرئيس الحالي كأحد الاحتمالات في التعامل مع الوضع في حالة انتهاء الفترة دون تحقيق خطوات رؤية الشراكة، وتشير أغلب التوقعات إلى صعوبة إجراء انتخابات في محافظات البلاد نظرا للمعطيات الحالية؛ حيث تسيطر حركة الشباب أجزاء من جنوب البلاد، وعدم استكمال إنشاء الولايات الفيدرالية، ومسائل أخرى.

وفي مؤتمر صحفي عقد عقب الانتهاء من المناقشات عبر كل من رؤساء الولايات الفيدرالية، ورئيس الحكومة الفيدرالية ترحيبهم بنتائج الاجتماع، متعهدين بالعمل على تطوير وتقدُّم الصومال.

آراء مختلفة حول الإعلان

هذا، وقد أصدر المجتمعون إعلانا يتألف من سبعة بنود يتناول مسائل تنفيذ الاتفاقات السابقة، واستكمال لجان مراجعة الدستور الفيدرالي، وخطوات تنفيذ رؤية 2016م، واتخاذ سياسة أمنية موحدة تتضمن تشكيل جيش وطني بمشاركة الولايات الفيدرالية، يتولى مهمة تحرير المناطق التي تسيطر عليها مليشيات حركة الشباب، وتقاسم ثروات البلاد الطبيعية والمساعدات التي يتم الحصول عليها باسم الصومال، واستكمال تأسيس الولايات الأعضاء الفيدرالية.

هذا، وقد عبر الكثير من المواطنين الصوماليين عبر وسائل التواصل الاجتماعي في المناطق المختلفة آراءهم حول بنود الإعلان، حيث تباينت الآراء، ومنهم من يرى أن الاجتماع كان مجرد ملهاة ولعبة، ومنهم يرى أن نتائج الاجتماع التشاوري من شأنها أن تؤدي إلى نجاح خارطة الطريقة وبأنه دلالة على اتجاه الصوماليين نحو بناء دولتهم بأنفسهم. وقدأشاد آخرون انعقاد المؤتمر دون حراسة قوات أجنبية في إشارة إلى منطقة بونت لاند لا يوجد فيها قوات أجنية ضمن قوات الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام في الصومال.

 وعلى العموم فإن بعض البنود التي قيل إنها اتفقت أثناء الاجتماع تفسح المجال لمزيد من التعقيدات السياسية المعروفة في الصومال، ومن ذلك انتقاد المرشح الرئاسي الأبرز لتولي رئاسة ولاية الأقاليم الوسطي عبد الكريم حسين غوليد، والذي أصدر تصريحات معارضة لتقسيم محافظة مُدوغ معتبرا أن ذلك يشكل خرقا واضحا لنصوص الدستور التي تنص على أن الولايات الفيدرالية تتشكل بجمع محافظتين فأكثر.

%d مدونون معجبون بهذه: