تزايد الحاجة إلى طباعة عملة صومالية جديدة

واجهت العملة الوطنية الصومالية تحديات جسيمة منذ سقوط الدولة المركزية في الصومال مطلع عام 1991؛ مما أدى إلى انخفاض قيمة الشلن الصومالي إلى أدنى المستويات، ولا سيما عندما اختفت عن الأنظار جميع الفئات الورقية والمعدنية للعملة باستثناء فئة الألف شلن التي بقيت كعملة وحيدة متداولة في الأسواق بالمناطق الجنوبية إضافة إلى أجزاء من مناطق شمال شرق الصومال “بونتلاند”منذ مطلع 2001 حتى يومنا هذا.

وقد تعرضت فئة الألف شلن اليتيمة نفسها لتزوير مستمر أكثر من مرة من قبل أمراء الحرب وبعض رجال الأعمال الصوماليين أيام الحكومات الانتقالية، الأمر الذي أدى إلى تدني قيمتها أمام العملة الأجنبية؛ حيث وصل سعر صرف الشلن الصومالي أمام الدولار الأمريكي الواحد إلى أكثر من 25 ألف شلن في بعض الفترات.

وبسبب تراجع الثقة بالشلن الصومالي – الذي يبدو في نظر عامة الناس كعملة مزوَّرة وثقيلة على الجيوب – يعتمد معظم المواطنين والتجَّار على الدولار الأمريكي بنسبة 90% في تعاملاتهم اليومية؛ لأن ذلك يعفيهم عن اللجوء إلى حمل أوراق العملة المحلية المهترئة بأكياس كبيرة بشكل يمكن أن يعرضهم لخطر السرقة أو النهب في بعض الأحيان.

ومما ساهم في استغناء الناس جزئيا عن العملة الوطنية في تعاملاتهم اليومية الخدمات المالية الإلكترونية المتوفرة في الهواتف المحمولة لدى شركات الاتصالات المحلية المختلفة، وهي بالفعل خدمات مالية  تمكن المشتركين فيها عبر الهواتف المحمولة من أداء كافة المعاملات المالية بسهولة، ورغم كونها تكرس الاعتماد على العملة الأجنبية إلا أن معظم الصوماليين يعتبرونها وسيلة مريحة وآمنة ومجانية للقيام بالمعاملات النقدية حتى تتحسن الأوضاع وتتغير وضعية العملة المحلية الآيلة إلى الزوال بحسب اعتقادهم.

تزايد الحاجة :

وبناء على ذلكم كله تتزايد الحاجة إلى طباعة عملة صومالية جديدة نظرًا لكونها ركيزة أساسية للنهضة الاقتصادية؛ وبالتالي فإن الاهتمام بهذه المسألة تصب في خانة مشروع إعادة إعمار الصومال، على اعتبار أن إيجاد عملة صومالية موحدة ومستقرة جزء كبير من بناء الاقتصاد الوطني الصومالي الذي يساهم هو الآخر في حل كثير من مشاكل الفقر المدقع والفساد المستشري في الصومال.

يقول أحمد شيخ – وهو صاحب محل صرافة في شارع مكة المكرمة – إن أهمية العملة لا تقل شأنا عن القضايا والرموز الوطنية الأخرى كالعَلَم وغيره، ولا ينبغي الاستغناء عنها بالدولار، لكونها مرتبطة بالهوية الثقافية الصومالية وسيادة الوطن.

 وأضاف أحمد شيخ متحدثا لشبكة الشاهد “أن الشلن الصومالي يتعرض لخطر حقيقي وهو التَّلف، وتكمن المشكلة في انعدام جهة رسمية مصرفية يلجأ الناس إليها لاستبدال العملة التالفة جزئيا، وهي خدمة كان ينبغي أن يوفرها البنك المركزي بشكل مجاني، كما هو الحال بالنسبة لجميع دول العالم”.

 ويلاحظ أيضا أن من أسباب عزوف عامة الشعب من استخدام العملة المحلية زيادة الفئات الممزقة داخل كل حزمة بنسبة 20%، وهو ما يسبب لهم نوعا من الحرج عند شراء حاجياتهم في المحلات التجارية المختلفة؛ علما أن العملة المستعمَلة حاليا هي التي طُبعت منذ أكثر من 15 عاما في ولاية بونت لاند شمال شرق الصومال، وذلك بعد أن اندثرت العملة الصحيحة التي طُبعت قبل انهيار الحكومة العسكرية عام 1991، وبالتالي فإن الناس بدأوا يستنجدون بالجهات المعنية من أجل طباعة عملة جديدة بعد تآكل وتمزُّق الفئة الورقية الوحيدة التي تبقت في الساحة، وبالطبع يعتبر هذا التوجه على عكس ما كان عليه الوضع في السابق؛ حيث كان معظم الناس يتذمرون من طباعة العملات لما كانت تسبب من تضخم في الأسعار على كافة المستويات.

جهود حكومية:

وفي يناير عام 2010 عزمت الحكومة الانتقالية في فترة الرئيس شيخ شريف شيخ أحمد على طباعة عملة صومالية جديدة  في السودان بتكلفة 17 مليون دولار، ووقعت اتفاقية مع جمهورية السودان لطباعة العملة الصومالية «شلن» بمطابع العملات في السودان، وقالت وزارة  المالية الصومالية في حينها إن العملة الجديدة الموجودة في السودان لها فئات مختلفة بخلاف العملة المتداولة حاليا المنحصرة في فئة الألف شلن بدون فكَّات.

 ولا يزال خبراء الاقتصاد يتساءلون عن سبب تفادِي دولة الصومال برئاسة حسن شيخ محمود عن إنجاح هذا المشروع، وعن مصير تلك العملة المستودَعة أو المجمدة في مقر شركة مطابع السودان للعملة في الخرطوم لمدَّة خمس سنوات مضت.

تحديات:

قال وزير المالية السابق حسين عبدي حلني في مناسبة تسليمه الوزارة للوزير الجديد في منتصف فبراير الماضي إنه لا زالت هناك عقبات أمام طرح العملة الجديدة في السوق مشيرا إلى وجود تهديدات من جهات – لم يسمِّها – رافضة لتداول العملة الجديدة.

 وعن سبب ذلك يقول ليبان أحمد شري المحلل السياسي الصومالي إن عدم مركزية الدولة الصومالية وعدم سيطرتها على كامل التراب الصومالي يعتبر أساس العقبات والتحديات أمام طرح عملة جديدة للتداول.

وقال شري لشبكة الشاهد: ” ليس لدى الحكومة الحالية القدرة على حسم الأمور المصيرية في البلاد، ومن ضمنها طباعة عملة وطنية جديدة تحظى بثقة الشعب الصومالي بأكمله”.

وقال المحلل الاقتصادي أحمد نور فارح لشبكة الشاهد: ” هناك تحديات تتمثل في هيكلة  العملية الاقتصادية وبناء مؤسسات مالية تشرف بكفاءة على الاقتصاد الوطني في ظل حكومة وحدة وطنية تتسم بالنزاهة والاستقرار، وهذا غير موجود الآن”.

وأضاف قائلا : “إن البنك المركزي الصومالي هو الجهة المخولة لإصدار وطباعة الأوراق النقدية والرقابة على الائتمان المالي لكونه مصرف المصارف ومصرف الحكومة، وإذا أصبح البنك المركزي الصومالي نشطا وفعَّالا فحينئذ يسهل معرفة مَن له الحق في إصدار النقود، وما هي النظم المتبعة للتوفيق بين خلق ثقة المجتمع الصومالي في النقود الجديدة، والمرونة في عملية الإصدار لتغطّي كافة أرجاء الوطن الصومالي الكبير”.

 وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن الحاجة إلى طباعة عملة جديدة للصومال باتت ملحة أكثر من أي وقت آخر مضى، وإذا استمر تجاهل الاستجابة لهذه الحاجة فهذا يعني اختفاء العملة الصومالية وحلول الدولار الأمريكي محلها كخيار لا مفر منه في واقع الحال، كما أن ذلك يعد دليلا واضحا لنقصان السيادة للبلاد؛ لأن العملة من الرموز المعبرة عن الهوية الوطنية، أما إذا حظيت هذه المسألة بالعناية اللازمة فتكون النتيجة توفُّر عملة نظيفة متعددة الفئات تساهم في رفع معنويات المواطنين، ولاسيما إذا توافرت في نفس الوقت الآليات اللازمة لحماية استقرارها وعدم تعرضها لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى فقدان الثقة في العملة الوطنية كالتزوير وغيره، وبشكل عام فإن عملية إحياء العملة المحلية الصومالية مشروع يُستحسن أن تتبناه واحدة من الدول الداعمة للصومال.

تعليق واحد

  1. عبد الرحمن عيسى

    تبني الحكومة الفدرالية طرح عملة صومالية جديدة ستحل محل العملة الحالية البالية والتي تتكون من فئة الألف شلن فقط مبادرة ممتازة وأشكر شبكة الشاهد لإثارتها هذا الموضوع الوطني والحيوي كما عودتنا الشبكة حيث يواجه المواطنون صعوبات كبيرة في التعامل مع العملة القديمة، حيث أن الدولار الواحد يعادل ما يقارب 23 ألف شلن وهذا ما يعني إذا صرفت مأئة دولار فلن تكون قادرا على حملها إلا بشق الأنفس، ولحل هذه المشكلة يتحتم طبع عملة جديدة كما ورد في التقرير، ويجب أن تختلف العملة الجديدة عن القديمة المتداولة حاليا في الأسواق من حيث تعدد خياراتها ولهذا ينبغي أن تتكون من ست فئات بدءا بفئة الألف شلن وألفين شلن وخمسة آلاف وعشرة آلاف وعشرون ألف وانتهاء بخمسين ألف شلن لأن ذلك سيساهم في دعم العملة الصومالية أمام الدولار وسيؤدي إلى ضبط أسعار الصرف التي باتت هم المواطنين في الأيام الأخيرة.

%d مدونون معجبون بهذه: