من أسباب عودة أعمال العنف إلى مقديشو

كانت العاصمة الصومالية مقديشو منذ فترة طويلة مسرحا للاغتيالات السياسية التي كانت تنفذها جهات متعددة الأغراض والمصالح تحت شعار “عدوُّ عدوّي صديقي” وذلك في تنسيق أمني احتار فيه الخبراء الأمنيون بسبب تباعد أفكار المتعاونين في الأعمال التخريبية؛ وبالتالي يقتضي الأمر أن تكون المؤسسات الحكومية ولاسيما الأمنية في مأمن من الاختراق والتعاون مع أي جَيْبٍ ممتلئ بحفنة من الدولارات على حساب المصالح العليا للأمة الصومالية التي تحلم دائما بحياة سعيدة وآمنة وبعيدة كل البعد عن أعمال العنف المدعومة من جهات متعددة.

 ومنذ منتصف نوفمبر الماضي، عاد الهدوء نسبيا إلى العاصمة مقديشو إثر نجاح هيئة الأمن الوطني والمخابرات في تفكيك أخطر خلية لحركة الشباب ، حيث ظن معظم المراقبين أن تلك الخلية هي التي كانت تقف وراء تدهور الأمن في العاصمة؛ استنادا إلى ما ورد في فيلم وثائقي بثه التليفزيون الحكومي حول خطط واعترافات منفذي عمليات الاغتيالات الأخيرة بحق عدد كبير من النواب والمسؤولين وضباط الأمن والصحفيين طوال عام 2014م.

وقد زادت ثقة الشعب الصومالي في قوات أمنهم بعد أن نجحت الحكومة الصومالية في استضافة مؤتمر لوزراء خارجية دول الإيغاد لأوَّل مرة في العاشر من شهر يناير المنصرم، واستبشر الناس أيضا بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردغان إلى مقديشو، والتي كانت بعد ذلك المؤتمر بأيام قليلة، ولكن للأسف عادت عمليَّات الاغتيالات المنظَّمة والانفجارات الكبيرة مرة أخرى في شهر فبراير الجاري بشكل أثار تساؤلات كثيرة لكونها تمت في أكثر المناطق أمنا في مقديشو.

 ومن أبرز مظاهر عودة الاغتيالات في مقديشو اغتيال النائب البرلماني عبد الله قَياد بري جراء إطلاق نار كثيف على سيارته من على متن سيارة اعترضت طريقه في التاسع من الشهر الجاري، وهو في طريقه إلى مقر البرلمان، وبعد أيَّام فتحت مجموعة أخرى النار على سيارة تابعة لجمعية المنهل الخيرية فقتلت السَّائق و أصابت آخر بجروح خطيرة.

 وفي 16 من هذا الشهر أطلقت مجموعة مسلحة على سيارة بالقرب من تقاطع كيلومتر4 فقتلت محمد كَدِيه جمعالِـي نائب مدير المطار الدولي في مقديشو ، وأبو بكر محمد محمود (عداني) نائب مدير دائرة الأرصاد الجوية، واثنين من الموظفين في المطار.

وبعد ذلك بيوم واحد حاول مسلحون يستقلون سيارةً اغتيال ضابط أمن؛ فردَّت قوات الأمن بإطلاق النار عليهم مما أدى إلى أن يتم القبض على ثلاثة من المهاجمين من بينهم جريح، وذكر متحدث باسم وزارة الأمن أن المقبوض عليهم هم نفس المجموعة التي استهدفت نائب مدير المطار قبل يوم واحد بالقرب من ميدان كيلو متر أربعة.

 وفي ظهيرة يوم الجمعة الماضي انفجرت سيارة مفخَّخة داخل فندق سنترال بالقرب من مسجد كان يصلي فيه مسؤولون حكوميون صلاة الجمعة ثم أعقبها تفجير ثان نتج عن انتحارية فجرت نفسها وسط الجمهور الخارجين من المسجد، وكانت حادثة كبيرة أفزعت أهالي مقديشو، وأدت إلى مقتل أكثر من عشرة أشخاص من بينهم نائبان في البرلمان ونائب محافظ مقديشو وغيرهم، بالإضافة إلى إصابة عدد من السياسيين البارزين ووزراء في الحكومة الجديدة بجروح متباينة، ونقل بعضهم إلى خارج البلاد لتلقي العلاج.

وبعد تلك الحادثة المروعة اعتقلت الأجهزة الأمنية 25 من موظّفي وحراس الفندق للاشتباه بهم في توفير تسهيلات للقائمين بالعملية، وتؤكد التقارير الإخبارية أن المواد المتفجرة تم إدخالها إلى الفندق بالتعاون مع موظفي الفندق، وأن أحد نزلاء الفندق ساهم في مراقبة تحركات المسؤولين والتخطيط للهجوم، وهو صومالي يحمل الجنسية الهولندية، وكان يسكن في الفندق لمدة ستة أشهر ، وقد تمكن من الهروب قبل العملية الانتحارية بوقت قليل حسب تحقيقات الأجهزة الأمنية.

من أسباب عودة شبح الاغتيالات:

  • الصراع السياسي: يُعتقد على نطاق واسع أن الخلافات السياسية التي تكررت خلال الأشهر الماضية هي السبب الرئيسي لعَودة شبح الاغتيالات المنظمة في مقديشو، والتي راح ضحيتها مسؤولون حكوميون وشخصيات مدنية مشهورة، ويقول الكاتب الصحفي محمد عبدي لشبكة الشاهد: ” إن التجاذبات السياسية بين مسئولي الحكومة أدَّت إلى حدوث تراخٍ في عمل الحكومة والهيئات الأمنية، ومن غير المستبعد وجود اختراق أمني في الأجهزة الحكومية نظرا لضعف الرقابة والظروف الاقتصادية الحرجة التي يعاني منها عناصر الشرطة والأمن؛ حيث ترى بعضهم في الحواجز الأمنية يسألون أصحاب السيارات دولارًا أو دولارين بدلا من تَفتيشهم مما يُضعف هيبتهم، ويسهِّل تنقُّل المطلوبين أمنيا بكل حرية “.
  • ضعف الرقابة الأمنية : بحسب تحليلات المختصين بالشؤون الأمنية فإن ضعف الرقابة يأتي بسبب التغيير المستمر لمسؤولي المكاتب الأمنية في فترات متقاربة؛ بالإضافة إلى ما يشاع أحيانا من أن محافظ مقديشو سيتم استبداله بآخر بسبب خلاف بينه وبين بعض مسؤولي الدولة؛ وكل ذلك يؤدي – لا محالة – إلى خلق حالة من الإحباط واللامبالاة وهشاشة مستوى رقابة منافذ العاصمة ونقاط التفتيش الرئيسية في البلاد.
  • إثبات الوجود : تحاول حركة الشباب – كقوة عسكرية معارضة للحكومة الصومالية وحلفائها – تنفيذ عمليات نوعية كبيرة في العاصمة الصومالية مقديشو لإثبات وجودها عسكريا وإعلاميا؛ وخاصة بعد مقتل زعيمها أحمد غودني واغتيال عدد من قياداتها الأمنية، واستسلام عناصر وقيادات أخرى إلى الحكومة الصومالية؛ وعن ذلك حدثنا المحلل السياسي عبد النور إبراهيم قائلا :” إن الحركة تهدف – بعد الضربات التي تلقتها مؤخرا – إلى إظهار تماسك جهازها العسكري والإداري، وذلك من خلال استهداف أماكن شديدة الحراسة بهدف إرباك الوضع الأمني في العاصمة مقديشو التي تُنفق على تأمينها الملايين من الدولارات التي تشكك منظمات دولية في أوجه صرفها ومدى استفادتها بنزاهة وشفافية تامة”.
  • توقف الحملات العسكرية وتخفيف العبء عن حركة الشباب : من المعروف أن حركة الشباب لا تزال تسيطر على إقليم كامل ومهم بموارده المالية والبشرية، وهو إقليم جوبا الوسطى، كما لا تزال تحكم أجزاء من محافظتَي باي وشبيلي السفلى، ويذكر أنها نشطت مؤخرا في مجال الاغتيالات وأعمال العنف المختلفة بعد أن توقفت جزئيا عملية المحيط الهندي لعدم توفر الدعم اللوجستيكي مما أتاح للحركة التخطيط لهجمات نوعية داخل مقديشو.

وأخيرا؛ مع استمرار الجهود الحكومية الرامية إلى وضع حد للاغتيالات والتفجيرات المنظمة وملاحقة منفذيها .. يشكك الناس في تبني حركة الشباب لبعض العمليات الإرهابية التي تحمل بصماتها دون أن تكون هناك جهات خفية ساعدتها عمليا أو قامت بالنيابة عنها؛ وبالتالي فإن الحد من أعمال العنف وضمان عدم عودتها إلى مقديشو والمدن الأخرى في الصومال يقتضي سد قنوات التواصل بين المتعاونين على التخريب وسفك دماء الأبرياء في مختلف مناطق الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: