ماذا يعني استسلام رئيس استخبارات حركة الشباب للحكومة الصومالية؟

في 27 ديسمبر الماضي استسلم زكريا إسماعيل حرسي أحد كبار قادة حركة الشباب الأمنيّين للسلطات الصومالية في محافظة غدو جنوب غرب الصومال، وبالرغم من تقليل حركة الشباب من أهمية عملية الاستسلام، باعتباره غادر الحركة منذ أكثر من عام بحسب تصريحات مسؤولي الحركة لوكالات الأنباء العالمية، إلا أن زكريا إسماعيل كان منذ فترة طويلة قائدا كبيرا في الاستخبارات والأمنيات لدى حركة الشباب، ممن رُصدت ثلاثة ملايين دولار للقبض عليهم ضمن قائمة المطلوبين أمريكيا.

وبعد شهر من استسلامه إلى الحكومة الصومالية عقد حرسي مؤتمرا صحفيا في 27 يناير اتَّهم فيه قيادة حركة الشباب بتضليل الناس وسرقة أهداف الحركة وتشويه سمعتها بين الجماهير، وقال إسماعيل حرسي في المؤتمر: ” أعلن اليوم عن استقالتي عن حركة الشباب رافضًا العنف وظلم الشعب وتشويه أفكار المجاهدين، وسأسعى إلى تحقيق أهدافي بالوسائل السلمية ومن خلال المصالحة والتفاهم، وأدعو بقية زملائي إلى التصالح مع الحكومة لإيجاد حل سلمي”.

انشقاقات:

ظهر التباين الفكري بين أعضاء وقيادات من حركة الشباب الصومالية حول قضايا عدَّة؛ من بينها استهداف المدنيين، والمرجعية، وصوملة الجهاد، والصلاحيات الواسعة لأمير الحركة، وقد اشتد الخلاف الداخلي بين حركة الشباب في منتصف عام 2013م حيث ظهرت إلى العلن خلافات داخلية عميقة، وأدى ذلك إلى سعْي الأمير السابق للحركة أحمد غوذني إلى تصفية قيادات كبيرة في الحركة مثل إبراهيم الأفغاني ومعلم برهان وأبي منصور الأمريكي، في حين أصبح الشيخ حسن طاهر أويس، ومختار روبو أحمد أبو منصور الصومالي، وزكريا إسماعيل حرسي وغيرهم مطاردين ومطلوبين لدى القيادة بحجة أنهم أحدثوا ما قيل إنه فتنة وبلبلة داخل الحركة.

ويذكر أن الناطق السابق باسم الحركة الشيخ مختار رُوبَو علي أبو منصور قد احتمى بمسلّحين من أقربائه من أعضاء الحركة تحت رعاية عشيرته في محافظة بكول جنوب غرب الصومال؛ وذلك بعِلمٍ من الإدارة المحلية والحكومة الصومالية بحسب مصادر مطَّلعة تفيد أيضا أنه تخلى عن الأنشطة الجهادية وأسَّس حلقة علمية في إحدى القرى النائية بناء على نتائج مفاوضاتٍ سريَّة بينه وبين مسئولين حكوميين وشيوخ القبائل في المنطقة.

أما الشيخ حسن طاهر أويس فقد انتهى أمره إلى السجن المنزلي داخل مجمَّع القصر الرئاسي في مقديشو تحت حراسة الأمن والمخابرات الصومالية بعد أن استسلم لعشيرته أواخر يونيو 2013م .

أهمية زكريا:

يختلف زكريا إسماعيل عن غيره من القادة المطاردين من قبل حركة الشباب المجاهدين بأنه أعلن صراحة تراجعه عن فكره وانتمائه الحركي، وأنه سيعمل في المصالحة والطرق السلمية لتحقيق أهدافه، وذلك على نحو مشابه لموقف الشيخ محمد سعيد أتم الذي استسلم هو الآخر منتصف العام الماضي للسلطات الصومالية معلنا تنازله عن فكره التخريبي حسب تعبيره وقيادته لجناح الحركة في شمال شرق الصومال، وبالفعل هي خطوة مغايرة لمواقف كل من الشيخ حسن طاهر أويس، والشيخ مختار روبو علي أبي منصور اللذين لم يصدرا حتى هذه اللحظة عن أية مراجعات فكرية، ولعل ذلك مما أدى إلى تجميد ملفيهما من قبل الجهات المعنية.

وتكمن أهمية زكريا في كونه قياديا كبيرا وخبيرا أمنيا تدرَّج في تولِّي مناصب كبيرة في الحركة؛ من بينها المكتب السياسي ومكتب الأمنيَّات والاستخبارات، وبالتالي فإن انشقاقه يمثل ضربة كبيرة لحركة الشباب التي تسعي إلى إثبات وجودها رغم كونها في حالة تدنٍّ وسقوط بفعل الضربات الجوية واستسلام بعض عناصرها للقوات الصومالية وحلفائها منذ بدء الحملات الحكومية الأخيرة التي أدت بشكل ملحوظ إلى إضعاف قوة الحركة العسكرية والاقتصادية حسب اعتقاد طائفة كبيرة من المحللين المهتمين بشؤون الحركات الجهادية في الصومال.

وقد صرَّح مصدر مطَّلع للشاهد أن زكريا إسماعيل حرسي كان الساعد الأيمن لأمير الحركة الراحل أحمد غوذني، وعنده ملفات سرية خطيرة للغاية، وقد سعت قيادة الحركة إلى تصفيته جسديا، وكانت عملية استسلامه تهدف إلى إنقاذ نفسه بالدرجة الأولى.

صندوق أسود:

يرى الباحث الصومالي مهدي حاشي ” أن زكريا بحسب ما وُصِف به في وقتٍ من الأوقات كان يمثل الصندوق الأسود للحركة، وسبق أن تمَّ تداول أخبار رغبته في الانشقاق والاستسلام قبل عامين تقريبا في عهد حكومة عبدي فارح شردون، لكنه – للأسف – لم يرحَّب من قبل الحكومة الصومالية، وعليه فإن استسلامه في هذا التوقيت قد يجعله يبدو كرجل انعدمت الخيارات الأخرى عنده”.

ورقة رابحة :

وفي سياق متصل يرى المحلل الصومالي عبد النور إبراهيم أن انشقاق حرسي يمثل ضربة موجعة للحركة؛ لأن لديه معلومات مهمة جدا، ويستطيع لعب دور مَّا في إضعاف الحركة وتفكيكها، وعلى هذا الأساس يمثّل زكريا إسماعيل ورقة رابحة بيد الحكومة الصومالية؛ لأن في جعبته الكثير من المعلومات الهامة للدولة الصومالية وحلفائها، مما يجعله مؤهلا للعب دور محوري في التعقُّب على قيادات الحركة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الحكومية، كما يمكن أن يلعب دورا مهما في استمالة أو فتح حوار مع بعض أعضاء الحركة لاسيما القيادات الوسطى بهدف إقناعهم بضرورة الالتحاق به في هذه المرحلة حفاظا على أمنهم وتداركا لأخطائهم السابقة بحق الشعب الصومالي “.

واقع جديد:

إن حركة الشباب تعيش في أضعف مراحلها بعد مقتل زعيمها أحمد غودني في العام الماضي؛ فكان خليفته أضعف بكثير من مستوى سلفه؛ حيث لم يستطع لملمة الملفات التنظيمية والمالية تماما كما توقع المحللون الذين يرون أنه وريث مكتب خاو مصمم للانغلاق الأوتوماتيكي بعد خروج صاحبه منه، وهو ما أدى إلى انحصار جهود الحركة في عمليات الكر والفر التي تبدو عشوائية في مجملها؛ وخير دليل على ذلك كيف أن الحركة باتت هدفا سهلا للهجمات الجوية والأرضية؛ ولاسيما مع تزايد التعاون الشعبي مع الأجهزة الأمنية الصومالية في الآونة الأخيرة.

وفي المناطق القليلة التي لا زالت تحت سيطرة الحركة -مثل مدينة جمامي على بعد 60 كلم من شمال مدينة كيسمايو- فالناس فيها تحت مراقبة شديدة فلا أحد يجرؤ على دخولها بدون إذن أو ضمان من أحد السكان المعروفين في المنطقة، وإن أكبر معاناة يواجهها الأهالي في مناطقهم عمليات تفتيش واسعة التي تحدث عند استهداف أحد قادة الحركة بغارة جوية؛ حيث تتم عملية غربلة كلية لمحيط مكان الحادث، وهي العمليات التي تسفر في الغالب عن اعتقال أبرياء يتم ذبح بعضهم أمام الملأ بحجة أنهم عملاء للعدوّ، وتشهد تلك المناطق أيضا مظاهر جديدة لم تكن معروفة في السابق مثل تجول الأجانب من الحركة في الطرقات بشكل علني.

أما قضية استسلام زكريا حرسي رئيس المخابرات السابق لحركة الشباب، فإنه يمكن للحكومة أن توظّف الحدث في إطار الحرب النفسية إذا تصرفت كما لو أنها قبضت على كادر حركي استسلم وهو يمارس علمه في مكاتب العدو، لا أن تعامل المسألة وكأن الرجل استسلم مُكرها ومطاردًا رأى بأمّ عَينيه ما حلَّ برفقاء دربه، لأنه وإن كان قد تم فصله عن الحركة قبل فترة إلا أنه لا يزال يحتفظ بعلاقات مع بعض رؤسائه ومرؤوسيه، وبالتالي فإن الأمر بحاجة إلى أسلوب غاية في الدقة والحذر فيما يخدم المصلحة العامة؛ ولا يسدّ الطريق أمام الراغبين في الانضمام إلى مسيرة السلام في الصومال .

%d مدونون معجبون بهذه: