انقسام البرلمان الصومالي إلى كتلتين..تطوُّر إيجابي أم طريق نحو الفوضى!

بعد أن تم اختيار البرلمان الصومالي الحالي من زعماء العشائر في أغسطس 2012 برئاسة البروفيسور محمد شيخ عثمان جواري ازداد نفوذ البرلمان في الساحة السياسية الصومالية، وأصبح يشكل الملجأ الوحيد في حلّ الخلافات والأزمات المستعصية في البلد والقضايا المصيرية، باعتباره من المؤسسات الدستورية التي يعوَّل عليها، وتمكَّن البرلمان من الإطاحة بحكومتين خلال فترة رئاسة الرئيس الصومالي الحالي حسن شيخ محمود، كما رفض حكومة شكَّلها رئيس الحكومة الحالية عمر عبد الرشيد شرمأركي قبل أيَّــام.

وقد انقسم البرلمان الصومالي مؤخرا إلى كتلتين؛ وهما كتلة كانت موالية لرئيس الجمهورية باسْمِ كتلة تصحيح مسار الوطن، وكتلة موالية لرئيس الحكومة المقالة باسْمِ كتلة الإنقاذ الوطني، وبرز ذلك إلى العلن بعد ظهور الخلاف السياسي بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وبين رئيس الحكومة السابقة عبد الولي شيخ أحمد ، وخاصة بعد نجاح الكتلة الأولى في إسقاط حكومة عبد الولي شيخ أحمد بأغلبية مريحة في السادس من شهر ديسمبر 2014 ، وعلى عكس ما كان متوقعا لم ينته وجود هاتين الكتلتين بعزل رئيس الوزراء السابق، بل كان التحالف والاستقطاب السياسي مستمرا حتى الآن، ومن الجدير بالذكر أن كتلة تصحيح مسار الوطن تشكلت من بعض النواب المحسوبين على الرئيس بعد أن فقدوا مناصب وُعدوا بها؛ ونتيجة لذلك تحالفوا مرحليا مع مجموعات أخرى معارضة من أجل التصدي لتشكيل أي حكومة حتى يتم الاستماع لمطالبهم !

وفي آخر يوم من شهر يناير المنصرم طلب رئيس الوزراء الجديد عمر عبد الرشيد من النواب تأجيل عملية التصويت للمصادقة على الحكومة الجديدة التي شكلها من 20 وزيرا بالإضافة إلى منحه مهلة عشرة أيام لاستكمال تشكيلتها من خلال تعيين نواب الوزراء ووزراء الدولة، وبعد ضجَّة كبيرة هيمنت على قاعة البرلمان وافق البرلمان على طلب رئيس الوزراء، حيث صوت 139 نائبا لصالح الاستجابة لطلب رئيس الوزراء، كما رفض 47 نائبا الطلب المقدم من رئيس الوزراء الجديد.

ويتساءل كثيرون حول الدور السلبي المتنامي للبرلمان الصومالي الذي أصبح – في نظر البعض – حجر عثرة أمام تشكيل الحكومة، وفي المقابل هناك من يعتقد أن النوَّاب الصوماليين يتجاوزون مرحلة الصراع والتعصب والائتلافات القبلية إلى مرحلة الكتل والقوائم لتعزيز الحياة لسياسية والنهوض بها على أسس حزبية غير قبلية.

ويرى الكاتب الصحفي عبد الرحمن عبدي إبراهيم أن الحراك السياسي الذي يشهده البرلمان مظهر من مظاهر التحوُّل الديمقراطي في الصومال ويعكس «النضج السياسي» لدى النوَّاب الصوماليين. وقال عبد الرحمن عبدي متحدثا لشبكة الشاهد: ” إن الكتل السياسية التي تتشكل هذه الأيام نتيجة للخلافات القائمة بين البرلمان ومكتب الرئاسة أمر إيجابي ولا يبعث على القلق إطلاقا، بل إنها تمثِّل نقلة نوعية من التعصُّب القبــلي إلى المعارضة السياسية المبنية على أسس ومبادئ سياسية، لكن في المقابل لا ينبغي التمادي في التفاؤل؛ لأن العملية السياسية في الصومال بشكل عام لا تزال هشَّة وقابلة للانهيار في أيَّة لحظة”.

وفي مقابل هذا التوجه يرى الكاتب الصحفي محمد عبد الله غوسار” أن المشكلة تكمن في ظهور الكتل البرلمانية بشكل أسرع وسابق لأوانه؛ وذلك بسبب غياب الوعي السياسي الناضج، فالكتلة وعاء يحتوي بداخله مجموعة من السياسيين الذين يحملون رؤية سياسية واضحة المعالم يؤيّدون ويعارضون وفق أسس ومعايير تراعي جملة من المصالح المنطقية، على عكس هذه الكتل التي تعتبر بمثابة “علبة جميلة لكنها فارغة المضمون، وحتى يتطوَّر نواب البرلمان من المطالبات الطفولية وابتزاز السلطة التنفيذية من أجل مصالح آنية لا يمكن وصْفُ هذه الكتل بالتطوُّر المحمود”.

 ومن المحللين من يشكّك في نوايا النوَّاب معتقدين أن انقسام البرلمان إلى كتلتين يُدخل البلاد في دوامة سياسية بسبب غياب أهداف جامعة تمثل مشروعا وطنيا يحظى بمساندة شعبية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر عقدها في الصومال نهاية عام 2016، وفي هذا السياق أكد المحلل السياسي عبد النور يوسف متحدثا لشبكة الشاهد: ” أن الحراك السياسي يأتي في سياق عملية التدافع السياسي – وهي مطلوبة ومرحب بها – غير أن اللاعبين الأساسيين لم يُحسنوا إدارة اللعبة، وبالتالي فإن تجربة البرلمان الحالي غير بريئة؛ لأن ضررها أكثر من نفعها بالنسبة للوطن والمواطن طالما أن تحقيق أغراض شخصية هي التي تهيمن على عقلية أغلب أعضاء البرلمان”.

 وأخيرا ؛ بما أن الكتلة النيابية – كما هو معروف – عبارة عن تجمع لعدد من النواب المتوافقين على مجموعة من المبادئ في جو من الثقة المتبادلة والفهم المشترك؛ فهل يصح إطلاق اسم الكتلة على المجموعتين المتعارضتين في البرلمان الصومالي، وهل فعلا توجد مبادئ مكتوبة توافقوا عليه، وإن وجدت، إلى مدى تكون متجردة من سوء القصد أو الإضرار بالمصلحة العامة لتحقيق مصلحة خاصة على حساب منافسين آخرين، وبعبارة أخرى هل يمكن القول إن ما يجرى داخل البرلمان الصومالي من تجاذبات سياسية جاء كنتيجة طبيعية لتضارب المصالح بين دول ذات مصالح خاصة في الصومال؛ أم أن ما تشهده الساحة ظاهرة صحية تدل على التعافي من التحالفات القبلية والمناطقية والجهوية تنفيذا لبنود اليمين الدستورية التي أقسم عليها كل نائب برلماني قبل توليه المسؤولية بشأن العمل بحيادية وتجرد تام للمصلحة الوطنية ولاسيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد ؟

وبناء على ذلكم كله واستنادا إلى الواقع المعاش فإن الوضع السياسي في الصومال سيزداد تأزما طالما يوجد رؤساء كتل برلمانية يأتمرون بأوامر سفراء دول ومبعوثين دوليين يراهنون على إثبات أن لا حل في الصومال إلا بتدخل دولي وبمساندة دول الجوار وحلفائها، وبالتالي فلا بد من التفكير في إيجاد خطة عمل مشتركة تنبني على مزيد من التنازلات وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية؛ وتراعي في نفس الوقت كل ما يحتاج إليه الصوماليون في هذه المرحلة لتحقيق حلمهم في الوصول إلى انتخابات عام ٢٠١٦ وهم أكثر توافقا وتضامنا؛ بعيدا عن لغة الندية والكراهية والتخوين التي استحدثتها الكتل البرلمانية في الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: