آراء وأفكار حول زيارة أردوغان الثانية لمقديشو

حلَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضيفا عزيزا على العاصمة الصومالية مقديشو يوم الأحد الماضي 25 يناير 2015 في زيارة رسمية استغرقت خمس ساعات على رأس وفد كبير كان يضم زهاء 150 شخصا من الوزراء ورجال الأعمال؛ وذلك وسط احتفاء جماهيري منقطع النظير تعبيرا عن امتنان شديد للدور التركي البارز في حل الأزمة الإنسانية إبان الجفاف الذي ضرب الصومال عام 2011 وتقديرا لاستمرار المشاريع التنموية التركية بشكل نال رضا الشعب الصومالي، بالإضافة إلى ما تم خلال هذه الزيارة نفسها من توقيع اتفاقيات ثلاثة مهمة في المجالات الأمنية والثقافية والاقتصادية.

هدف الزيارة

تختلف زيارة أردوغان – هذه – الأخيرة عن سابقتها – عندما كان رئيسا للوزراء – في ظروفها وطبيعتها؛ لأنها تأتي في وقت قطع الصومال شوطا كبيرا نحو التقدم في الملف الأمني وحركة التجارة والعمران بدعم من دول كثيرة تتقدمها تركيا، ففي حين شهدت الزيارة السابقة عام 2011 زيارة مخيمات للنازحين فقد شهدت هذه الزيارة افتتاح مشاريع نفذها الأتراك في العاصمة مقديشو، وأبرزها صالة جديدة لمطار مقديشو الدولي وكذلك مشفى أردوغان الحديث المجهز بأحدث المعدات الطبية.

وحسب صحيفة زمان عربي فإن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الصومال تأتي ضمن جولة إفريقية تهدف إلى ضخ استثمارات جديدة في السوق الأفريقية وتقييم انفتاح أنقرة على القارة وتعد الصومال في صميم هذه الأهداف.

يذكر أن السفارة التركية في الصومال تلعب دورا مهما في تقوية العلاقات الصومالية التركية؛ رغم وجود تساؤلات تثار حول الدافع الرئيسي لاهتمام تركيا للصومال وتمسكها بخيوط مهمة في الشأن الصومالي منها ملف المفاوضات بين الحكومة الفيدرالية وإدارة صوماليلاند التي تسيطر على الجزء الشمالي من الصومال المنفصل عن الجزء الجنوبي منذ عام 1991.

دعم واستثمارات

إلى جانب أدوارها السياسية تلعب تركيا دوراً مهما في المجال الأمني، إذ توفر دعماً لوجستياً للحكومة الصومالية من خلال توفير تدريبات للقوات المسلحة وقوات الشرطة الصومالية في تركيا، كما أنها تحاول إعادة هيكلة القوات الجوية الصومالية، حيث تقوم بتدريب عدد من الشباب الصومالي في مجال الطيران الجوي لقيادة القوات الجوية الصومالية، هذا بالطبع إلى جانب دعمها المالي المستمر لسد عجز ميزانية الدولة بمبلغ 4.5 مليون دولار بحسب مصادر رسمية.

يقوم الأتراك باستثمار قطاع التعليم والصحة في الصومال؛ حيث تنتشر في البلاد مدارس ومشافي تركية أبرزها مشفى دِيـكْـِفيرْ الذي افتتحه الرئيس التركي وتم إطلاق اسم أردوغان عليه، والذي ستشرف عليه الحكومة التركية في السنوات الخمس القادمة ليؤول بعدها للحكومة الصومالية، ويعتقد أن كل هذه الخطوات من جانب الأتراك تأتي ضمن إستراتيجية تركية تشمل القارة الإفريقية في خضم سباق محموم حول أفريقيا بين المارد الصيني والولايات المتحدة، ويبدو أن تركيا بدورها تريد حصتها في أفريقيا كقوة عظمى صاعدة، وبذلك يكون الصومال أحد مداخلها إلى عالم إفريقيا الذي كانت تتواجد فيه تركيا بقوة قبل دخولها للصومال.

وعلى المستوى الثقافي يوجد مقديشو وحدها أكثر من ثلاث مدارس تركية مجهزة بأحدث الوسائل التعليمية، ولكن يعاب عليها أن دارسيها من الطبقات الثرية حتى أن بعضهم قدموا من دول غربية ليسجلوا أولادهم في المدارس التركية التي تقدم خدمات تعليمية متميزة. وفي هرجيسا عاصمة صوماليلاند توجد مدرسة الوفاق الثانوية التركية التي تحتل المركز الأول من بين 120 مدرسة خاصة في تلك المنطقة، وتجدر الإشارة إلى أن تركيا تقدم سنويا منحا دراسية لعشرات الطلاب الصوماليين الذين يدرسون مدارس وجامعات تركيا في مختلف المستويات، وهو ما أدى إلى أن يصل عدد الطلاب الصوماليين في تركيا إلى مئات  الطلاب من كلا الجنسين في وقت قياسي أقل من خمس سنوات.

وعود جديدة

ومما لفت انتباه الصوماليين أكثر أثناء زيارة الزعيم التركي لمقديشو ما صرح به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تصريحات طالب فيها المجتمع الدولي بضرورة المشاركة في إعادة إعمار الصومال، وفي ذلك إشارة إلى أن الأتراك لا يريدون الاستحواذ أو الانفراد بمشروع إعادة إعمار الصومال، والأمر الآخر الذي فرح به الكثيرون هو قوله بأنه سيعمل على إنشاء عشرة آلاف وحدة سكنية في غضون عامين، ولعل ذلك بداية للاستثمار العقاري التركي في الصومال، وهو مجال متاح ومربح في هذا البلد، ولا سيما مع توفر الكثير من مواد البناء الأولية بأرخص الأثمان.

آراء وأفكار

يرى بعض المحللين السياسيين أن الحضور التركي في الصومال يهدف إلى إظهار الزعامة التركية للعالم الإسلامي كقوة عظمى عسكرية واقتصادية تقود الأمة الإسلامية ، كما أن اهتمامها للصومال ليس إنسانيا فحسب بل إنها تدرك أهمية الصومال الجيواستراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين القارات وباعتبارها ممرا مهما للطاقة في العالم إضافة إلى الثروات الكثيرة التي يمتلكها الصومال في ظاهر الأرض وباطنها ، وبالتالي يقال إن الصومال يدخل ضمن سياسة عامة تنتهجها تركيا للتاثير على المنطقة العربية.

يرى البعض أن ما يؤخذ على الدور التركي هو سعيهم للاستئثار بكل المشاريع الحيوية في الصومال مما يثير حساسية دول كثيرة منها دول عربية وغربية لها إسهام في القضية الصومالية تاريخيا أكثر من الأتراك الذين دخلوا الساحة الصومالية بقوة واكتسبوا احترام الشعب بصدق نواياهم ومشاريعهم التنموية المختلفة؛ وبالتالي يرون على أن صانعي القرار السياسي الصومالي انتهاج سياسة حكيمة تنبني على التعاون والانفتاح على جميع الدول مع إبقاء العلاقة الصومالية التركية متميزة أكثر ؛ ولكن مع ذلك ينبغي إرسال رسالة مفادها أن الصومال يتسع ويحتاج للجميع في آن واحد.

وكان من بين الأفكار الإيجابية التي دعا إليها بعض قادة الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن أردوغان يمكن أن يبني للشعب الصومال المباني، ولكن لا يستطيع أن يبني لهم الإنسان المسؤول الذي يحافظ على ما يبنيه من مرافق حكومية ومدنية، وبالتالي ينبغي التركيز على بناء الإنسان الصومالي، ولا شك أن تلك ملاحظة في محلها، وفيها دعوة إلى أن يكون الدعم ماديا ومعنويا وفي صالح التنمية الشاملة.

ومن جهة ثانية يرى خبراء التنمية أن يتم استحداث مشاريع يشارك فيها الشعب الصومالي، وبل ويتسابق فيها الشعب الصومالي مع الشعب التركي الداعم للمشاريع التركية المنفذَة في الصومال؛ على اعتبار أن ذلك تقديرا للصوماليين الذين يحبون الفخر، وربما بسبب ذلك يحرصون أكثر على محافظة المشاريع التنموية على المدى البعيد ويعتبرونها ملكا لهم، علما أنه يمكن الحصول على أكثر من مليون صومالي يستطيعون دفع مائة دولار في الشهر أو على الأقل مرة في كل شهرين لدعم مشاريع إعادة الإعمار في الصومال حسب إحصائيات غير رسمية.

وعلى العموم فإن زيارة أردوغان اعتُبرت ناجحة إلى حد كبير باعتبارها واحدة من المواقف القليلة المجمَع عليها في الصومال؛ لما لاقت به من استحسان وترحيب كبيرين من قبل جميع فئات المجتمع الصومالي في الداخل والخارج؛  وقد أدى ذلك إلى زيادة تفاؤل بعض الناس إلى أبعد الحدود آملين في أن تركيا ستضع ثقلها الكامل على الصومال في المرحلة القادمة لإنجاح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة في الصومال نهاية عام 2016.

%d مدونون معجبون بهذه: