لماذا ألغيت التشكيلة الوزراية قبل مثولها أمام البرلمان الصومالي ؟

في سابقة هي الأولى من نوعها تراجع رئيس الوزراء الصومالي الجديد عمر عبد الرشيد شرمأركي عن التشكيلة الوزارية المعلنة إعلاميا بعد أربعة أيام من تصاعد موجات الرفض الشعبي وتهديد النواب في البرلمان الصومالي بعدم منح الثقة لهذه التشكيلة.

يذكر أن رئيس الوزراء قد طلب من البرلمان أن تمثُل حكومته أمام البرلمان في 22 من هذا الشهر؛ ولكن النواب قرروا تقديم الموعد إلى 17 من الشهر نفسه، وبالتالي اضطر رئيس الوزراء إلى التراجع وإلغاء المجلس خوفا من أن يصوت البرلمان ضده؛ وهي خطوة جاءت استجابة للضغوط المتزايدة من المجتمع المدني والسياسيين والأعيان، وبعد ذلك الإجراء الاحترازي طلب رئيس الوزراء الصومالي من البرلمان أن يتم منحه مهلة 14 يوما يقوم خلالها بتشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان وتكون قادرة على نيل رضا قادة الرأي العام المحلي.

هناك عوامل عدة أدت إلى سحب قائمة الوزراء المعيَنين قبل مثولهم أمام البرلمان؛ ومن بينها عدم اندمال الجروح التي خلَّفها الخلاف العميق الذي أطاح بالحكومة السابقة والذي أدى إلى انقسام نواب البرلمان إلى كتلتين إحداهما معارضة وأخرى محافظة، والعامل الآخر هو سعي أعداد كبيرة من النواب لتولي حقيبة وزارية، مما أدى إلى انضمام بعض المحافظين إلى قافلة المعارضين ليس لتوافق بينهما في الأهداف ولكن لتحالف مؤقت بهدف إسقاط الحكومة المعيَّنة من قبل رئيس الوزراء الجديد، ورغم نجاحهم في هدفهم المرحلي إلا أنه من المستبعد استمرار تحالفهم على المدى البعيد في المرحلة اللاحقة.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه قبل إعلان رئيس الوزراء التشكيلة الوزارية التي أثارت هذه الضجة طالبت الكتلة المعارضة رئيس الحكومة بعدم ضم أربع شخصيات محسوبين على رئيس الجمهورية حسن شيخ محمود إلى تشكيلته الوزارية، وهم السادة فارح عبد القادر وعبد الكريم حسين غوليد وحسين حلني وعبد الله سنبلولشي، وقد اعتُبر ذلك قانونيا بأنه انتهاك صارخ للدستور الذي يضمن الحقوق السياسية لأي مواطن ما لم تصدر محكمة حكما يقضي عدم أهليته لتولي منصب حكومي، وبالفعل لم يستجب رئيس الوزراء لمطالب النواب ولا للنداءات الشعبية، وهذا ما مثل القشة التي قصمت ظهر البعير …كما يقولون.

يذهب بعض المحللين إلى أنه يجب في المرة القادمة مراعاة جملة من الاعتبارات، ومنها الانتباه إلى حالة الانقسام التي استجدت مؤخرا داخل البرلمان الصومالي. ومن بين الخيارات المتاحة أمام رئيس الوزراء أن يختار الوزراء من خارج البرلمان؛ لأن الدستور المؤقت يسمح له بتعيين الوزراء من خارج أو داخل البرلمان، وهذا الخيار سيمكِّن رئيس الوزراء من إرضاء جميع النواب بلا استثناء وسيسهل له تمرير الحكومة في البرلمان بكل سهولة ويسر. وفي هذه الحالة من غير المستبعد أن يتنازل كثيرون عن عضويتهم في البرلمان من أجل الحصول على حقيبة وزارية التى باتت في الآونة الأخيرة حلم أغلب نواب البرلمان الصومالي، وهي ظاهرة تستوجب الوقوف عنها طويلا.

واستنادا إلى أدلة واقعية يرى بعض المحللين أن المجتمع الدولي – ممثلا في أمريكا وأروبا وحلفائهما في المنطقة – هو الحاكم الفعلي في الصومال، و أن كل ما يجري من تحركات سياسية وخلافات وأزمات إنما هي مسرحية يديرها المجتمع الدولي من وراء الستار لفرض أجندته في نهاية المطاف؛ وبالتالي فإن الحكومة القادمة ستأتي وفق إرادة المجتمع الدولي حسب رأيهم.

وعلى العموم من المتوقع أن يتم إعلان تشكيلة وزارية جديدة قبل حلول 30 من شهر يناير الجاري، وتفيد آخر المعلومات الواردة من القصر الرئاسي وأروقة رئاسة الوزراء أن رئيس الوزراء اشترط على كل عضو يرغب في تولي منصب وزاري أن يحصل على تأييد أغلبية بسيطة ( 50 +1%) من النواب في البرلمان، وهذا ما سيسهل عليه اختيار الوزراء، ولكن المعضلة الكبرى ستبرز حين يفشل أكثر الأعضاء في الحصول على النسبة المطلوبة، وهو احتمال وارد ويجعلنا نتساءل عن المخرج المناسب أو المعيار الذي يمكن اتباعه عند حدوث ذلك ؟ ولعل هناك أجندات خفية تراهن على خلق مزيد من التعقيدات السياسية تؤدي في النهاية إلى استقالة رئيس الوزراء، ثم يأتي الدور على الرئيس الصومالي الذي سيضطر هو الآخر إلى الاستقالة أو يتم سحب الثقة عنه عبر البرلمان وفق خطة مدعومة من جهات أجنبية معروفة؛ من بينها دول عربية تسعى إلى إقصاء شخصيات بعينها عن مقاليد السلطة في الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: