تطورات حول أزمة إنشاء ولاية الأقاليم الوسطى في الصومال

في ظل سباق إقامة الكيانات الفيدرالية تبدو قضية ترسيم حدود الأقاليم وتبعية المديريات والمدن هي المسألة الأكثر تعقيدا وحساسية في الصومال. ويرى بعض المراقبين أن قضية الفيدرالية ستعمق الصراع الجاري، وتسهم بشكل كبير في تأجيج موجات جديدة من الصراع الأهلي بحيث يحاول كل طرف السيطرة على دفة القيادة وإضفاء نكهته على معطيات الفيدرالية الجديدة؛ مما يسفر عن أجواء مرتبكة يسودها التوتر والحذر وسوء الظن.

وبحسب رأي المحلل الصومالي المقيم بالولايات المتحدة محمود جيلدون أن الفيدرالية الحالية لم تكن خيارا حدث وفق التطور الطبيعي بقدر ما كان قرارا مرتجلا ناشئا عن غضب بسبب النزاع على الموارد المحدودة ” وأكد جيلدون –في حوار مع إذاعة صوت أمريكا 16/01/2015 أن المسألة في غاية التعقيد وأكبر مما نتصوره واصفا الفيدرالية بأنها قنبلة موقوتة قابلة للاشتعال في أي ظرف مما يجعل البلاد رهينة خلافات سياسية مزمنة. ويرى أن مما يزيد خطورتها غياب الضمانات الأساسية مثل النضج المعرفي للمواطن، وضعف استعداده لاحترام مرجعية الدستور، بالإضافة إلى عدم وجود قوة عسكرية قادرة على فرض النظام للحيلولة دون لجوء بعض المكونات إلى الفوضى والاعتداء.

 نموذج للأزمة

في الوقت الذي يستمر في عدادو Adado حاضرة إدارة حِيمِنْ وَ حِيبْ منذ شهر سبتمبر الماضي التحضير لمؤتمر تأسيس ولاية الأقاليم الوسطى التي تضم كل من محافظتي جلجدوذ و مودُغْ، أعلنت بونتلاند رفضها القاطع لضم القسم الشمالي من إقليم مودُغْ للولاية الجديدة.

 وتبرز مسألة محافظة مودُغْ Mudug وكأنها الاختبار الأصعب لمعرفة مدى إمكانية إنجاح النظام الفيدرالي في الصومال؛ حيث هي الآن منقسمة على أساس الحدود القبلية إلى إدارتين تابعتين لكل من ولاية بونتلاند( تأسست 1998) و إدارة جَلْمُودُغْ (تأسست 2006)، وعاصمة جلمودُغْ هي جالكعيو بينما تحكم بونتلاند القسم الشمالي من نفس المدينة، وللأسف لم ينجح عامل وحدة المصالح والتاريخ في كسر الحواجز النفسية التي أدت إلى وضع خط وهمي بين قسمي المدينة. كما أن المحافظة تتألف من خمس مديريات مقسمة بين الإدارتين بالتساوي.

 محاكمات

 الأمر المثير للجدل هو أن محكمة ابتدائية بمدينة جاروى Garowe حاضرة بونتلاند ألقت أحكاما مختلفة بالسجن المؤبد والسجن 10 سنوات على سياسيين وشيوخ قبائل بتهمة الخيانة الوطنية بعد ذهابهم إلى مدينة عدادو للمشاركة في مؤتمر تأسيس ولاية الأقاليم الوسطى المتوقع عقده قريبا. ومن بين المحكوم عليهم بالسجن المؤبد عضو سابق في برلمان الولاية يدعى عبد الولي موسى شيري..وأعلن نائب المدعي العام للولاية محمد حريد فارح لإذاعة صوت أمريكا أن المحكوم عليهم سعوا لتقويض بونتلاند، والتجاهل عن حدودها الدستورية، كما أنهم لم يحصلوا على تفويض من برلمان الولاية. وأضاف حريد بأن بونتلاند تشجع على إقامة ولايات جديدة تنضم إلى أخواتها مثل ولايات.. بونتلاند و جوبا لاند، ولاية جنوب غرب الصومال؛ ولكنها لن تسمح المساس بحدودها التي مضى على ترسيمها 17 عاما.

وأصل الأزمة راجع إلى الدستور الفيدرالي الذي ينص على أن أي ولاية فيدرالية لابد وأن تتألف من محافظتين من أصل 18 محافظة كانت تتألف منها الجمهورية الصومالية قبل عام 1991م. وفي حالة عدم ضم مودُغْ كلها إلى الولاية الجديدة فإن الشرط الدستوري لن يتحقق، وتكون الولاية الجديدة مكونة من محافظة جلجدود كلها ونصف محافظة مودُغْ.

ويتساءل كثير من المراقبين عن جدوى هذه المحاكمات التي تعبر عن روح انعزالية وسطحية سياسية، كما تعطي صورة سيئة عن بونتلاند التي يدعي قادتها بأنها “رمز الوحدة الصومالية” حسب المحلل القانوني سالم سعيد لشبكة الشاهد الإخبارية.

 مرجعيات متناقضة

 فيما يدعي كل طرف بقبوله الحكومة الفيدرالية كمرجعية في البت في مثل هذه القضايا الحساسة فإن كل طرف يستند في دعواه إلى اتفاقيات متناقضة أبرمتها الحكومة الانتقالية مع الجانبين، ففي الأول من شهر يوليو 2014 عقد ممثلون من إدارات الأقاليم الوسطى اتفاقا مع الحكومة الفيدرالية بحضور الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء السابق عبد الولي شيخ أحمد وممثلون من الأمم المتحدة، وكان الاتفاق ينص على ضم إقليم مودُغْ كله بدون تقسيم إلى الولاية الجديدة المراد إقامتها في المناطق الوسطى من الصومال.

 وعلى العكس من ذلك تستند بونتلاند إلى اتفاقية أخرى مماثلة وقعها رئيس الوزراء السابق عبد الولي شيخ أحمد مع رئيس الولاية عبد الولي جاس في جاروى بتاريخ 14 أكتوبر 2014م، والذي نص على أن حدود بونتلاند المعروفة لن يمسها أي تغيير. كما أرسل مبعوث الأمم المتحدة رسالة تحمل المضمون ذاته رغم حضوره الاتفاقيتين المتعارضتين.

 وفي السياق ذاته استنكر عبدي حسن علمي رئيس لجنة التحضير لمؤتمر عدادو Adado تجريم بونتلاند المشاركة في المؤتمر ، واعتبر ذلك رفضا لمرجعية الحكومة الفيدرالية في تقرير حدود الولايات في حالات التنازع. قال عبدي “إن الحكومة الفيدرالية والممثلون الدوليون هم من يوجه المؤتمر ، والحكومة الفيدرالية هي التي تقرر حدود الولايات معربا عن رفضهم القاطع لتقسيم محافظة مودُغْ إلى قسمين: قسم شمالي تابع لولاية بونتلاند وقسم جنوبي تابع للولاية الجديدة المزمع إقامتها حاليا”.

 لا تقتصر المشاكل التي تهدد مؤتمر عدادو برفض بونتلاند المجاورة فقط بل تبرز معارضة شديدة من شيوخ مدينة طوسمريب  Dusa mareb –  حاضرة إقليم جلجدود – الذين طالبوا بعقد المؤتمر في طوسماريب بدلا من عدادو. جاء هذا الإعلان خلال مؤتمر حاشد عقد بمقديشو في 14 من شهر يناير الجاري. وعلل الشيوخ رفضهم بأن طوسماريب كانت تستعد لاستضافة المؤتمر منذ فترة طويلة. وأضافوا بأن الحاجة ماسة لعقد مؤتمر للمصالحة للقبائل القاطنة في هذه الأقاليم بهدف تنقية الأجواء علما بأنه جرت هناك صراعات مسلحة في فترات متقاربة جدا نتيجة خلافات على قرى ومراعي أو بسبب القرصنة المتفشية في سواحلها. وقال عبد السلام تونير Tunyar الذي قرأ البيان الختامي بأن الحكومة الفيدرالية مدعوة لتقدير قرار الشيوخ . بالإضافة إلى معارضة فصيل أهل السنة والجماعة الذي يعتبر نفسه بأنه القوة الوحيدة التي أخرجت حركة الشباب المجاهدين من المنطقة.

 والسؤال المطروح هو … كيف يتم تجاوز العقبات في طريق تأسيس النظام الفيدرالي في الصومال، وهل سيستمر العناد والمكابرة دون إعطاء أدنى اعتبار لمصلحة البلاد ومتطلبات المرحلة الراهنة من التنازل والتوافق على أساس المواطنة والوحدة واحترام الدستور الفيدرالي وليس على أساس المكونات القبلية والمناطقية التي تؤجج الصراعات والحروب الأهلية من جديد؟ علما أن الحكومة الفيدرالية قد نجحت جزئيا حتى الآن في إقامة ولايتين جديدتين هما ولاية جوبا و ولاية جنوب غرب الصومال على مدى عامين لتلحق بولاية بونتلاند التي تعارض الكثير من سياسات الحكومة المركزية بشكل علني، بل وتهدد بالانفصال في حال تجاهل مطالبها بشأن عدم ضم شبر واحد من أرضيها إلى ولاية الأقاليم الوسطى.

%d مدونون معجبون بهذه: