تزايد إنشاء الأحزاب السياسية في مقديشو

التجربة الماضية :

لم يكن النظام الحزبي أو تعدد الأحزاب السياسية أمرا جديدا في الساحة الصومالية، فقد كانت هذه القضية ظاهرة منتشرة في الصومال أثناء حقبة نهاية الخمسينات وعقد الستينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي بلغت السياسة الصومالية أوْجَها؛ متمثلة في قبول الأمم المتحدة حق تقرير مصير صومال الجنوب – مستعمرة إيطاليا التي انهزمت في الحرب العالمية الثانية، وإجراء تقييم شعبي حول فرض وصاية على الصومال الإيطالي؛ مدتها عشر سنوات، مع طموح المحمية البريطانية في شمال الصومال إلى الاستقلال والوحدة مع الجنوب. هذه العوامل وغيرها جعلت الساحة المحلية تشهد صعود الأحزاب السياسية وكثرة تأسيسها، و لاسيما بعد نيل البلاد الاستقلال يوم 1 يوليو 1960م.

وعلى الرغم من ذلك فإن التجربة الحزبية الصومالية آنذاك – وإن كانت نموذجية في كثير من جوانبها –إلا أنها آلت في نهاية المطاف إلى الفوضى والتنافس القبلي، وانتشار الفساد والمحسوبية، الأمر الذي حوَّل الانتخابات البرلمانية عام 1969م إلى الحالة من الفوضى السياسية؛ حيث شارك في الانتخابات 83 حزبا في بلد كان عمر استقلاله السياسي لا يتجاوز تسع سنوات، وأدَّت تلك الفوضى إلى اغتيال رئيس البلاد عبد الرشيد علي شرمأركي في أكتوبر عام 1969م، وهذا مما شجع قيادة الجيش الصومالي في الاستيلاء على السلطة في 21 أكتوبر 1969م، وبذلك تم القضاء على التجربة الفتيَّة للتعددية الحزبية قبل نضوجها، حيث تم فَرْض النظام البوليسي الدكتاتوري ذو الحزب الواحد على البلاد، وبعد 21 عاما من الحكم العسكري جاء الدور على ذلك النظام، وتم إسقاطه في وقت قياسي بثورة شعبية مسلحة في يناير 1991م.

الأحزاب الجديدة

في 18 أبريل 2011م تم تأسيس حزب السلام والتنمية على يد مجموعة من الأكاديميين ومسؤولي لجنة مسلمي إفريقيا في الصومال، ورأسَ الحزب بروفيسور حسن شيخ محمود رئيس الصومال الحالي، ويضم في عضويته أعضاء من حركة الإصلاح – جناح الدم الجديد، وكوادر مستقلة، ويسعى الحزب – حسب رؤيته – إلى تحقيق الوحدة الصومالية والسلام الدائم في أرجاء البلاد التي أنهكتها الصراعات المسلحة.

وأثناء الانتخابات الرئاسية عام 2012م دشن هذا الحزب أول حملة انتخابية في مقديشو، ومثَّل فوز مرشح الحزب حسن شيخ محمود بالرئاسة في العاشر من سبتمبر 2012م مفاجأة كبيرة لقادة الحزب وأتباعهم، وقد فتحت تجربة حزب السلام والتنمية – هذه – شهية الكيانات والمجموعات الأخرى، وأعلن في فبراير 2014م عن “حزب الوحدة الوطنية” برئاسة الدكتور عبد الرحمن باديو، القيادي البارز في جناح الدم القديم لحركة الإصلاح ذات التوجه الإخواني.

ومن الأحزاب التي ظهرت في الآونة الأخيرة “حزب السلام والديمقراطية” برئاسة السياسي عبد الله شيخ حسن، و”حزب الأمة” برئاسة السياسي زكريا حاج محمود، و”حزب الجمهورية” برئاسة علي محمد نوح تِماجِلَعْ، و”حزب الشعب” برئاسة سعيد عيسى محمد.

 وقبل نحو شهر تم الإعلان عن تأسيس “حزب العدالة الاجتماعية” برئاسة محمود أحمد ترْسَنْ عمدة العاصمة مقديشو السابق، كما تم الإعلان عن تأسيس “حزب دَلْجِر” برئاسة حسن معلم محمود، وهذا الحزب الأخير يُعتبر الواجهة السياسية لحركة التجمع الإسلامي المعروفة محليا بآل الشيخ، ويبدو أن الساحة مرشحة لإنشاء مزيد من الأحزاب السياسية في ظل غياب قانون الأحزاب المنتظر مصادقته من قبل البرلمان الصومالي في الفترة القريبة القادمة، ولعل ذلك القانون يأتي بقيود وشروط تضع حدا لهذه الأعداد المتزايدة لأسباب كثيرة.

مؤشر إيجابي

إن أهم أسباب تأسيس تلك الأحزاب السياسية هي رغبة مؤسسيها في خوض معركة الانتخابات عبر صناديق الاقتراع للوصول إلى السلطة عام 2016م، وبغض النظر عن ذلك يعتبر الميل إلى الحزبية في هذه المرحلة مؤشرا إيجابيا يمهد لتجاوز الشعب مرحلة غلبة صوت السلاح والعنف على لغة السياسة؛ لأن نظام الأحزاب بحد ذاته طريق إلى التنافس السياسي على أسس الكفاءة والخبرة بعيدا عن القبلية والمناطقية وغيرها من الأساليب المتخلفة.

يرى الكاتب الصومالي عبد الرحمن عيسى ” أن تزايد وتيرة تشكيل الأحزاب السياسية في الصومال ظاهرة صحّية في عمومها، وتستحق التشجيع والمؤازرة؛ باعتبارها تلبي رغبات جمهور عريض من المواطنين وتعد آلية حضارية للتعبير عن الرأي وتقديم رؤية وبرنامج سياسي للتغيير وإصلاح الأوضاع وتصحيح المسار السياسي”. ومن جهة ثانية يؤكد عبد الرحمن بأنه “يجب الحذر من كثرة الأحزاب التي تفسد الأجواء السياسية من خلال وضع شروط ومتطلبات من شأنها ظهور أحزاب حقيقية تتنافس على إحداث التغيير والإصلاح المنشود في البلاد”.

أمر عبثي

وفي مقابل ذلك يقلل بعض المحللين من أهمية وقدرة هذه الأحزاب الجديدة على أن تلعب دورا إيجابيا للوصول إلى بر الأمان بعد أزمة سياسية استمرت لفترة طويلة من الزمن، ولاسيما أن معظمها تأسست على حماس وعاطفة دون تخطيط دقيق ورؤية مستقبلية مما يجعلها من العوامل السلبية التي تزيد الأمور تعقيدا، ويرى الأستاذ ليبان أحمد شري أستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية في بوصاصو أن تأسيس أحزاب سياسية في ظل الظروف الحالية للبلاد أمر سابق لأوانه، ويعدُّ ظاهرة غير مكتملة و ناضجة.

وقال شري لشبكة الشاهد: ” ليست هناك إحصائية رسمية للتعداد السكاني، وليس هناك نظام قضائي مستقل وعادل، ولا قانون تنظيم الأحزاب، ولا توجد أيضا هياكل رسمية لمؤسسة الشرطة والجيش الصومالي، اضف إلى ذلك أن السياسة العسكرية والأمنية في يد قوات بعثة الاتحاد الإفريقي للسلام في الصومال، وبالتالي فإن النظام الحزبي يجب أن يعتمد على أسس متينة، وإلا يكون الأمر عبثيا أكثر من أي شيء آخر”.

ضغوط و مبررات

ومع ازدياد أعداد الأحزاب فإنه من المتوقع أن تقوم الحكومة الصومالية بتقييدها وتقليصها بشروط تعجيزية استجابة لضغوط دولية أو إقليمية، أو ربما لخلق وضعية تنسجم مع مصالح المتنفذين حاليا في الهيئات العليا للبلد، وذلك بمبررات منطقية كثيرة من بينها أنها خطوة تأتي مراعاة لحساسية المرحلة المقبلة وتنوُّع اتجاهات وانتماءات مؤسسي الأحزاب السياسية، وعمق الصراعات السياسية والقبلية والحركية في البلاد. وفي هذا الصدد يؤكد الأستاذ محمود فيدو متحدثا لشبكة الشاهد الإخبارية أن من أولويات الإصلاح الحزبي في الصومال دمج عدد من الأحزاب المتقاربة من حيث رؤيتها الفكرية وذلك للحيلولة دون شيوع الصراعات الحزبية وما ينتج عنها من عدم الاستقرار السياسي، كما هو الحال بالنسبة لبعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”

ومن أطرف ما تناهى إلى أسماعنا – نقلا عن مصدر موثوق – قول أحد مسؤولي الأحزاب الجديدة وهو يجيب عن سؤال وُجه إليه حول سبب إنشائه الحزب؛ ” إنه يريد أن يعمل لنفسه مظلة يحتمي بها كسياسي كبير عمل مع الرئيس الصومالي الأسبق عبد الله يوسف، كما أن إنشاء حزب سياسي يسهل في هذه المرحلة التعامل مع ما يسمي بالمجتمع الدولي” ومن هنا نفهم كيف أن أهداف إنشاء الأحزاب متعددة في الصومال، وبالتالي تتزايد باستمرار ما لم توجد قرارات وتشريعات رادعة تفسح المجال للمؤهلين وتردع المتطفلين في هذا المجال مهما رفعوا من شعارات براقة وكلمات خادعة زخرفها أصحاب المصالح الخاصة والأجندات الأجنبية، [ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون] {الجاثية: 27}

%d مدونون معجبون بهذه: