كيف تمت المفاوضات بين الصومال وصوماليلاند في جيبوتي ؟

في يومي 20 و 21 من شهر ديسمبر الجاري من آخر أيام عام 2014 الذي نحن على مشارف نهايته جرت في جيبوتي مفاوضات هامة بين وفدين صوماليين؛ كان أحدهما برئاسة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أما الآخر فكان يقوده أحمد محمود سيلانيو رئيس ولاية أرض الصومال المنفصلة عن باقي أجزاء الصومال منذ عام 1991م؛ وذلك بهدف استئناف المفاوضات السياسية بين الطرفين ضمن مساعي توحيد الصومال من جديد.

فقد تم إرجاء هذا اللقاء في الأسبوع قبل الماضي؛ حيث كان مقررا عقده في منتصف هذا الشهر ولكنه تأجل بسبب انشغال طرف مقديشو بالخلافات البرلمانية وتعيين رئيس الحكومة الجديدة عمر عبد الرشيد علي شرمأركي، ويرى المراقبون أن النقاش بين المسئولين كان قد تركز في ملفات غير جوهرية دون استئناف المفاوضات بين الجانبين من حيث توقفت في المؤتمرات السابقة، وقيل إن من المواضيع التي أثيرت في هذا اللقاء كيفية تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة وحصة صومالي لاند فيها؛ بالإضافة إلى موضوع صياغة دستور دائم وإجراء انتخابات تساهم فيها الولاية بشكل فعلي من خلال الاستفادة من خبراتها في تنظيم الانتخابات في الجزء الشمالي من الصومال المعروف بأرض الصومال.

ويعد هذا اللقاء الثالث بين الطرفين؛ حيث كان أول لقاء في دبي بين الرئيس السابق شريف شيخ أحمد و رئيس ولاية أرض الصومال أحمد محمود سيلانيو، أما اللقاء الثاني فقد تم في أنقرة عاصمة تركيا بين الرئيس حسن شيخ محمود وسيلانيو، وهذا هو اللقاء الثالث، ويذكر أنه قد تميز بكونه اجتماعا أثارت مخرجاته تساؤلات كثيرة، علما أن اللقاءات السابقة كانت لقاءات تعارف وبناء الثقة بين الجانبين، ولو لا تصاعد الأزمة السياسية في جنوب البلاد مؤخرا لتقدمت المفاوضات إلى مستوى تطلعات الشعب الصومالي نحو الوحدة والتصالح ونسيان الماضي الأليم.

مضمون البيان الختامي

وفي نهاية الاجتماع – الذي كان هذه المرة برعاية جيبوتية – صدر بيان مشترك يشرح بعض ما دار خلف الكواليس المغلقة بعيدا عن الكاميرات والصحفيين، وكان من ضمن ما اتفق عليه الرئيسان- وفق بنود البيان الختامي للمؤتمر- ما يلي :

  1. تسريع المفاوضات وتحديد سقف زمني لها.
  2. التقدم نحو عملية اتخاذ القرارات المصيرية وتنفيذ ما اتُفق عليه سابقا.
  3. الابتعاد عما من شأنه عرقلة المفاوضات.
  4. عدم تسييس المعونات الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار مع تسريع تنفيذها.
  5. تنفيذ اتفاق المجال الجوي الموقع بين الجانبين سابقا.
  6. إشراك جيبوتي في المفاوضات بين الطرفين إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
  7. المحافظة على حقوق الإنسان والتعاون الأمني ومحاربة الإرهاب والقرصنة والجرائم المنظمة.
  8. أن يتم الاجتماع مجددا في اسطنبول بتاريخ 26 -27 فبراير 2015
  9. تقديم الشكر والتقدير للرئيس الجيبوتي “راعي الاجتماع الأخير”

 ردود الأفعال

حرص الجانبان على التكتم أثناء هذا الاجتماع الهام لتوفير جو من الهدوء والسرية بهدف إنجاح المفاوضات بعيدا عن الشائعات، فعلى صعيد صومالي لاند فإن الأحزاب المعارضة تؤيد المفاوضات من حيث المبدأ؛ فزعيم حزب العدالة والديموقراطية فيصل علي ورابي صرح مؤخرا بأنه لا يمكن أن تنعم صومالي لاند بالاستقرار ما دام بقية الصومال مشتعلة بحروب داخلية، وعقب صدور البيان الختامي أكد تأييده وموافقته على المفاوضات وأعرب أنه كان على معرفة مسبقة بالترتيبات التي سبقت الاجتماع، وهذا مما يؤكد أن الحزب الحاكم لا ينفرد في إدارة ملف التفاوض وحده وإنما تشاركه في ذلك الأحزاب المعارضة بشكل أو بآخر.

ومن ناحية ثانية فإن الحزب الوطني المعارض بزعامة عبد الرحمن عِرُّو رئيس برلمان صومالي لاند أبدى تحفظه على البند الثاني الذي ينص على تشجيع الأطراف على مناقشة القضية المصيرية، وهي الوحدة أو الانفصال، وطلب من الحكومة في صومالي لاند توضيح المراد من ذلك، ويرى المتابعون أن عبد الرحمن عرو ينتتهز هذه الفرصة لتسجيل بعض النقاط على الحزب الحاكم ضمن مساعي السباق نحو الرئاسة في صيف 2015.

أما ولاية بونت لاند فقد علق رئيسها عبد الولي محمد علي.. على الاتفاق في تصريح لإذاعة صوت أمريكا أبدى فيه قلقه الشديد من الاتفاق المبرم بين الصومال وصومالي لاند في جيبوتي، وقد ألمح أنه يجب إشراك بونت لاند في المفاوضات؛ لكونها الولاية التي تمسها القضايا التي يتم مناقشتها بشكل مباشر، يُذكر أن كلا من صومالي لاند (الشمال الغربي) وبونت لاند (الشمال الشرقي) يتنازعان على محافظتي سول وسناغ، حيث أن كلا الطرفين يدعي تبعية هذه المناطق له، ومن ناحية أخرى أبدى رئيس ولاية بونت لاند امتعاضه ومعارضته للبند المتعلق بالمجال الجوي، والذي ينص على نقل مكتب إدارة المجال الجوي إلى هرجيسا عاصمة إدارة أرض الصومال.

موقف الانفصاليين

يرى بعض المراقبين أن استئناف المفاوضات برعاية وحضور من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي يأتي في وقت بدت بوادر أمل في تغير الموقف العام لدى الشماليين من الانفصال بعد استنفاذ القيادة السياسية في صومالاند كامل طاقاتها في الحصول على اعتراف دولي وإدراكها استحالة نيل الاعتراف الدولي في ظل الظرف الإقليمي والدولي الراهن؛ وبالفعل ظهرت في الأونة الأخيرة بوادر إيجابية نحو الوحدة والتنازل عن مشروع الانفصال وتقبل المزاج الشعبي لطرح الوحدة بعد أن كانت من المحظورات السياسية في صومالي لاند؛ حيث صرح وزير الداخلية في إدارة صومالي لاند أن العالم يتعامل مع صومالي لاند على أنها ولاية من الصومال وعلى الجميع تقبل هذه الحقيقة، وهذا التصريح أثار حفيظة كثيرين من المتطرفين المتمسكين بفكرة الانفصال كما أثار عاصفة من التعليقات بين مؤيد ومعارض في الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية بمختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وقد فهم المحللون من ذلك أن تغييرا جذريا طرأ على الموقف الرسمي لإدارة صومالي لاند وأنهم يدرسون الآن بجدية أكثر من أي وقت مضى كيفية العودة إلى وطنهم والتخلي عن مشروع الانفصال ولكن بشروط تضمن لهم حقوقهم الدستورية التي هُضمت في تجربة الاتحاد السابقة عام 1960م بحسب اعتقادهم.

وأخيرا؛ ينبغي أن نؤكد بأنه لا أحد يعرف… إلى أين تنتهي هذه المفاوضات؛ ولكن الجميع يأمل في التوصل إلى إتفاق يثني صومالي لاند عن موقفها الانفصالي، وإذا نجح المفاوضون من طرف الجنوبيين في إقناع الشماليين بالعدول عن مبدأ الانفصال فيكون من السهل جدا حل المسائل الأخرى العالقة بين الجانبين.

%d مدونون معجبون بهذه: