أضواء على مساعي إثيوبيا في الصومال (1)

بقلم : آدم عبده حسين :

إيثوبيا دولة حبيسة :

هناك اعتقاد سائد لدى علماء الجيوبولتيك والجغرافيا السياسية بأن الدولة الحبيسة – الدولة التى لا تطل على منفذ بحرى – ضعيفة؛ نظرا لسوء موقعها الجغرافى فهى تعانى من حالة العزلة، وتقع تحت هيمنة الدول المجاورة لها في اتصالها مع العالم الخارجي، بالإضافة إلى ضعف اقتصادها ونشاطها التجاري بسب ارتفاع تكاليف النقل. ويوجد فى العالم عدد كبير من الدول القارية (الحبيسة)، تقع معظمها فى أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية .

 ومن المعلوم أن الموقع هو أحد المقومات الطبيعية الرئيسة للدولة، وله دور كبير فى قوة الدولة أو ضعفها ، وتحديد سياساتها الداخلية والخارجية، فالمواقع الاستراتيجية لبعض الدول تكسبها أهمية كبرى، بينما يؤدي الموقع الهامشي لبعض الدول الأخرى إلى عزلتها. ويؤثر الموقع أيضاً في درجة الاتصال الحضاري بالشعوب الأخرى وفي السياحة والسفر والتجارة الخارجية.

 وعلى الرغم من سلبيات الموقع الجغرافى للدول الحبيسة – ومن بينها إثيوبيا – إلا أننا نجد أن الأخيرة لديها نفوذ إقليمى قوي، على عكس ما كان يُتوقع من دولة فى مثل موقعها الجغرافى المحصور، و يعود هذا لعدة أسباب ربما من أهمها كونها حليفا استراتيجيا للغرب ، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية التى تقدم دعما لوجستيا وسياسيا للنظام السياسي فى إثيوبيا كما أن لديها تأثير قوي فى المنظومة الإقليمية الإفريقية؛ حيث إنها المقر الرئيسي لمنظمة الوحدة الافريقية. بالإضافة إلى غياب وحدة سياسة أخرى منافسة لها فى المنطقة فى هذه المرحلة .

 أفضل الخيارت :

 و كان من زوال الصومال القوى – الخصم اللدود – مطلع القرن الحالى وتفتتها إلى عدة كيانات قد أكسب إثيوبيا وزنا وثقلا كبيرا فى المنطقة؛ حيث لم يعد أمامها خصم يمتلك جيشا منظما يطالب بحقوق تاريخية و يدعم جماعات مسلحة تسعى لهذا الغرض. ومنذ انهيار الحكومة المركزية فى الصومال وكنتيجة حتمية للفراغ الناشئ عن غياب السلطة السياسية بدأت إثيوبيا تنشط في كل أنحاء الصومال، وتقوم بعمليات عسكرية لوقف أو إجهاض أى نشاط سياسي من شأنه أن يغير المعادلة السياسية فى البلد المنهك، فتناصر من تراه يؤمن مصلحتها القومية، وترفض كل من يحاول مجانبة خططها المرسومة حسب رغباتها وأطماعها السياسية. فإثيوبيا الآن متورطة بعملية تغيير منظومة الحكم فى الصومال، ولكن تُرى؛ ما هو الهدف الحقيقى وراء المد الإثيوبى، وتدخل الشؤون الداخلية لجارتها مرة تلو الأخرى؟

ربما تجيب الجزء الأهم من هذا السؤال طبيعة العلاقة بين البلدين القائمة على الصراع الطويل؛ ولكن يُعتقد أن لهذا التدخل أيصا جوانب أخرى يجب أن لا نغفل عنها. فإثيوبيا دولة غير ساحلية تعتمد فى تجارتها الخارجية على موانئ الجيران منذ انفصال إرتريا منها عام 1993.[1] وبالتالي فإن موقع إثيوبيا يشكل أحد وسائل الضغط الإرتيرية عليها . وبدورها لكى تقلل إيثوبيا من خطر الإرتري لتضييق الخناق عليها فتحت لنفسها منفذا على البحر الأحمر عن طريق جيبوتى؛ وقد قبلت الأخيرة منح أثيوبيا فرصة دائمة للوصول للبحر وطريقا بدون عوائق لنقل البضائع والسلع بموجب اتفاقية مبرمة بين البلدين. إلا أن الواقع أثبت أن ميناء جيبوتي لا يمكن أن يستوعب نشاطات البلدين في الصادرات والواردات لطاقته الضعيفة، مما دفع إثيوبيا إلى البحث عن منفذ بحري إضافي لتذليل هذه المعضلة.” وكان الخيار الأول استخدام ميناء ممباسا إلا أنه شكل صعوبه كبيرة بالنسبة إلى إثيوبيا نظراً لارتفاع كلفة النقل وتوابعه. كما أن ظروفاً سياسية أخرى حالت دون استخدامها للموانئ السودانية. ولهذا فإن ميناء “بربرة” الصومالي صار أفضل الخيارت.

حققت إثيوبيا فرصة الوصول على المحيط الهندى، عن طريق تكوين كيان موال لها على منطقة أرض الصومال. وبما أن إدارة أرض الصومال تعتبر نفسها وحدة سياسية مستقلة عن بقية البلد، فإنها وقَّعت مع إثيوبيا اتفاقيات ثنائية فى عدة مجالات . وبالتالى تمكنت إثيوبيا فرصة الاستغلال من ميناء بربرة؛ ليكون نقطة عبور البضائع القادمة إلى إثيوبيا بأقصر مسافة وأقل تكلفة.

بين المركز والأطراف :

 وعلى هذا الأساس يمكن القول إن إثيوبيا حققت حلمها فى الحصول على منفذ بحري مميز يوفر بيئة آمنة لمصالحها القومية. و لا يمكن تأمين تلك المصالح وضمان اسمراريتها ، إلا إذا استمر الوجود الإثيوبى فى ربوع الصومال؛ لذا كان من الطبيعى أن نشاهدها حاضرة فى المشهد السياسي الصومالي طوال الفترة العشرين السنة وحتى يومنا هذا. ومن هنا تجدر الاشارة إلى مسألة هامة وهى دور إثيوبيا فى تطبيق النظام الفيدرالى فى الصومال ومدى أهميته بالنبسة اليها.

تحولت إثيوبيا هى الأخرى إلى الشكل الاتحادى بعد نجاح الثورة التى أطاحت حكم منغستو العسكرى فى 1991 يقيادة ميلس زناوى ، متزامنة مع سقوط الحكم فى الصومال، وواجهت القيادة الإيثوبية آنذاك تحديات كبيرة فى تحقيق التجربة الفيدرالية، إلا أن قيام إثيوبيا الاتحادية – ذات التباين العرقى والدينى – بجوار الصومال الموحد ربما كان من أكبر التحديات المستقبلية لدولة إثيوبيا الحديثة. ولذلك كان لابد من أن تسعى هذه القيادة إلى تحقيق التوازن فى ميزان الحكم بين البلدين.

وعلى الجانب الآخر مرت الأيام ثقيلة على الصومال؛ حيث جرت الرياح لما لا يشتهي الوطن من فشل الدولة وانزلاقه فى أتون حرب أهلية طويلة إثر فشل المكونات السياسية فى تبنى رؤية سياسية واضحة لبناء دولة صومالية متماسكة على أنقاض سابقتها ، مما هيأ الجو المناسب للأطماع الإثيوبية فى تحقيق مراميها فى الهيمنة على مسار الأمور فى القرن الافريقى.

وعلى الرغم من أن الفيدرالية فى الصومال جاءت نتيجة لعدة أسباب، وباعتبارها حل وسط لجمع الشمل كما يصفها البعض ، إلا أنه لا يخفى علينا دور دول الجوار فى تمرير هذا النظام . وفى كلمة ألقاها وزير الخارجية الإثيوبى تيدروس أدحانوم فى فترة سابقة من هذا العام 2014 وخاصة في الجلسة الافتتاحية بالمؤتمر الاقتصادي للهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، بشأن الصومال، قال ” إن المؤتمر دشن لمناقشة مستقبل الفيدرالية بالصومال وتقديم نموذج للصوماليين حول الفيدرالية والاستفادة من التجربة الإثيوبية” ويبدو أن كلام الوزير يتضمن بشكل أو بآخر أن تجربة الفيدرالية فى الصومال ليست سوى تصميم إثيوبى بالدرجة الأولى.

ومما يدل على ذلك أن معظم رؤساء الولايات التى نشأت فى الصومال حتى الآن قريبون من السياسة الإيثوبية، وربما هى التى مهدت الطريق أمام بعضهم لتولى هذا لمنصب، إذ لم يأت واحد من هؤلاء برغبة الحكومة المركزية الصومالية بل إن وسائل الاعلام المحلية كانت تفاجئ الحكومة خبر انتخابهم لرئاسة ولاية من الولايات الفيدرالية؛ فيبادر المسؤولون بإرسال التهانى والترحيب لهؤلاء المدعومين من إيثوبيا. أضف إلى ذلك أنه حينما يحصل خلاف ما بين أي من الولايات الفيدرالية الصومالية وبين الحكومة المركزية أو بين الولايات (وهذه ظاهرة جديدة) فإن أديس أبابا هى الحكم. وهو بالطبع ما كانت تتمناه إثيوبيا ، والذي يتمثل في وجود دولة صومالية اتحادية يكون المركز فيها غير قادر على تحكم الأطراف؛ وإنما الأطراف هى التى تملى عليه شروطها وتفرض كلمتها، وهذا هو الحال الآن بالنسبة للعلاقة بين الحكومة المركزية والولايات( أرض الصومال، بونت لاند،جوبا لاند…الخ)

وعلى أساس كل ما تقدم تجدر الإشارة إلى أن غياب حكومة مركزية قوية فى الصومال وإنهماك مواطنيه على سفاسف الأمور من شأنه اسمترار هيمنة الجوار على مقوماته الاستراتيجية ونهب مقدراته وموارده. وبالتالى تعرض وحدته الوطنية لعملية إعادة صياغة جيوإستراتيجية قد تفضي إلى تفكيكه وعدم تحقيق حلم أبنائه في الوحدة وبناء الصومال الكبير.

---------------- هوامش -----------------------
  1. إرتيريا هي منفذ إيثوبيا على الساحل الشرقى -البحر الأحمر، ومعروف أن أرتيريا ليست على علاقة جيدة مع  إيثوبيا؛ حيث تستمر النزاعات الحدودية بينهما منذ الانفصال []

تعليق واحد

  1. يا أخي العزيز أشكرك على هذا الجهد الذي بذلت لأجل إيصال المعلومات لكن لست أدري هل نسيت أهم أسباب أم لا تعتقد أن إثيوبيا تحتل ولا زالت في أراضي الصو مالية وهي تمارس ليل نهار بأسوء أنواع المعاملة من تعذ يب واغتصاب واغتيال واعتقال عشواء وكل ما نعنيه الكلمة ألم يقل رئيس كيني السابق عند ما كا ن يلقى الكلمة في الجامعة الأمريكية نحن وأثيوبيا لا نريد دولة قوية في الصومال علما أن إثيوبيا تحتل في إفليم أوغادين بينما نحن نتغافل عن ذلك.

%d مدونون معجبون بهذه: