من أسباب اختيار شَرْمَأَرْكِي رئيسا للوزراء في الصومال

أخيرا كلف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود السفير عمر عبد الرشيد شرماركي رئيسا للوزراء ليصبح ثالث رئيس حكومة خلال 26 شهرا، وقد جاء قرار تعيين عمر عبد الرشيد شرماركي بعد مشاورات مكثفة وترشيح أكثر من شخصية . وقد عبر الرئيس حسن شيخ محمود في حفل تعيين رئيس الوزراء عن أمله في أن يضطلع شرمأركي مهامه خير قيام، مؤكدا أن قرار تعيينه كان قرارا شخصيا، ولكنه استشار المجتمع الدولي ( أمريكا وأوربا) وفي نفس الوقت دعاه إلى العمل مع الكتل المتنافسة ، ورأب الصدع بين جناحي البرلمان المتعارضين. وتعزيز المصالحة مع الولايات الفيدرالية القائمة وتسريع تشكيل بقية الإدارات..

من جانبه وعد رئيس الوزراء المكلف في كلمة مقتضبة ألقاها فور تعيينه بإدارة العمل بروح تشاورية مع القصر الرئاسي والبرلمان بغية رفع ثقة الشعب الذي ملَّ من موسم الخلافات بين القادة ، وتوصيل البلاد إلى مستوى المأمول مطالبا البرلمان الصومالي بالتعاون معه.

اختيار شاق

بدت عملية اختيار رئيس وزراء خلفا لرئيس الوزراء عبد الولي شيخ أحمد – الذي سيخلي منصبه إثر خلافات مع الرئيس – في غاية الصعوبة نظرا لصعوبة الحصول على مرشح تنطبق فيه شروط محددة من أهمها أن يحوز أكبر عدد ممكن من ثقة الأجنحة المتنازعة داخل البرلمان ، والشركاء المعنيين بما فيهم المانحون الدوليون ودول الجوار والولايات الفيدرالية ، وقوات أميصوم التي تبقى السند الرئيس للحكومة الفيدرالية.

وحتى الآن تشير ردود الأفعال السياسية، وتعليقات الصوماليين في وسائل التواصل الاجتماعي إلى ترحيب غالبية الصوماليين والمجتمع الدولي بشرمأركي باعتباره شخصية توافقية تنطبق عليه معظم الشروط التي تجمع بين مطالب المجتمع الدولي والشركاء المحليين، ولكن هذا لا يعني أن اختيار سيسدل الستار على مسلسل الخلافات السياسية وأزمة الثقة بين الرئيس ورؤساء الوزراء الذي عينهم للمنصب في المنظور المتوسط والبعيد، الأمر الذي أصبح مشهدا معتادا ومتكررا في السنوات الخمس عشر الماضية.

باعتباره شخصية معروفة وصاحب مواقف معتدلة ومن أسرة عريقة في السياسة الصومالية؛ فأبوه عبد الرشيد هو أول رئيس للوزراء بعد الاستقلال، وقد أعيد تعيينه مرتين، ثم أصبح رئيسا للبلاد إلى اغتياله في 15 من أكتوبر1969م، وبالتالي شرماركي شخصية توافقية يمكن أن تحوز رضا الأطراف المتنازعة، بما فيهم المكونات السياسية الصومالية، والشركاء الإقليميون والدوليون.

من جهة أخرى فإن الرئيس الوزراء الجديد لا يبدو مرتبطا بأي جهة من الإسلاميين بل يبدو صاحب خلفية علمانية بخلاف الرئيس وأنصاره من ذوي الميول الإسلامية( حركة الإصلاح/جناح الدم الجديد). وبهذا فإنه من المتوقع أن يلعب دورا في تحسين العلاقات مع المجتمع الدولي، وتخفيف هواجس الإسلاموية لدى الغربيين وحلفائهم في المنطقة وفي مقدمتهم إثيوبيا.

بناء الثقة وملفات شائكة

السؤال الذي يطرح نفسه هو .. هل سينال رئيس الوزراء الجديد ثقة البرلمان المنقسم بعد تفاقم الخلافات والأزمة السياسية في البلاد التي طارت شراراتها إلى كل الجهات ؟ ويلاحظ أن معظم الأطراف قد أرجأت قرارها في الرفض أو الموافقة إلى وقت إعلان التشكيلة الحكومية المرتقبة التي سيعلن عنها خلال المهلة المحددة ( 30 يوما ) من حين تعيين رئيس الوزراء.

وفي السياق نفسه تواجه حكومة شرمأركي المرتقبة ملفات صعبة تتمثل في مطالبات المجتمع الدولي بتحسين الأداء الحكومي وتفعيل المؤسسات الخدمية، وبناء أنظمة مالية شفافة تحوز ثقة المانحين الدوليين ، والعمل على استكمال بناء الولايات الفيدرالية في البلاد ، والتصويت للدستور الانتقالي ، وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات ديمقراطية في عام 2016م حسب وثيقة “الرؤية الجديدة لعام 2016م”(The New Deal, Somali.

كما تواجه الحكومة الصومالية تمرد حركة الشباب المسلح التي تبدو مازالت فاعلة وقادرة على تقويض الاستقرار ليس في الصومال فحسب بل في منطقة القرن الإفريقي بعد أحداث كينيا المروعة في الآونة الأخيرة. وقد قامت حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الولي شيخ أحمد بتوجيه ضربات متتالية للحركة انسحبت من جرائها من معظم المدن الكبيرة التي كانت تحت سيطرتها، وآخرها كانت مدينة براوة الساحلية المعقل الرئيس منذ سقوط كيسمايو في 29 سبتمبر عام 2012 .

شرماركي (54عاما) يحمل الجنسية الكندية سيصبح ثالث رئيس للوزراء يعينه الرئيس حسن شيخ محمود خلال 26 شهرا بعد تجاذب ونزاع استمر عدة أشهر، كاد يعرقل سير أعمال البرلمان، كما أحدث شروخا كبيرة بين الأطراف المتنازعة داخل قبة البرلمان. وسيصبح كذلك رئيس الوزراء الـ 17 للصومال منذ الاستقلال عام 1960. وهي المرة الثانية التي يصبح فيها رئيس وزراء؛ حيث عينه الرئيس السابق شريف شيخ أحمد في 13 فبراير 2009م بجيبوتي ، واستقال من نفس المنصب إثر تفاقم الخلافات بينه وبين شريف أحمد في سبتمبر عام 2010. وبهذا يتم تعيين شرمأركي رئيسا للوزراء مرتين خلال خمس سنوات.

أسباب الاختيار

حسب الخبير القانوني والمحلل السياسي سالم سعيد فإن اختيار عمر عبد الرشيد يعني رغبة الرئيس حسن وأنصاره (حزب الدم الجديد) – حسب التعبير الإعلامي السائد- في تحسين صورة الحكومة الصومالية أمام المجتمع الدولي وتعزيز العلاقات مع أمريكا بعد أن تعرضت للاهتزاز بسبب الخلافات المتكررة بين قادة الصومال، ولكن يتذكر كثير من الصوماليين تشدد شرمأركي في خطوات استكمال الدستور الفيدرالي، وهي ما سبب الخلاف الذي نشب بينه وبين الرئيس السابق شيخ شريف شيخ أحمد في تلك الفترة.

أمام شرماركي مهام صعبة تتمثل في تحقيق المهام التي أقرتها وثيقة “الرؤية الجديدة لعام 2016م” (The New Deal, Somali Compact) التي تم إقرارها في بروكسيل في الفترة 15-16 سبتمبر2013م وتنص على تنفيذ حزمة من المهام حسب جدول زمني يشرف عليها المجتمع الدولي ( أمريكا وأروبا) وقد ضاع الجزء الأكبر من الوقت في خلافات متكررة، وإطاحة حكومة وتعيين أخرى مما شوه صورة الرئيس وأنصاره أمام المجتمع الدولي وفق رؤية بعض المحللين، ولم يبق لتحقيق ذلك سوى 18 شهرا وهي فترة زمنية يصعب تنفيذ تلك المهام الشاقة فيها، بما فيها الملفات الأمنية والتنموية.

تساؤلات شعبية

يُذكر أن الشارع الصومالي قد بدأ يثير – عبر مختلف وسائل الإعلام – تساؤلات كثيرة بشأن مستقبل رئيس وزراء الجديد عمر عبد الرشيد ؛ ومن ذلك قول بعضهم : هل سيسلك رئيس الوزراء المعين طريق سابقيه؛ فيكون قد حزم حقائبه معزولا مطرودا عبر البرلمان بعد عام يقضي نصفه في تشكيل مجلسه وإقناع القبائل بالحصص ونوعية الحقائب الوزارية المخصصة لها، أم أنه سيأتي باستراتيجية جديدة لا تؤدي إلى اختلاف الأقطاب السياسية في المؤسسات الدستورية العليا على غرار ما حدث خلال العامين الماضيين من فترة رئاسة الرئيس الصومالي الحالي حسن شيخ محمود ؟و كيف سيتعامل مع سماسرة السياسة من القبليين أصحاب المصالح الشخصية ممن لا يهدأ لهم بال إلا إذا كانت هناك أزمة وحالة اختناق بين الرئيس ورئيس الوزراء متمتعين بدعم خارجي مشبوه؛ محافظين كانوا أو معارضين ؟

وأخيرا، يشار إلى أن هناك من يراهن هذه المرة أن ينقلب السحر على الساحر؛ فيكون الرئيس الصومالي نفسه هو الشخص الذي يُتوقع أن يتم عزله وسحب الثقة عنه عبر البرلمان في حال حدوث اختلاف سياسي بينه وبين رئيس الوزراء الجديد عمر عبد الرشيد؛ فيكون بذلك رئيس دولة فشل في التعامل مع المجالس الدستورية في البلاد.

%d مدونون معجبون بهذه: