الجدل الدائر حول قرارات المدعي العام في الصومال

 عقد كل من المدعي العام أحمد علي طاهر والمدقق العام لحسابات الدولة الدكتور نور فارح جمعالي مؤتمرا صحفيا مشتركا أكدا فيه قرارا يقضي بتقييد سفر أعضاء مجلس الوزراء حتى يتم تسليم المنصب إلى الحكومة المقبلة ؛ وذلك بعيد جلسة البرلمان الصومالي التي تم خلالها سحب الثقة من هذه الحكومة التي باتت عرضة للمحاسبة على مستوى مكشوف لأول مرة في تاريخ الصومال الحديث.

  • خطوة في الاتجاه الصحيح

ويرى المراقبون أن هذه الخطوة غير المسبوقة تستهدف بعض الوزراء المحسوبين على رئيس حكومة تصريف الأعمال عبد الولي شيخ أحمد؛ في الوقت الذي يصر كل من المدعي العام والمراجع العام على تجرد وظيفتهما عن السياسة، وأنهما يقفان على مسافة متساوية من تخاصم السياسيين، وأنهما يؤديان واجبهما بكل حيادية وحرفية، بينما يرى آخرون أن هذه الخطوة تأتي ضمن المساق الطبيعي في تطبيق مبدأ المحاسبة والشفافية الذي غاب عن الصومال مدة طويلة؛ خاصة أن بعض الوزراء متهمون باختلاس المال العام وسوء استخدام السلطة إلى حد أن تصرفاتهم المشبوهة غير خافية على أحد.

وبغض النظر عن التوظيف السياسي لهذه الخطوة فإنها تعد خطوة تصب في الاتجاه الصحيح، وتعد بمثابة بداية عهد جديد للمحاسبة والمساءلة مما يساعد على شفافية الأداء الحكومي بشكل لم يألفه الناس عن الصومال الذي يقبع في المرتبة الأخيرة في مؤشر الفساد العالمي (CPI) حسب منظمة الشفافية الدولية.

  • البعد السياسي

ولكن من ناحية أخرى لا يمكن التعامي عن أبعاد هذه الخطوة السياسية من قبل أنصار الرئيس الصومالي وحزبه لتعكير الصفو على مؤيدي رئيس حكومة تصريف الأعمال وتصويره بمظهر الفاسد والمختلس لأموال الدولة في بلد لم تستقر فيه الممارسة السياسية وفصل المسار القانوني عن التأثيرات السياسية؛ وذلك ضمن جهود التسابق على إحراز مكاسب فئوية وكسب بعض النقاط على حساب الخصوم، ورغم ذلك فإن هذا لا ينفي أن أغلب الوزراء منغمسون فعليا فى رذيلة السرقة واختلاس الأموال العامة، حيث إنه من المعروف لدى الجميع أن ملفات الفساد فاحت رائحتها وأزكمت الأنوف في جميع أقاليم الصومال، وإن ما يؤيد هذا الأمر هو أن المدعي العام والمراجع العام للدولة أكدا بأنهما قاما بتوثيق ملفات فساد كبيرة داخل الحكومة؛ وينتتظرون تقديم الدعاوى بشأنها في القريب العاجل ! وفي مقابل ذلك يجادل المشككون بأن لدى الرجلين ولاءا لحزب الرئيس ويتغاضيان عن نشاط القصر الرئاسي الذي صرف أموالا طائلة في إسقاط الحكومة كما لا يتحدثان عن متابعة الأموال العامة وتقديم المتهمين المعروفين للعدالة؛ ومن جانبه رد المدقق العام للدولة الدكتور نور فارح جمعالي على هذا التشكيك قائلا: بأنه مفوض رسميا لمتابعة الميزانية العامة للدولة ومراقبة كيفية استعمالها وضمان شفافية النظام المالي بشكل عام، مؤكدا أن ديوان المراجع العام ليس مسؤولا عن أموال يتم صرفها في الفنادق أو الدعاية والشائعات المتداولة بين الناس؛ وذلك على اعتبار أنهم يبنون قراراتهم على الحقائق التي تكون بين أيديهم حسب تعبيره.

وفي التاسع من ديسمبر الجارى 2014 الذي كان يصادف اليوم العالمي لمكافحة الفساد أصدر المدقق العام ( المراجع العام ) للجمهورية تحذيرا لمسؤولين حكوميين سابقين بينهم وزراء وقادة لأجهزة الأمن؛ وأعرب في بيانه أن هؤلاء المسؤولين يحتجزون أصولا ثابتة للدولة مثل المركبات المحصنة ضد الرصاص وغيرها من الأملاك العامة، وأهابهم رسميا بإعادة هذه الأصول للدولة وإلا سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم، وأشار إلى أن لديه معلومات حول محاولة بعض المسؤولين السابقين بيع وإيجار أملاك عامة، وطلب من هؤلاء المتورطين في مثل هذه الأعمال أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبهم القانون وتطالهم يد العدالة سواء كانوا وزراء أو نوابا حاليين أو سابقين، وحذر البنك المركزي والبنوك الأخرى من بيع أي عقار تابع للجمهورية حتى يتم إصدار التشريعات اللازمة والناظمة للأملاك العامة في الدولة من قبل البرلمان الصومالي.

  • جلسة الاستجواب

وفي الثالث عشر من ديسيمبر الجاري 2014 قدم البرلمان الاتحادي مشروع قرار لاستجواب كل من المدعي العام والمراجع العام (المدقق العام لحسابات الدولة) بهدف مساءلتهما عن إمكانية تسييس وظيفتهما وتحاملهما على وزراء ومسؤولين آخرين ومدى شرعية قراراتهما. وفي معرض ردهما على أسئلة النواب أوضح كل من المدعي والمراجع أن تحقيقهما المشترك شمل 19 وزارة وثلاث هيئات تابعة لحكومة تصريف الأعمال برئاسة عبد الولي شيخ أحمد، وقد تبين بالوثائق والدلائل القاطعة أنها غارقة في ملفات فساد وسوء استغلال السلطة واختلاس أموال عامة، وعندما سئل المدعي العام عن أسباب قراره بتقييد سفر أعضاء حكومة تصريف الأعمال أجاب بأنه إجراء احترازي للحيلولة دون هروب المشتبه بهم، وأن من يسافر إلى خارج البلد لمهمة حكومية يسمح له بالسفر من مكتب رئاسة الجمهورية، وهو إجراء متبع من أيام الحكومة العسكرية بقيادة محمد سياد بري؛ وعلى هذا الأساس رفض المدعي العام الاعتذار للنواب أو أعضاء حكومة تصريف الأعمال مبينا أنه يؤدي مهامه في توجيه الاتهام ومتابعة الدعاوى مؤكدا في الوقت ذاته أن المحاكم هي الجهة المخولة بإدانة المتهمين أو تبرئتهم.

أما المدقق العام فقد بين أن مكتبه مستقل، وأن له علاقة عمل وثيقة مع رئاسة البرلمان وخاصة اللجنة المالية، ويتمتع بتفويض كامل لمراقبة كافة المؤسسات في الدولة بما فيها الرئاسة والبرلمان ومجلس القضاء والحكومة والهيئات التابعة لها.

وفي الختام تجدر الإشارة إلى أن عمل مكتب الإدعاء العام في متابعة تنفيذ القانون، وكذلك قيام ديوان المراجع العام بمراقبة الأملاك العامة والأسعار أمر في غاية الأهمية ولصالح هذا البلد ونهوضه وتحسين أوضاعه وخلق صورة ذهنية مقبولة عنه، ولهذا ينبغي أن ينال إشادة وتشجيع ومؤازرة من كل المواطنين وخاصة من قبل المسؤولين وكافة السياسيين والخبراء ونشطاء المجتمع المدني.

ولكي يتم تحقيق أهداف هذه المكاتب ينبغي أن لا ينخرط المعنيون في برامج السياسيين المتضادة وأن يبرهنوا ذلك على أرض الواقع، وعندها سيشهد الشعب على مهنيتهم وموضوعيتهم، وبالتالي سينالون كل الدعم والتأييد والإشادة، والمطلوب من الفرقاء السياسيين أن لا يضعوا العصى في دواليب هذين المكتبين المهمين لمستقبل البلاد وبناء مؤسساته الوطنية المختلفة، آملين أن تؤدي هذه الجهود إلى الحد من مستوى الفساد في البلاد وتحسين سجل الصومال في مجال حقوق الإنسان واحترام المعايير الدولية لإدارة المال العام في المؤسسات الحكومية.

%d مدونون معجبون بهذه: