دوافع اللاجئين العائدين”طواعية” إلى الصومال

منذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال مطلع عام 1991م كانت مئات الآلاف من اللاجئين تتدفق إلى دول الجوار: ، إثيوبيا، جيبوتي، اليمن، وكينيا، وتعتبر الأخيرة أكبر حاضنة للاجئين الصوماليين ؛ حيث يوجد بالقرب من الحدود الصومالية الكينية معسكر طاطاب الذي يعتبر أكبر معسكر للاجئين في العالم بحسب تقديرات الهيئات الدولية، ويقول محللون إن مخيم طاطاب ومخيم كاكوما للاجئين أصبحا بحجم بلدتين لكثرة أعداد اللاجئين المقيمين فيهما؛ ويقدر عددهم نحو نصف مليون لاجئ هرب معظمهم من الحروب والجفاف في جنوب ووسط الصومال طوال العقدين الماضيين.

وفي نوفمبر من العام الماضي أبرمت الحكومة الكينية اتفاقية مع الحكومة الصومالية لإعادة اللاجئين المقيمين في أراضيها طوعا أو كرها إلى وطنهم، وقال نائب الرئيس الكيني وليام روتو آنذاك إن اللاجئين الصوماليين أصبحوا درعا لمن يمثلون تهديدا للأمن في كينيا. وقد جاء ذلك كنتيجة طبيعية لما قامت به حركة الشباب الصومالية من تكثيف لهجماتها على البلدات القريبة من الحدود، مثل بلدات منديرا و وجير و غاريسا، ومخيمات طاطاب وإيفو التي شهدت في الآونة الأخيرة هجمات نوعية كثيرة.

تطورات جديدة :

كان يوم الثلاثاء الماضي التاسع من شهر ديسمبر الجاري قد شهد الصومال عودة أول دفعة من اللاجئين الصوماليين ضمن قافلة ضمَّت قرابة مائة شخص من لاجئي المخيمات الواقعة في شمال شرق كينيا، وفي اليوم التالي أقميت حفلة لاستقبال هؤلاء اللاجئين في معسكر حلني قرب مطار مقديشو الدولي؛ وذلك بمشاركة وزراء ومسؤولين حكوميين ومنظمات دولية ومحلية، وبحسب ما قال وزير الداخلية في الحكومة الصومالية المقالة عبد الله غوذح بري إن عشرة آلاف لاجئ صومالي في مخيمات كينيا أبدوا رغبتهم في العودة إلى بلادهم طواعية، وأضاف الوزير بري –ضمن كلمته في الحفل – أن مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قدمت التسهيلات اللازمة لإعادة اللاجئين كما ساهمت ألمانيا في المشروع بمبلغ خمسة ملايين يورو (6.2 ملايين دولار)، إلى جانب البنك الإسلامي للتنمية – التابع لمنظمة التعاون الإسلامي – الذي يدرس حاليا بجدية سبل الإسهام في مشروع إعادة وتأهيل اللاجئين الصوماليين إلى بلادهم، وكذلك أعلن الوزير بري أن الحكومة أسست هيئة وطنية تابعة لوزارته باسم (هيئة تأهيل ومساعدة اللاجئين والنازحين) والتي تعني بمساعدة وإعادة تأهيل اللاجئين والنازحين. وهي خطوة جديرة بالإشادة إذا حققت الأهداف المرجوة منها بنزاهة وأمانة تؤدي إلى تخفيف مستوى التهديد الذي يشكله هذا الملف على الأمن الداخلي والخارجي للصومال.

من دوافع العودة الطوعية:

  1. تدهور الوضع الأمني في المخيمات : يعتبر تزايد سوء الأحوال المعيشية والأمنية في كل من اليمن وكينيا على وجه التحديد من أبرز دوافع اللاجئين العائدين بشكل طوعي إلى الصومال، ولا سيما عندما انقلب الأمر رأسًا على عقب بعد الأحداث الدامية التي جرت في كينيا، وفي مقدّمتها الهجوم على مركز (ويست غيت) التجاري في نيروبي في سبتمبر 2013م، وما تلا ذلك من ظهور استياء كيني عام من الوجود الصومالي على أراضي الكينية، وهي ظاهرة نتج عنها ترحيل المقيمين بصفة غير شرعية في حي إيستلي بنيروبي إلى الصومال. ويضاف إلى ذلك سوء الأحوال المعيشية المعروفة للجميع في مخيمات اللاجئين؛ حيث يعاني اللاجئون من أوضاع حياتية صعبة بسبب ندرة المتطلبات الأساسية للحياة من مياه وكهرباء ومأوى؛ علما أن المواد الغذائية والملابس والأدوية التي توزعها المنظمات الإغاثية الدولية بشكل دوري لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية.
  2. توفُّر تسهيلات السفر : وفق دراسات ميدانية غير منشورة فإن العامل الآخر هو اقتناع اللاجئين بالإجراءات وترتيبات إعادتهم والتسهيلات المخصصة لهذا المشروع، وبحسب تصريحات العائدين إلى البلد مؤخرا؛ فإن هناك خدمات وتسهيلات مادية تمكِّن اللاجئين من العودة إلى قراهم ومدنهم بسهولة ويسر، ورغم أنه لا يُعرف المبلغ المخصص للعائلة الواحدة إلا أنه يبدو أن الأمور تتم وفق معايير ودراسات متعارف عليها دوليا، هذا، مع وجود حاجة اللاجئ الصومالي إلى العودة الطوعية غير المشروطة إلى بلاده في المرحلة الراهنة.
  3. تحسن أمني ملحوظ في الصومال : وقد تهيأت هذه الظروف المستقرة نسبيا والمشجعة لعودة اللاجئين إلى الصومال بعد خروج حركة الشباب من العاصمة مقديشو في أغسطس 2011م وانسحابها شبه الكامل من أغلب المدن الكبيرة والقرى في وسط وجنوب الصومال تحت ضغط القوات الصومالية بالتعاون مع قوات الاتحاد الإفريقي مطلع العام الجاري، أضف إلى ذلك تدفق وتتابع عودة صوماليي المهجر إلى الصومال؛ مما أدى إلى تحسن عام في المجالات الاقتصادية والاجتماعية ضمن جهود إعادة إعمار الصومال، وبالفعل تم كل ذلك في ظل أوضاع سياسية سيئة جدا بالنظر إلى الخلافات التي كانت تحدث بين كبار المسؤولين في المؤسسات الرسمية، مع ذلك يرى الباحثون الاجتماعيون أن التغيير وتحدى الواقع وخلق ظروف حياتية مواتية باتت سمة للصوماليين في الآونة الأخيرة؛ حيث تأكد للجميع أن الصومال – بسبب الجهود الشعبية – في طريقه إلى النهوض والعودة إلى الساحة الدولية رغم العراقيل والصعوبات القائمة على كافة الأصعدة.

وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن هناك حاجة ماسة إلى تفعيل عملية إعادة اللاجئين وتحفيزهم ومساعدتهم في ممارسة عملهم اليومي داخل الوطن، وذلك من خلال الاستناد إلى التكافل الاجتماعي الذي اشتهر به الشعب الصومالي، ومن ناحية ثانية ينبغي ألا ينحصر الدور الشعبي في مشاهدة مئات الآلاف العائدين عبر شاشات التليفزيون تماما كما شاهدوهم أثناء هجرتهم الجماعية في تسعينيات القرن الماضي؛ وإنما المطلوب أن يتم إشعار اللاجئ العائد إلى وطنه أنه له إخوة وأرض تحتضنه بدفء وبأجمل المشاعر الإنسانية الصادقة، ويرى المهتمون في هذا المجال أنه من السهل جدا فتح حساب في البنوك المحلية لجمع تبرعات للاجئين العائدين طواعية إلى بلدهم حبا لوطنهم وفرارا من حياة الذل والهوان في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة للصومال، وإن التحدي أو السؤال الأكبر هو ….هل سينجح الصوماليون – حكومة وشعبا – في مقاربة هذه القضية الحساسة ومعالجتها بشكل جذري بعيدا عن المراوغة والارتزاق باسم الضعفاء؛ حتى لا يوجد صومالي واحد يعيش في مخيم للاجئين في جميع أنحاء العالم.

%d مدونون معجبون بهذه: