ماذا بعد عزل رئيس الوزراء عبد الولي شيخ أحمد؟

تمهيد :

في السادس من شهر ديسمبر الجاري صوت البرلمان الصومالي بأغلبية مريحة ضد حكومة رئيس الوزراء عبد الولي شيخ أحمد – الذي تم تعيينه لهذا المنصب قبل عام خلفا لرئيس الوزراء الأسبق عبدي فارح شردون – وذلك في تصويت علني أدى إلى سحب الثقة من الحكومة بـ 153 صوتا مقابل 80 صوتا لصالح إبقائها وعدم حجب الثقة عنها عبر البرلمان.

هذه المرة لم تكن عملية سحب الثقة بالسهولة التي كان يتوقعها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وحلفاؤه السياسيين؛ حيث تعقدت الأمور ووصلت إلى طريق شبه مسدود؛ ولا سيما بعد أن تسبب نواب مؤيدون لرئيس الوزراء في تعطيل العمل البرلماني في ثلاث جلسات برلمانية متتالية معارضين توزيع مقترح حجب الثقة عن الحكومة، وقد اضطر رئيس مجلس الشعب إلى اتخاذ تدابير مختلفة استطاع خلالها في نهاية المطاف إنقاذ الموقف وافتتاح الجلسة بشكل طبيعي بعد عمليات الاعتراض المنظَّمة بالصراخ و الإنشاد الجماعي بأغاني وطنية وتوزيع الحلاوي والاصطفاف في وسط القاعة ورفع لافتات تندد بمقترح المشروع المقدم ضد رئيس الوزراء.

وبعد مداولات كثيرة ووساطات خارجية وداخلية قَبِل أنصار رئيس الوزراء توزيع مسودة حجب الثقة ومناقشتها والتصويت العلني عليها في وقت زمني محدد، ولحسن الحظ أعلن رئيس الوزراء قبوله بما جرى من التصويت بالأغلبية ضد حكومته، الأمر الذي مثَّل انفراجة كبيرة في الأزمة السياسية الأخيرة التي هددت بالاستقرار النسبي الذي تحقق مؤخرا بدعم من المجتمع الدولي.

رأي المحللين :

يعتبر بعض المعلّقين أن ما جرى من إسقاط الحكومة عبر التصويت البرلماني أمر إيجابي؛ حيث إن مؤسسة البرلمان (مجلس الشعب) كمؤسسة دستورية تشريعية أصبحت الحل الوحيد للحد من التعقيدات السياسية و الحيلولة دون تعميق الخلافات بين كبار المسؤولين في الصومال، وبالتالي صارت قبة البرلمان الملجأ الأخير الذي يرتضي به الخصماء بدلا من الاحتكام إلى البندقية والمدفعية على عكس ما كان عليه الوضع في السابق، أما الآن – في ظل وجود قوات أجنبية إفريقية مدعومة دوليا – فلا أحد يجرؤ على الاستقواء بالقبيلة أو بأي سلطة أخرى، وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي يطمئن الجميع ويزرع في الناس الثقة بأن عهد الفوضى السياسية قد ولى بدون رجعة.

وفي سياق متصل يقول الصحفي الصومالي عبد العزيز علي لشبكة الشاهد: ” أعتقد أن خطوة إسقاط الحكومة عبر البرلمان تمثل فرصة للرئيس حسن شيخ محمود في اختيار رئيس وزراء يعمل ضمن برنامجه السياسي ووفق رؤيته؛ وعلى ضوء مساعي انتقال الصومال إلى الاستحقاق الانتخابي القادم 2016م، وتجاوز الخلافات التي أضرَّت بالصومال”.

ومن جهة ثانية يرى الكاتب الصحفي الأستاذ مهدي حاشي: ” أن تغيير الحكومات بسبب تقاعسها عن واجباتها هو عمل حضاري ينم عن المسؤولية، لكن في بلد مثل الصومال أصبح هدا التغيير مشكلة بحد ذاته بسبب الأبعاد التي يأخذها والتي تخرجه عن تحقيق الهدف المنشود، فقد أصبح التغيير الحكومي في الصومال مرتبطا بالصراع السياسي أكثر من ارتباطه بالإخفاق بالمسؤوليات”.

وأضاف حاشي متحدثا لشبكة الشاهد : ” لا أتوقَّع تداعيات كبيرة للحدث، لأن البلد شهد مثل هده المناكفات السياسية من قبل، لكن الحدث الأخير أظهر بما لا يدع مجالا للشك مدى الإفلاس السياسي للساسة الصوماليين، كما أكَّد الصورة النمطية عنهم في الداخل والخارج؛ وذلك بسبب كونهم نفعيّين لا يكترثون مصالح العباد والبلاد”.

ماذا بعد:

وبعد أن خرجت حكومة عبد الولي شيخ أحمد من الساحة تتساءل الجماهير العامة بمختلف أطيافها عن مَن سيكون رئيس الحكومة المقبلة، وكيف ستكون علاقته مع رئيس الجمهورية، مع العلم أن الرئيس قد بدأ المشاورات الجادة بخصوص ذلك، ومن بين الشخصيات السياسية المرشحة لشغل المنصب السيد عمر عبد الرشيد شرمأركي رئيس الوزراء الأسبق في عهد الرئيس السابق شيخ شريف شيخ أحمد، ويُذكر أن شرمأركي يشغل الآن منصب سفير الصومال في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن بعض المحللين الصوماليين يستبعدون تعيين شرمأركي لهذا المنصب نظرا لخلافه مع الرئيس السابق شيخ شريف شيخ أحمد، وعدم نحاجه في فترته – من فبراير 2009م حتى سبتمبر عام 2010م – إلى جانب اتهامه آنذاك بالفساد وعدم الجدّيَّة، و يتندر بعض الناس بأن أكبر خطيئة ارتكبها في نظر معارضيه هي أنه عارض الرئيس حسن شيخ محمود في العام الأول لفترة رئاسته الحالية، وذلك ضمن مجموعة عُرفت بـ “مجموعة نيروبي” التي تضم عمر شرمأركي، وعلي محمد غيدي رئيس الوزراء الأسبق وأحد مستشاري الرئيس حاليا، و البروفيسور علي خليف غلير رئيس ولاية خاتمة، والدكتور عبد الرحمن باديو رئيس حزب الوحدة الوطنية، والنائب البرلماني البروفيسور محمد عبدي غاندي، وغيرهم ممن تفاهموا مؤخرا مع مكتب الرئاسة أمثال وزير التخطيط والتعاون الدولي الأسبق عبد الرحمن عبد الشكور ورسمه أحد مستشاري الرئيس وأقرب المذكورين إلى حزبه بحكم انتمائه الفكري السابق.

ومن بين المرشحين المحتملين لمنصب رئاسة مجلس الوزراء القادم حسين عبدي حلني وزير المالية في الحكومة المقالة، ويعتقد بعض المحللين السياسيين بأنه الأوفر حظا للفوز بهذا المنصب نظرا لكون سياساته قريبة جدا لسياسات الرئيس وحزبه، بالإضافة إلى كونه يحظي بتأييد إيثوبيا وبعض الساسة أمثال شريف حسن شيخ آدم رئيس ولاية جنوب غرب الصومال، ويذكر أنه مرغوب فيه لدى بعض المقربين من الرئيس، وفي مقدمتهم السيد فارح شيخ عبد القادر. ومع كل ذلك هناك من لا يرحب تعيين حلني لهذا المنصب في هذا التوقيت الحساس معتقدين أن تعيين شخصية من قبائل أوغادين التي تقطن بكثافة في كل من إثيوبيا وكينيا أمر غير مرحب به لدى قبائل دارود الأخرى التي يُسمح لها الترشح لمنصب رئيس الوزراء وفق نظام المحاصصة القبلية المعمول به حاليا في الصومال.

وتأكيدا لذلك قال النائب في البرلمان الصومالي عثمان نور في تصريح أدلى به للإعلام المحلي إن النواب الذين أيَّدوا رئيس الجمهورية لن يرحبوا بتعيين حسين عبدي حلني لمنصب رئاسة الحكومة، مؤكدا أن أكثر من مائة نائب سيقفون ضد ذلك المطلب رافضين تعيين شخص إيثوبي التوجه والمنشأ في المرحلة الحالية على حد تعبيره.

الخلاصة:

إن تعيين رئيس وزراء متفاهم مع الرئيس الصومالي في هذه المرحلة أمر في غاية الأهمية والحساسية، نظرا لقلة الوقت المتبقي من فترة الرئيس الحالي، وكبر حجم التحديات والمهام التي تنتظر المسؤول المرتقب في ظل وجود حالة من الاستقطاب الحاد داخل مجلس النواب بعد عملية إسقاط حكومة عبد الولي شيخ أحمد؛ والتي تمت بصعوبة بالغة، ويتساءل المراقبون إلى أي مدى يتمكن الصومال في ظل الوضع السياسي المتأزم من تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي الذي يؤهل البلاد لإقامة انتخابات رئاسية مباشرة في عام 2016م. وبالتالي فإن مؤشر النجاح في المرحلة المقبلة هو اختيار شخصية فاعلة وواقعية وقادرة على تحقيق تقدم ملموس في مجالات كثيرة من بينها إصلاح القضاء وتبيض مسودة الدستور المؤقت، وإجراء استفتاء شعبي عليه، وتهيئة الأجواء لانتخابات رئاسية وبرلمانية شعبية مباشرة.

وقبل هذا وذاك، فإن السؤال المطروح هو إلى أي مدى سيتكيف رئيس الوزراء القادم مع الرئيس الصومالي الذي تتداخل صلاحياته كثيرا مع صلاحيات رئيس الحكومة، وهل سيلجأ الرئيس هذه المرة إلى تعيين رئيس وزراء جديد من داخل حزبه حزب السلام والتنمية أو بالأحرى ما بات يُعرف بـ مجموعة الدم الجديد بحسب التعبير السياسي الشائع محليا ؟ وماذا سيكون رد فعل المجتمع الدولي والإقليمي والمحلي إذا خطا الرئيس خطوات ملموسة نحو هذا الاتجاه، ونجح في أن يأتي بشخصية مقبولة حزبيا وشعبيا بعيدا عن الانقسام الحزبي العلني الذي ظهر في الآونة الأخيرة داخل الحزب الحاكم إن صح التعبير؟.

ومهما كان الأمر فإنه يتوقَّع – وفق مصدر مطلع – أن يكون رئيس الوزراء القادم أكثر تفاهما وانسجاما مع الرئيس الصومالي للحيلولة دون حدوث تصادمات سياسية  واختناقات مجتمعية في المستقبل القريب.

%d مدونون معجبون بهذه: