دلالات التفجيرات المتجددة في مقديشو

مقدمة : 

شهدت العاصمة الصومالية مقديشو هدواء أمنيا واستقرارا ملحوظا في الشهرين الأخيرين مما جعل الشعب يشعر بالإرتياح و حرية التعبير عن آرائه وأفكاره بدون خوف من حركة الشباب، ولكن التفجيرات الأخيرة قطعت هذا الحلم الجميل وأعادت أجواء الخوف والقلق بعدما استهدفت الحركة مواقع مدنية بحتة بكل سبق وإصرار مذكرة بأنها ما زالت قادرة على ممارسة هواية القتل والتدمير بدون أدنى حرمة لقيم الدين الإسلامي الحنيف وتعاليمه التي تحرم قتل النفس والسعي في الأرض فسادا؛ لقوله تعالى : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (البقرة /205)

 هذا التحسن الأمني أتى بفعل الوعي الاجتماعي المتنامي وجهود الأجهزة الأمنية إضافة إلى هزيمة حركة الشباب وخسارتها لمعقلها الإسترتتيجي مدينة براوي؛ والذي كان يدر عليها ملايين الدولارات حسب التقارير الدولية، ويرى المراقبون أن حركة الشباب أفلست فكريا وأخلاقيا؛ وبالتالي بدأت تتنقم من الشعب الذي أدرك حقيقتها وباتت توجه سهامها إلى أهداف غير متوقعة ومفتوحة؛ مما يؤكد تراجع قدرتها العملياتية وانحسار مصادر تمويلها؛ وهو ما أدى إلى أن تصبح غير قادرة على تنفيذ عمليات نوعية كاستهداف القصر الرئاسي والبرلمان ومقرات الأمم المتحدة على غرار عملياتها الانتحارية السابقة.

طبيعة التفجيرات

يبدو أن حركة الشباب قد غيرت إستراتيجيتها في الاستهداف وتنفيذ الهجمات بسبب الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها مؤخرا؛ حيث أن كل الهجمات الأخيرة – التي نفذتها حركة الشباب – كانت بواسطة سيارات مفخخة واستهداف أماكن مكتظة بالسكان لبث الرعب والإرهاب بين الناس مستلهمة النموذج العراقي في تنفيذ الهجمات في الأسواق والساحات العامة بخلاف ما كان معهودا في الساحة الصومالية من التركيز على أهداف حكومية.

بدأت التفجيرات الأخيرة في الثاني عشر من شهر أكتوبر الجاري باستهداف مقهى يقع في شارع مكة المكرمة ويرتاده عامة الناس، في وقت كان الزبائن يتبادلون أطراف الحديث، ويستمتعون بخدمة إنترنت مجانية جعلته مكانا مفضلا لدى فئات أغلبها من الشباب، وقد تم تنفيذ العملية بسيارة مفخخة تُركت مركونة إلى جانب المقهى ثم فُجرت عن بعد في وقت الذروة ؛ وهو ما أدى إلى أن يصل عدد الضحايا أكثر من عشرين قتيلا إلى جانب عشرات الجرحى.

بعد يومين من هذا التفجير الدامي وقع انفجار استهدف سيارة أحد الضباط في ناحية ياقشيد، و أودى بحياة قرابة خمسة مدنيين. وفي مساء نفس ذلك اليوم وقع انفجار آخر في ناحية حمرويني القريبة من القصر الرئاسي في ساحة ياسين عرتن، وهي ساحة عامة يلعب الشباب فيها كرة القدم أمام مطعم بانوراما.

من دلالات التفجيرات الأخيرة

إن هجوم حركة الشباب على أهداف مدنية له دلالة واضحة تتمثل في أن الحركة تبعث رسالة إلى كل من يهمه الأمر لتؤكد لهم بأنها لا تزال قوية وتستطيع أن تفعل ما تريد بدون أن يمنعها من ذلك أحد. أولى هذه الرسائل موجهة للشعب الصومالي لزعزعة ثقته بقدرة الحكومة الصومالية على حفظ أمن المواطنين وممتلكاتهم، وأن كل ما يقال عن تحسن الأمن في مقديشو محض هراء وخرافة ، والهدف هو إشعار الشعب أن الحركة ما زالت قوية وبذلك يضعون حواجز كبيرة بين الشعب والأجهزة الأمنية لكي يبعدوا الجميع عن التعاون مع الأجهزة الأمنية.

وثاني هذه الرسائل موجهة إلى الحكومة الصومالية وقوات أميصوم العاملة في الصومال بهدف إثبات فشل الطرف الحكومي وحلفائه، وأنه لا يمكن ردع الحركة ومنعها من الأهداف التي تختارها، و من جهة ثانية يُعتبر ما يجري حاليا من التطورات على الصعيد الميداني أمرا كان متوقعا ضمن الجهود التي تبذلها حركة الشباب في توسيع نطاق هجماتها لقصف كل الأماكن العامة وخلق حالة من الهلع والارتباك فيها كالمستشفيات والمدارس ووسائل النقل العام؛ إذ أنه من الطبيعي أن يتعاظم انتقامها من الشعب الصومالي كلما يشتد الضغط عليها؛ ولا سيما مع تزايد التعاون الشعبي مع السلطات الأمنية في الآونة الأخيرة.

إستراتيجة الرد

ويرى المحللون الأمنيون ضرورة القيام بجملة أمور أساسية للرد على تهديدات حركة الشباب المتجددة، ومن ذلك ما يلي :

  • يجب أن تطور الحكومة الصومالية استراتيجية أمنية شاملة من خلال مراجعة الإستراتيجية السابقة وبلورة إستراتتيجية جديدة تواكب الوضع الحالي بحيث يتم تعزيز أوجه التعاون مع الشعب وعلى عكس ما كان يحصل سابقا.
  • يجب تكثيف الإجراءات الأمنية في كل مكان لضمان أمن الأماكن العامة التي يرتادها المدنيون، وليس فقط حول المباني الحكومية.
  • أن تتنبه إدارة محافظة مقديشو بشكل أكبر إلى السيارات المركونة على طول أرصفة الشوارع الأساسية وخاصة شارع مكة المكرمة الرئيسي؛ وإن أدى الأمر إلى إجبار أصحاب المحلات مؤقتا على التعاون مع الأجهزة الأمنية في تقييم الوضع ومعرفة هوية مالكي السيارات الموضوعة أمام محلاتهم ؛ رغم أن ذلك يبدو إجحافا في حقهم؛ ولكن ينصح الخبراء الأمنيون بضرورة إقناع الجميع بمواجهة الهجمات المتجددة في مقديشو بشكل جماعي يؤدى محاصرة الجناة من كل جانب مما يؤدى إلى انحصار أنشطتهم الإرهابية بشكل تلقائي، وهذا قد يتطلب إلى مضاعفة الجهود التعبوية واستعمال كل أدوات الإعلام والنشر من إجل إقناع الجميع بمواجهة العدو المشترك الذي لا يفرق بين الأهداف المدنية والحكومية في الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: