إلى أين انتهى الخلاف بين الرئيس ورئيس الحكومة

تمهيد :

تعتبر فترة رئيس الوزراء الحالي عبد الولي شيخ أحمد أكثر الفترات هدوءا بالنظر إلى الخلافات الحادة التي كانت تحدث بين المسؤولين الكبار في الصومال، والتي كانت تنتهى بإزاحة أحد الطرفين المتخاصمين بعد التحاكم إلى البرلمان كهيئة تشريعية قادرة على حسم الخلافات في ظل غياب محكمة دستورية فاعلة في البلد مع عدم وجود تشريعات وقوانين حاسمة تفصل بين سلطات الرئيس ورئيس الوزراء في الدستور الصومالي المؤقت بسبب النظام السياسي المختلط (شبه الرئاسي) المعتمد في الصومال.

يتكرر الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في المشهد السياسي الصومالي حتى أصبح هذا الخلاف نمطيا ومألوفا لدى العامة والخاصة في المجالس العامة والمنتديات وبين الأوساط السياسية والفكرية على حد سواء، ونحاول أن نركز في هذا التقرير على مآلات هذا الخلاف، وإلى أين يمكن أن ينتهي؟ وما هي انعكاساته على الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.

  • لب الخلاف الحالي :

يتمحور الخلاف الحالي حول رغبة رئيس الحكومة في إجراء تعديل وزاري على خلاف رغبة الرئيس الصومالي الذي لا يرضى خروج بعض الوزراء المحسوبين عليه حسب خطة خصمه، وقد نجح الرئيس سابقا في عزل رئيس الحكومة السابقة عبدي فارح شردون بعد سحب الثقة منه عبر البرلمان، وذلك بعد أشهر من التجاذب السياسي بشأن إجراء تعديل وزاري كان من المقرر عمله آنذاك.

واليوم بعد انتهاء شهر العسل السياسي دبت الخلافات المعتادة وأصبحت سيدة الموقف، وأظهرت الأحداث يوما بعد آخر اشتداد الخلاف وتصاعده إلى أن طفت على السطح؛ حيث يسعى رئيس الحكومة إلى إجراء تعديل وزاري محدود بهدف الاستغناء عن بعض الوزراء المحسوبين على الرئيس بحسب الشائعات المتداولة محليا، وهو ما لا يحظى بموافقة الرئيس ومباركته، أما رئيس الحكومة يرى أنه هو المسئول التنفيذي الذي تقع عليه المسئولية أمام البرلمان، وانطلاقا من ذلك يسعى إلى تحسين أداء حكومته بالتخلص من بعض الوزراء بداعي ضعف أدائهم؛ ولكن الرئيس لا يوافق على تلك المساعى مما يعكس مستوى الوضع السياسي الهش في البلاد.

ويرى بعض المراقبين أن هناك عوامل عدة تلعب دورا في تهدئة الوضع وتخفيف حدة الخلاف بين كبار المسؤولين في هذه المرحلة، ومنها جدية المجتمع الدولي، وحرص المسؤولين أنفسهم في الحفاظ على سمعتهم الشخصية في إطار مساعيهم لتحسين صورتهم أمام المجتمع الصومالي والدولي في آن واحد؛ بهدف إثبات أهليتهم لحكم البلاد فترة ثانية من خلال تسويق أنفسهم كأحسن المرشحين في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2016م، وذلك على اعتبار أن أي خلاف يحدث بين المسؤولين الكبار يؤثر سلبا على مستقبلهم السياسي في المرحلة القادمة، وهي حسابات لم تكن واردة في الفترات السابقة.

خيارات رئيس الحكومة

من الملاحظ أن رئيس الحكومة يبدو في موقف أفضل من الرئيس؛ حيث يحظى بدعم من معظم أعضاء البرلمان والمجتمع الدولي إلا أنه مكبل بموافقة الرئيس على أي تعديل في حكومته، ولكن من حيث الجوهر فإن منصب رئيس الحكومة هو مؤقت وقابل للتبديل بناء على المتغيرات السياسية في الساحة بعكس منصب الرئيس المحصَّن دستوريا، وهو ما يحتم على رئيس الحكومة التعاون مع الرئيس.

يذكر أن رئيس الوزراء الصومالي الحالي قد صرح فور تعيينه لمنصبه في شهر ديسمبر من العام الماضي 2013م، أن عهد الخلافات قد ولَّى بدون رجعة إلا أن الواقع يشهد عكس ذلك بعد بروز خلافات بينه وبين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود؛ الذي صرح علنا بوجود ما سماه باختلاف في الرؤى بينه وبين رئيس مجلس الوزراء، ومنذ ذلك اليوم تأكد للعامة بطلان العهود بخروج المشهد من دائرة الخلاف المقبول إلى الصراع المذموم الذي يؤدي – كالعادة – إلى استقطاب سياسي واسع ينتهى في الأخير بالتصويت لصالح الطرف الأقوى ماديا وسياسيا عبر سماسرة الأصوات داخل قبة البرلمان؛ دون أدنى مراعاة للمصلحة الوطنية العامة التي تستوجب خلق حالة من الانسجام بين الهيئات السياسية العليا للبلد في هذه المرحلة بالذات بعد عقدين من الفوضى السياسية في الصومال.

 موقف رئيس البرلمان

من الأشياء الغامضة في هذه الأزمة موقف رئيس البرلمان السيد محمد عثمان جواري الذي نأى بنفسه عن هذا الخلاف ومارس مهامه الدستورية بكل حيادية وموضوعية، فإذا تركنا جانبا التكهنات التي تربطه بهذا الجانب أو ذاك فلا يوجد مؤشر يدل على انحيازه إلى جهة معينة حتى الآن على الأقل، ومن المؤكد أن انحيازه إلى جهة بعينها سيرجح كفتها.

خيارات الرئيس

الرئيس هو حامي الدستور، وهو القائد العام للقوات المسلحة، وهو رمز الوحدة حسب الدستور الصومالي، ويملك الرئيس سلطة تعيين رئيس الحكومة ولكن لا يستطيع عزله، ومن هذا المنطلق إذا ظل الخلاف قائما فمن السهل أن يخرج رئيس الحكومة من المشهد حسب الشواهد السابقة، ولكن ذلك سيكون له تبعات وخيمة على مستقبل البلاد.

موقف المجتمع الدولي

صرح ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السفير نيكولاس كي في تقريره لمجلس الأمن الدولي بأنه لا يزال يراوده القلق بشكل خاص إزاء المخاطر السياسية المتمثلة في الخلاف السياسي البيروقراطي بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ؛ لأن ذلك أدى إلى شلل تام في أجهزة الدولة خلال العام الماضي، و قد أشار نيكولاس كي إلى ضرورة إنهاء الخلاف داعيا جميع المؤسسات السياسية في الصومال، بما في ذلك البرلمان الاتحادي إلى التركيز على الأعمال التي من شأنها أن تمهد الطريق إلى السلام على المدى البعيد ضمن الجهود الوطنية لإعادة الاستقرار وتحقيق المصالحة الشاملة في الصومال؛ ونوه أيضا إلى أن الدورة البرلمانية الحالية تكون حاسمة، وقد أبدى قلقه وحماسه بشأن ضرورة تمرير القوانين الأساسية مثل قانون الانتخابات لتحقيق حلم الشعب الصومالي في الحصول على دستور جديد وإجراء انتخابات ديمقراطية في عام 2016

السيناريو الأفضل

وعلى العموم فإن الصراع في الصومال هو صراع صفري؛ حيث أنه في النهاية لا غالب فيه ولا مغلوب، وغالبا ما يدفع ثمنه – كضحية – الشعب الصومالي، وبالتالي فمن الأفضل للجانبين عقد تسوية سياسية بينهما بحيث يتنازل كل طرف من بعض مطالبه لصالح المصلحة العامة ولاستقرار هذا البلد الذي أنهكه الصراع على النفوذ والسلطة والمصالح الذاتية.

وإذا أدركت القيادة السياسية هذا الأمر ووعت الدرس؛ فإنه من الممكن حل هذه الأزمة والعبور بالبلاد من مرحلة الفوضى السياسية إلى الاستقرار السياسي المنشود؛ والذي يؤدي في النهاية إلى استقرار أمني واقتصادي واجتماعي في الصومال، وعلى هذا الأساس يُتوقع أن ينتهي الخلاف بتوافق سياسي بين الأطراف المعنية في ظل تقارب سياسي محتمل بين الحكومة المركزية وإدارة بونت لاند، ومع اقتراب موعد عقد مؤتمر دولي لدعم الصومال في كوبنهاجن عاصمة الدنمارك في الشهر القادم .

%d مدونون معجبون بهذه: