كتاب عن حركة الشباب المجاهدين وعلاقتها بالقاعدة، نشأتها وأفكارها والسيناريوهات المستقبلية

في ظل انتشار ما يعرف بالحركات السلفية التكفيرية داخل الدول العربية والإسلامية، صدر هذا الكتاب من المكتب العربي للمعارف في القاهرة، لمؤلفته نرمين محمد توفيق، الذي هو في الأصل مستخلص من رسالتها للماجستير الذي نوقش في مارس ٢٠١٣ من معهد البحوث والدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة تحت إشراف ا. د. إبراهيم أحمد نصر الدين. ويأتي هذا الكتاب ليقدم نموذجا عمليا لواحدة من الحركات التي تصنف نفسها كحركة إسلامية تتبنى النهج المتشدد وتقاتل من تصنفهم على أنهم كفار ومرتدين، وهي حركة “الشباب المجاهدين الصومالية”، التي أثارت جدلا واسعا منذ الإعلان عن نشأتها في 2007 وحتى الآن، واستطاعت السيطرة في فترة وجيزة على أكثر من 80% من الصومال، في ظل تفتت الدولة وانهيار مؤسساتها بسبب الحرب الأهلية هناك.

شغلت طبيعة العلاقة بين حركة الشباب وتنظيم القاعدة كثير من الجهات السياسية والبحثية، خاصة بعد تصنيف الولايات المتحدة لها ضمن الحركات الإرهابية العالمية، حيث ترى الحركة أن الصومال هو ساحة مواجهة للنفوذ والدور الإقليمي لإثيوبيا وأمريكا في منطقة القرن الأفريقي، وأنه لا نهاية للمقاومة إلا بتأسيس سلطة إسلامية واضحة المعالم والمفاهيم والمرجعيات، وكان لها دور لا يمكن إنكاره في إخراج القوات الإثيوبية التي غزت الصومال، إلا أنها كانت كلما فرضت سيطرتها على مكان تعلن التطبيق المتشدد لأحكام الشريعة فيه وفق فهمها هي؛ مما أدى إلى خسارتها للتأييد الشعبي والقبلي الذي حظت به أثناء قتالها للقوات الإثيوبية.

يبدأ الكتاب بتقديم نبذة عن المشهد في الصومال والحركات الإسلامية هناك، ثم ينتقل للحديث عن حركة “الشباب المجاهدين الصومالية” في ثلاثة فصول، تتضمن أسباب نشأتها وتنظيمها وأفكارها وكيفية توظيفها للإنترنت لجذب المقاتلين إليها من كافة أنحاء العالم، والعمليات التي قامت بها داخل وخارج الصومال، وتقييم تجربتها والسيناريوهات المستقبلية لها.

ويبقى قول أن تجربة الصومال تدق ناقوس الخطر داخل الدول العربية التي حدثت بها ثورات شعبية ومنها مصر، من أجل توخي الحذر وضرورة حماية وحدة الوطن والتعبير عن جميع فئاته، والحفاظ على مؤسسات الدولة وتقديم مصالحها العليا فوق مصالح الأحزاب، والجماعات المختلفة، وإلا ستذهب هذه الدول مع خلافاتها السياسية الحادثة – إن لم يتم تتداركها – إلى السيناريو الصومالي أو ما يطلق عليه “سيناريو الدولة الفاشلة”، بانتشار هذه النوعية من الحركات المتشددة.

مقدمة الكتاب

يتناول هذا الكتاب دراسة حركة “الشباب المجاهدين الصومالية” وهي تعتبر من الحركات التي أثارت حولها جدلا واسعا منذ إعلانها عن نشأتها وحتى الآن، حيث توجد في بلد عربي عانى ولا زال في معاناته هذه منذ الحرب الأهلية مع سقوط نظام الرئيس سياد بري 1991، وساهمت الاختلافات العشائرية بها في إذكاء هذه الحرب التي أدت إلى مقتل وتشريد مئات الآلاف من الصوماليين، وانهارت معها مؤسسات الدولة واقتصادها.

ظلت الصومال في هذا الوضع إلى أن وصل اتحاد المحاكم الإسلامية إلى الحكم في 2006، وسادت حالة من الاستقرار النسبي هناك، لكن الغزو الإثيوبي للصومال في نهاية العام ذاته أعاد حالة الفوضى للبلاد مرة أخرى، وكان هذا الغزو مدعوما من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة اتحاد المحاكم الإسلامية ودعم حكومة عبد الله يوسف الانتقالية.

وهنا أعلنت حركة الشباب المجاهدين -التي كانت الذراع العسكري لاتحاد المحاكم وانفصلت عنه بعد قبوله التفاوض مع الحكومة الانتقالية- نشأتها العلانية في 2007، وسعيها إلى مقاومة المحتل الإثيوبي بشتى السبل واستطاعت حشد المواطنين حولها، ونجحت في هزيمة القوات الإثيوبية التي اضطرت إلى الخروج من الصومال عام 2009.

وأكدت الحركة في بياناتها ثباتها على مبادئها الجهادية، وسعيها لإقامة الدولة الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي، واستمرارها في قتال القوات الحكومية والحركات التي لا تتفق مع أيديولوجيتها، والقوات الأجنبية الموجودة في الصومال.

وجعلت هذه التداعيات الولايات المتحدة تضعها على قائمة الحركات الإرهابية العالمية في 29 فبراير 2008 واتهمتها بالارتباط بالقاعدة، بل إن بعض المحللين الأمريكيين اتهموها بأنها تمثل خطرا على أمن الولايات المتحدة، بيد أن الحركة رحبت بهذا الوصف مشيرة أن واشنطن تلصق هذه الاتهامات بمن لا يرضخ لأهدافها، وأنها ماضية في إستراتيجيتها الجهادية ولن تتراجع.

ودخلت الحركة في قتال عنيف مع قوات الحكومة الانتقالية الصومالية بدءا من قوات حكومة عبد الله يوسف ومن بعده شيخ شريف شيخ أحمد، كما رفضت الاعتراف بالرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود واتهمته بالخيانة والعمالة للغرب، وأشارت أن الانتخابات الصومالية الأخيرة لم تكن إلا “خدعة” وحاولت اغتياله بعد يوم واحد من إعلان فوزه كرئيس للصومال إلا أن محاولتها باءت بالفشل، وقاتلت قوى إسلامية أخرى لا تتفق مع أيديولوجيتها مثل “أهل السنة والجماعة” وقوى تتفق معها أيديولوجيا مثل “الحزب الإسلامي” لانتزاع مناطق مهمة منه.

واستطاعت حركة الشباب في أقل من أربع سنوات السيطرة على أكثر من 80% من مناطق وسط وجنوب الصومال، وكانت كلما فرضت سيطرتها على مكان تعلن التطبيق المتشدد لأحكام الشريعة فيه؛ مما أدى إلى خسارتها للتأييد الشعبي والقبلي الذي حظت به أثناء قتالها للقوات الإثيوبية.

ثم تغيرت الأوضاع في أواخر عام 2011؛ حيث تمكنت بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال، (أميسوم) (AMISOM) African Union Mission to Somalia إخراجها من العاصمة مقديشو ومناطق هامة أبرزها منطقة كيسمايو؛ وبهذا خسرت موردا اقتصاديا هاما لها، وكذلك مدينة جوهر التي تبعد عن العاصمة مقديشو بحوالي 90 كم.

وبالرغم من الانتكاسات الأخيرة للحركة فإنها لا تزال تعتمد على أسلوب الكر والفر في مواجهة قوات أميسوم وقوات الحكومة الصومالية بقيادة الرئيس الجديد؛ حيث أعلن قادة الحركة أن انسحابهم من هذه المناطق ما هو إلا “انسحاب تكتيكي” وأنهم سيواصلون قتالهم ضد أعدائهم، ولم يقتصر صراع الحركة على الداخل الصومالي فقط بل أخذ بعدا إقليميا ويعكس ذلك بعض العمليات التي نفذتها داخل إثيوبيا، وتفجير كمبالا في أوغندا 2010، وعملية احتجاز الرهائن التي نفذتها في مول ويست جيت التجاري في سبتمبر 2013، والذي أودى بحياة عشرات الأشخاص.

ويسعى هذا الكتاب إلى التعرف على الأسباب التي ساهمت في نشأة حركة متشددة كـ”الشباب المجاهدين” بمجتمع يتمتع أهله بوحدة الدين واللغة والمذهب فكلهم مسلمون سُنة ويتبعون المذهب الشافعي، وبحث ماهية العوامل التي مكنتها كحركة معارضة مسلحة من السيطرة وفي وقت قصير على جزء كبير من الصومال، ثم تراجعها بعد ذلك، وأسباب ارتباطها بتنظيم القاعدة مؤخرا، وماهية السيناريوهات المستقبلية للوضع في الصومال.

وإذا نظرنا إلى أهمية تناول هذا الموضوع الآن فسنجد أهمية كبيرة وذلك يرجع إلى:-

يقدم نموذجا عمليا لفئة من الحركات التي تصنف نفسها على أنها “حركة إسلامية وتتبنى النهج المتشدد” عندما تصل إلى السلطة، والممارسات التي يمكن أن تنتهجها في تلك الحالة.

التواجد القوي للحركة في الصومال وانتشارها بشكل لافت للنظر قبل تراجعها مؤخرا؛ مما يجعلها نموذجا يمكن أن تحتذي به جماعات المعارضة المسلحة في دول أخرى، وهذا يقتضي معه دراسة الحركة، ومعرفة الإطار التنظيمي والفكري والحركي لها، والأسباب التي مكنتها من ذلك.

اتساع تأثيرها من المستوى المحلي إلى المستوى الإقليمي بعد تبنيها تفجيرات كمبالا في أوغندا التي وقعت في الحادي عشر من يوليو2010 وهجومها على مول ويست جيت التجاري في كينيا 2013، وإعلان انضمامها رسميا لتنظيم القاعدة، وقتالها الدائر مع القوات الكينية والإثيوبية.

أصبحت الحركة محل اهتمام عالمي من قبل الولايات المتحدة وباتت عاملا هاما في الصراع الأمريكي مع الحركات الإسلامية في القرن الإفريقي، ويستدعي تصنيف الولايات المتحدة للحركة على أنها إرهابية دراسة هذا الاتهام، وهل هو حقيقي أم أنه مرتبط بمحاربة الحركات الإسلامية الذي تبنته الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 والذي ينسحب على أي حركة ترى الولايات المتحدة أنها لا تحقق مصالحها.

أهمية المنطقة التي تقع فيها الصومال لإشرافها على الممرات المائية العالمية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتمثل منطقة مرور نحو الخليج العربي وشرق وجنوب آسيا؛ مما يجعل ما يحدث في الصومال له تأثير على المناطق المجاورة، خصوصا بعد تفاقم ظاهرة اختطاف السفن قبالة السواحل الصومالية، وأهميتها لنا كدولة عربية وما يقع فيها يؤثر على العالم العربي والإسلامي ككل.

تجربة الصومال هذه تدق ناقوس الخطر لكل الدول العربية التي حدثت بها ثورات على الحكام ومنها مصر بضرورة الحفاظ على وحدة الوطن والتعبير عن جميع فئاته، وإعلاء مصالح الوطن العليا والحفاظ على مؤسسات الدولة، فوق مصالح الأحزاب والجماعات المختلفة وإلا ستذهب الدول مع خلافاتها السياسية الحادثة -إن لم يتم تداركها- إلى السيناريو الأسوأ وهو “السيناريو الصومالي” أو ما يطلق عليه “سيناريو الدولة الفاشلة”.

وقامت الباحثة بإجراء مقابلة مع مواطنيّن صومالييّن من المتواجدين بمصر (فضوا ذكر أسمائهم)، الأول أشار إلى أن الصوماليين وقفوا بجانب الحركة حينما قاتلت القوات الإثيوبية التي غزت بلدهم؛ لأنهم يشتركون جميعا في رفض أي تواجد خارجي على أرضهم، لكنهم رفضوا ممارساتها المتشددة بعد ذلك خصوصا موقفها من النساء، أما المواطن الثاني فقال أن تجربة الحركة تجربة سيئة وأدت إلى إضرار قضية الصومال أكثر موضحا أن ممارساتها تنصب على إيذاء المواطنين الصوماليين أكثر من صراعها مع إثيوبيا أو غيرها، وقد ضاق الصوماليون ذرعا بأفعالها، ولا يفهم كيف تسعى هذه الحركة إلى تطبيق الشريعة في بلد كل أهلها من المسلمين السنة، مؤكدا أن الصوماليين مسلمون مخلصون لدينهم ويتبعون تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

وتم تقسيم الموضوع في مبحث تمهيدي وآخر ختامي بينهما ثلاثة فصول، حيث يتناول المبحث التمهيدي الحديث عن أبرز الحركات الإسلامية في الصومال بشكل عام، ثم الحديث بالتفصيل عن حركـة “الشباب المجاهدين” -محل الدراسة- في ثلاثة فصول تدور حول الإطار التنظيمي والفكري والحركي لها؛ فالفصل الأول يتناول ظهور الحركة والعوامل التي أدت إلى نشأتها وهيكلها واللجان الفرعية التابعة لها، ومصادر تمويلها، وأبرز قادتها، وارتباطها بـ “القاعدة” كتنظيم.

أما الفصل الثاني فيتناول الإطار الفكري للحركة، من خلال الحديث عن أيديولوجيتها وأهدافها التي تتقاطع مع غيرها من الحركات المتبنية لنفس أيديولوجيتها، وموقفها الفكري من أطراف الصراع الأخرى.

كما تناول الفصل الثالث الإطار الحركي لها، من خلال تعقب ممارساتها وسمات عملياتها قبل وبعد نشأتها العلانية، وتعاملها مع الحركات الإسلامية الأخرى في الصومال، وموقفها من المدنيين والصحفيين في مناطق سيطرتها، وموقفها من القوات الصومالية وبعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال (أميسوم)، وتعاملها مع منظمات الإغاثة الإنسانية التي تعمل داخل الصومال، وموقف القوى الدولية منها وخصوصا الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

وينتهي بمبحث ختامي يتناول تقييم لتجربة هذه الحركة السيناريوهات المحتملة لمستقبها في الصومال، ولفت انتباه الدول العربية وخاصة مصر لأخذ العبر من تجربة الصومال هذه لأنها تدق ناقوس الخطر لكل دول المنطقة التي حدثت بها ثورات شعبية لتوخي الحذر وضرورة حماية وحدة الوطن والتعبير عن جميع فئاته، والحفاظ على مؤسسات الدولة وتقديم مصالحها العليا فوق مصالح الأحزاب والجماعات المختلفة وإلا ستذهب هذه الدول مع خلافاتها السياسية الحادثة، إن لم يتم تداركها، إلى السيناريو الأسوأ وهو “السيناريو الصومالي” أو ما يطلق عليه “سيناريو الدولة الفاشلة”، وانتشار هذه النوعية من الحركات المتشددة.

تنزيل عرض الكتاب
%d مدونون معجبون بهذه: