تقييم رد الفعل الحكومي على ترحيل الصوماليين في كينيا

multaqaheaderمقدمة:
كانت جمهورية كينيا المجاورة للصومال من الجنوب الغربي من الدول المؤثرة سياسيا في جارتها الشمالية الشرقية منذ سقوط الحكم العسكري في الصومال مطلع عام 1991م، واحتضنت كينيا منذ ذلك الحين الآلاف من اللاجئين الصوماليين، وبعد استقرار الصوماليين في كينيا بدأوا بتحويل الحي الذي يسكنه غالبية منهم (أيستلي) في نيروني إلى مركز تجاري كبير ومن أكبر أسواق شرق إفريقيا، وأصبح الصوماليون من أبرز الفئات الكينية اقتصادياً في البلاد بعد نجاحهم في تحجيم السيطرة الهندية على نطاق الأعمال المتوسطة والصغيرة، واحتكار الهنود بالاستيراد لفترة طويلة في دول شرق إفريقيا.

وأدى إمساك كينيا بزمام المبادرة في مؤتمر إمبغاتي (وقبله مؤتمر إلدوريت) 2002-2004م، وتشكيل حكومة عبد الله يوسف في نيروبي، وذلك بعد فشل حكومة عبد القاسم صلاد حسن التي شكلت في مؤتمر عرته بجيبوتي 2000م أدى ذلك إلى أن ينظر كثير من المواطنين الصوماليين إلى كينيا بنظر شكوك حول نواياها الحقيقية تجاه الصومال.

وكانت الحكومة الكينية في أكتوبر 2011م قررت إرسال قواتها إلى الصومال بهدف إبعاد المسلحين الإسلاميين من حدودها وذلك من دون أن تشتشير حكومة شيخ شريف في مقديشو، ودرَّبت عناصر من القوات الصوماليون وجبهة رأس كامبوني التي يقودها الشيخ أحمد مدوبي، وبعد أن تم طرد حركة الشباب من كيسمايو واستولت القوات الكينية على كيسمايو تحوَّلت القوات الكينية إلى قوات أميصوم لحفظ السلام.

ومنذ انتخاب الرئيس الحالي حسن شيخ محمود في سبتمبر 2012م دخلت العلاقات الصومالية الكينية نفقا مظلما لاسيما بعد أزمة جوبا والصراع حول إدارة مدينة كيسمايو الساحلية، وعدم اعتراف الحكومة بإدارة أحمد مدوبي الذي كان يحظى بتأييد واسع من كينيا، وبعد أن ترددت تصريحات صومالية في شأن حيادة القوات الكينية والمطالبة بسحب قواتها من الصومال؛ صرحت كينيا على لسان قيادة جيشها بأنها لن تنسحب من الصومال مادام أن مصلحتها الأمنية تواجه تهديدا.

واختارت الحكومة الصومالية منذ أحداث كيسمايو عدم التصعيد السياسي ضد الكينيين علنا، فدخلت مفاوضات مع أحمد مدوبي، واتفقت معه في حل الصراع على السلطة في مناطق جوبا، وتشكيل كيان توافقي في غضون عامين.

دلالات الأزمة الراهنة:

قال الأستاذ عبد الرحمن حاشي الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي – ضيف البرنامج – :: ” يحتمل أن يتَّجه مسلمو كينيا الذين يعانون من تمييز واضطهاد إلى الفكر الراديكالي بعد أن فقدوا كل آمالهم في إيجاد حقوقهم الدستورية”.

ويعتقد محللون أمنيون ومسؤولون أن عملية مكافحة الإرهاب الجارية في كينيا ستنتج عنه عواقب غير حميدة قد تضر بالتقدم المحرز على صعيد تعزيز التسامح والتعايش السلمي بين المواطنين الكينيين.

وحسب ما قاله موقع صباحي فإن المحللين حذَّروا من إن النتائج غير المقصودة للعملية الأمنية دقت إسفينا بين المسيحيين والمسلمين في كينيا، وبات من السهل على حركة الشباب استخدامها لإثارة الفتنة الطائفية وزعزعة الأوضاع لتحقيق أهدافها العنيفة.

قال عبد الرحمن حاشي: “الحكومة الكينية تتَّخذ من هذه العملية مناورة وذريعة في استباحة ممتلكات الصوماليين ونهبها، وهذه الحرب في الحقيقة ليست حربا ضد الإرهاب بل هي حرب اقتصادية لعرقلة الاقتصاد الباهر الذي نجح فيه الصوماليون في كينيا”.

وقال ضيف برنامج الملتقى الشهري الشيخ الأستاذ المحاضر والقانوني الصومالي حسن جامعي: “إن الحملة الكينية على الصوماليين وراءها خمسة أسباب، الأول: الفشل السياسي الداخلي للحكومة الكينية، الثاني: فشلها أيضا في الأمن الداخلي، الثالث: كون الرئيس الكيني الحالي أوهورو مدانا بقضية جنائية في محكمة الجنايات الدولية، الرابع: التحكم في الاقتصاد الكيني والموارد البشرية” ومنها عدم السماح للعرق الصومالي بأي نفوذ في الساحة الكينية اقتصاديا وسياسيا ودينيا وغير ذلك.

أسباب الاعتقالات الجماعية ضد الصوماليين في كينيا:

كان الهجوم المسلح على المركز التجاري في نيروبي (ويست غيت) في 21 سبتمبر 2013م من أكثر المبررات الكينية في الحملة على الصوماليين خاصة وعلى المسلمين في الساحل عامة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ومواجهة خطر حركة الشباب على الأمن القومي الكيني.
إلا أن الانفجار الذي وقع في حي إيسلي في نيروبي ليلة الثلاثين من مارس 2014م وأودى بحياة ستة أشخاص مدنيين عجَّل من الحملة الكينية على الصوماليين، وفي الصباح التالي شوهد في حي إيسلي شاحنات عسكرية تعتقل الشبان والنساء والأطفال بصورة عشوائية وبعيدة عن الإنسانية، وتنقلهم إلى محتجز كان ملعبا لكرة القدم قرب مركز شرطة بنغاني، وقد أظهرت المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي والتلفزيونات صورا مأساوية حول تعامل السلطات الكينية مع المواطنين اللاجئين الصوماليين، وتوالت ردود الأفعال الشعبية.
ونددت كل من منظمة هيومن رايتس ووتش ومقرها أمريكا والمفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في تعامل السلطات الكينية بقسوة مع الصوماليين المقيمين في نيروبي.

وقالت المفوضية الأممية في موقعها على الإنترنت: إنها تعبر عن قلقها بشأن اعتقال أكثر من ألف لاجئ صومالي وملتمس لجوء واحتجازهم بعدما تمكنوا من الوصول إليهم خلال عمليات مكافحة الإرهاب التي شنتها قوات الأمن الكينية في نيروبي منذ 4 من إبريل 2014م والتي تستهدف الأجانب غير المُوَثَّقين.

وأضافت المفوضية: “على الرغم من السماح لنا بدخول إستاد كسراني وغرف الحجز بأقسام الشرطة حيث يُحتجز من تم إلقاء القبض عليهم وكان باستطاعتنا تأمين إطلاق سراح عدد من الذين يحملون وثائق اللاجئين، إلا أن المفوضية تشعر بالانزعاج لورود تقارير عن حدوث مضايقات وغيرها من الاعتداءات، إضافةً إلى ذلك فإن إستاد كسراني ومراكز الشرطة مزدحمة للغاية، كما أن مرافق الصرف الصحي بها غير ملائمة للاستخدام”.

وقال ضيف برنامج الملتقى حسن محمود علي الملقب بـ (حسن جامعي) إنه تم اعتقال مئات الصوماليين في معتقل جماعي واحد، وهذا ما فعله الحلفاء ضد اليابانيين إبان الحرب العالمية الثانية إهانة لهم، فكانت هناك في ذاك الاحتجاز الجماعي حالات ولادة وتوفيت إحدى هؤلاء السيدات في عملية الولادة، ولم يكن لهذا المعتقل دورات مياه وحمامات، وكان المحتجزون يتبوَّلون ويتغوطون في فناء المحتجز الأمر الذي سبب في أزمة صحية كبيرة.

وهذا التعامل يستوي فيه الصوماليون الذين ولدوا في كينيا والصوماليون اللاجئون، الذين لهم حقوق شرعية في إقامة أرض كينيا لأن القانون الدولي والاتفاقات الدولية عام 1969م يسمح لكل من لا يأمن ويشعر بالخوف في وطنه بالهجرة إلى مكان يأمن فيه”.

وقال الأستاذ عبد الرحمن حاشي الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي – ضيف البرنامج – : ” ما يتعرض له الصوماليون في كينيا هو اضطهاد ديني وعرقي قديم – جديد، والفرق هو الأسلوب ففي عام 1960م كان الصوماليون يوصفون بالعصابات التخريبية ويحرمون من أي دور سياسي واجتماعي، واليوم يوصفون بالإرهاب والعلاقة مع حركة الشباب وغير شرعيين، وهناك تزايد سمة بغض الأجنبي في المجتمع الكيني، وليس هناك تفريق بين الصومالي المولود في كينيا وبين الصومالي اللاجئ الذي جاء من وراء الحدود”.

تقييم مستوى رد الفعل الحكومي (الرئاسة ووزارة الخارجية) تجاه الأزمة:

لم تقم الحكومة الصومالية برد فعل تجاه أزمة المواطنين الصوماليين في كينيا، ولم تحرك ساكنا، فعلى الصعيد الرسمي لم تصدر الحكومة الصومالية بيانا تندد فيه بالحملة الأمنية ضد الصوماليين، وهذا ما فسره كثير من المتابعين بالموقف الضعيف الذي تقِفُه دولة الصومال تجاه السياسة الخارجية ومصالح مواطنيها في خارج الحدود.

قال عبد الرحمن حاشي ضيف البرنامج: ” يجب أن نعلم أن الصومال ليست مستقلَّة في سياساتها الخارجية، فقبل أيام زار الرئيسي البوروندي مقديشو، ولم تكن الحكومة الصومالية على علم بذلك، وعندما جاء إلى معسكر حلني هاتف للرئيس الصومالي بأنني موجود، وعندما تم لقائهما في حلني كان العلَم الصومالي مفروشا في الطاولة وكان العلَم البوروندي منتصبا، كان بإمكان الرئيس الصومالي أن يبلغ نظيره البوروندي بأنه لم يكن على علم بزيارته وأهداف زيارته، ويعتذر عن مقابلته ويرسل من ينوب عنه.

وعندما جاء الرئيس الصومالي في زيارة إلى نيروبي أثناء أزمة الصوماليين في نيروبي دخل مع نظيره الكيني صورا تذكارية وشارك في افتتاح شركة طيران كينية جديدة في مطار نيروبي، بينما الشعب الصومالي زج بمعتقل كبير فيه النساء الحوامل والشيوخ والأطفال على بُعد كيلومترات قليلة.

كان رد الفعل الحكومي خجولا ومحبطا للغاية، ولم تستخدم الحكومة الوسائل الدبلوماسية في إيقاف هذه الأزمة”.

وقال حسن جامعي ضيف البرنامج: ” في زيارته إلى نيروبي أعطى الرئيس الصومالي صورة سيئة عن الصوماليين، لكونه لم يتعاطف مع الصوماليين المضطهدين في كينيا، وكان عليه أن يقطع الزيارة للأحداث في نيروبي، ويقدم احتجاجه إلى الرئيس الكيني.

وكان دور وزارة الخارجية الصومالية سلبيا للغاية، فلم تصدر بيانا واحدا حول الأحداث في كينيا والتنديد بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الشعب الصومالي، والإساءة إلى الصومال ككيان موجود على الأرض، إلا أنني أثني على السفير الصومالي محمد علي أميركو في دوره الملموس وتحركاته تجاه الأزمة”.

تقييم مستوى رد فعل السفارة الصومالية في كينيا:

كان تحرُّك السفير الصومالي لدى كينيا محمد علي نور أميركو إيجابيا إلى حد بعيد، حيث قام بزيارات عديدة إلى أماكن احتجاز الصوماليين في الاعتقال الجماعي في نيروبي، والتطقت الصور السفير أميركو وهو يرفع طفلا ويتحاور مع نساء في داخل أماكن الاعتقال الجماعي.

واصطحب السفير في الطائرة مع الصوماليين الذين تم ترحيلهم من نيروبي قسرا إلى مقديشو، وكل هذه التحركات أعطت صورة إيجابية عن السفير.

دلالات اعتقال القنصل الصومالي في كينيا:

في يوم الجمعة 25 من أبريل 2014م اعتقلت السلطات الكينية القنصل الصومالي في كينيا سياد محمد شري أمام منزله في نيروبي في تصعيد كيني خطير تجاه الأزمة بين البلدين، وطالب رئيس البرلمان الصومالي محمد عثمان جواري كينيا بإطلاق سراح القنصل الصومالي، واعتذار كينيا للحكومة الصومالية، إلا أنه لم يحدث شيء من ذلك.

غير أن كثيرا من المتابعين عبروا عن اندهاشهم واستيائهم في الانتهاكات الكينية للقوانين والأعراف الدبلوماسية حيث اعتقلت دبلوماسيا صوماليا له كامل الحصانة، وأن كينيا لا تستهدف الإرهاب وحركة الشباب على حد زعمها؛ بل تسيء إلى الشعب الصومالي وكيانه ووجدانه، وتستهدف الصوماليين المقيمين في كينيا بكل أطيافه من التجار والنساء والأطفال والدبلوماسيين والصحفيين والشيوخ المتقدِّمين في السنّ.

وذكرت تقارير صحفية أن كينيا بعثت إلى كيسمايو قنصلا كينيا لتدعيم علاقاتها مع إدارة كيسمايو إلا أن المتحدث باسم الحكومة الصومالية نفى وجود قنصل كيني في البلدة الساحلية.

الإجراءات الملائمة لمواجهة الأزمة:

استدعت الحكومة الصومالية يوم 27 أبريل سفيرها في كينيا محمد علي نور أميركو، إلا أنه قال في تصريح لموقع صباحي: إن استدعائي لم يصل إلى مستوى سحب سفير، ما زالت السفارة تواصل أعمالها، وقد أتى استدعائي نتيجة الحاجة إلى تقديم تقرير حول المعاملة التي تلقاها القنصل ووضع الصوماليين الذين يعانون في كينيا، أنتظر من الحكومة الكينية الاعتذار عن الإساءات، وإذا لم يحصل ذلك سنقوم بالرد”.

وعندما استدعي السفير من قبل مجلس الحكومة الصومالية لتقديم تقرير عن وضع الصوماليين في كينيا لم يصدر عن المجلس أي قرار .

توصيات عامة حول الردَّ الصومالي الأنسب تجاه الأزمة:

توصل مشاركو برنامج الملتقى الشهري، إلى أنه يجب على الحكومة الصومالية الضغط على كينيا من خلال الوسائل التالية:

أولا: استدعاء السفير الصومالي، وطلب اعتذار رسمي من الحكومة الكينية للصومال على هذه التجاوزات الدبلوماسية والسياسية والإنسانية.

ثانيا: إيقاف العقود والصَّفقات التجارية مع كينيا، بما في ذلك شركات الطيران وغيرها.

ثالثا: سحب القوات الكينية من مناطق جوبا في الجنوب، والتي تتواجد بشرعية أميصوم.

رابعا: إصدار بيان تراجع فيه العلاقات الثنائية بين البلدين.

خامسا: على الصعيد الشعبي تنظيم احتجاجات شعبية ومظاهرات سلمية في الداخل والخارج، حتى وإن لم تسمح بها السلطات الصومالية في مقديشو، بشرط أن لا تشتمل على عنف.

سادسا: التنسيق بين أطياف المجتمع من العلماء والمثقفين والسلاطين والسياسيين والنساء لعمل ندوات ولقاءات ونقاشات جماهيرية في مواجهة التعدّيات الكينية.

تعليق واحد

  1. صرخة فارس الصومال لاسعانود الملثم بالمرصاد

    بسم الله الرحمن الرحيم ، يؤسفني ما قرأته حول أوضاع شعبنا الصومالي اللآجئ والقابع في أرض كينيا ، ولم أتوقع البته طريقة تعامله بدلاً ان يتصور كعارض أزياء وأبتسامات في الهواء وقلل من أحترامه أمامهم هل هذا رئيسنا الذي أكن له الاحترام كحامي الديار والقفار والمواطنيين هذا الفعل ليس من شيم رجل حاكم بلد أن لم يكن له شخصية للأغراب فاكيف بالله سيكون له حدود وطن وهل احترامه وشخصيتة في الذاخل ستزداد ، وهنا تذكرت حينما قرااءات قصة صارت لي شخصياً عندما كنت اقوم بزيارة لأحدى البلدان العربية الصديقة حيث قابله القنصل العام في القنصلية الصومالية وسألته سؤال بسيط جاء في خاطري هكذا .. وكنت أتوقع الرد الفعلي من سيادته وسؤالي كان ،، كم عدد المواطنيين الصوماليين في هذه البلد ؟؟؟وفأجاني برده الجواب وهو في قمة الأندهاش والله لا أدري فقلت له أذا لم تدري فين حقوق المواطنيين الصوماليين عليك وكيف ستعرف أتعابهم وشقائهم وظروفهم وأخبرته بطبيعة الحال لاتدري هل هناك مساجين أبرياء كونهم ليس لديهم بلد .. هل هم في ارتياح تام هل هما مضطهدين وهل وهل وهل وهلم جرى .. أنتهى أكتفي بهذا القدر من الحديث
    .. والسلام ختامنا ..

%d مدونون معجبون بهذه: