أرض الصومال بين الانفصال والاستقلال

بقلم/ حسن عيسى:

أرض الصومال هي أول منطقة صومالية نالت استقلالها في 26 من شهر يونيو عام 1960م من قبل المستعمر البريطاني؛ بعد صراع طويل ومرير ضد المستعمرين الغربيين الذين قسَّموا الأراضي الصومالية إلى خمسة أجزاء، وكان ذلك بداية لمرحلة جديدة يرفرف فيها أول علم صومالي في بقعة من الأراضي الصومالية.

 وبعد أربعة أيام من استقلال الصومال الجنوبي أو الصومال الإيطالي في 1 يوليو عام 1960م تم إعلان توحيد الشطرين الجنوبي والشمالي، و بذلك كونا جمهورية الصومال التي انهارت عام 1991م على يد مليشيات وحركات معارضة للنظام العسكري الذي حكم البلاد 21 عاما.

وبعد واحد وثلاثين عاماً من الوحدة والاندماج بين الشطرين الصوماليين برز في الساحة كثير من السياسيين الصوماليين في الشمال ممن يعتقدون أن الوحدة كانت عرجاء وأنها كانت وحدة غير متجانسة وغير متكافئة بسبب قيام الجنوبيين بأخذ نصيب الأسد في مناصب ومسؤوليات القطاع العام في الصومال مما سبب الحروب الأهلية التى أكلت الأخضر واليابس ومزقت البلاد إلى دويلات وعشائر متناحرة ومتناثرة، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى أن تعلن أرض الصومال أو شمال الصومال استقلالها أو بالأحرى انفصالها عن إخوانهم الجنوبيين في 18 مايو 1991م.

مقارنة بين الاستقلالين

استقل الشماليون في يونيو 26 عام 1960م عن المستعمر البريطاني الأجنبي الذي غزا هذه المنطقة قادما من بلاد ما وراء البحار في إطار المطامع الأوروبية في التوسع واستغلال موارد الآخرين بقوة السلاح على خلاف ما قيل من أن المستعمرة البريطانية في أرض الصومال كانت تهدف إلى حماية مستعمرتها في عدن من القوى الأخرى التي كانت منافسة لها آنذاك مثل فرنسا التي احتلت الساحل الصومالي (جيبوتي ).

 والواقع أن هؤلاء المستعمرين الأجانب كانوا ينهبون ثروات وخيرات البلاد، وكانوا يتكلمون بغير لغة أهل البلاد، ويتخلقون بغير أخلاقهم، فضلا عن الاختلاف الديني الكامل؛ وبالتالي كانت الحاجة ماسة للاستقلال عن رجزهم واستعبادهم واستغلالهم بهدف الخروج إلى عالم الحرية والاستقلال الذي ينشده كل إنسان حر بغض النظر عن جنسه ولونه.

أما الاستقلال الأخير فهو استقلال تم في 18 مايو 1991م؛ حيث انفصل الشماليون عن الجنوبيين الذين يشتركون معهم في قضايا كثيرة ومهمة، ومنها الدين والجنس واللغة وكذا قرابة الدم. ويرى المسؤولون في صومالي لاند أن ذلك بمثابة استعادة لاستقلالهم الأول بما يعني أنهم حين استقلوا عن الاستعمار الأول دخلوا في مرحلة أخرى من الاستعمار الداخلي، وهذا الأمر يدعونا إلى التساؤل ما الذي يجعل يوم إعادة الاستقلال أهم من يوم الاستقلال الأصلي؟

ويجيب بعض قادة الرأي في الشمال عن هذا السؤال بقولهم إن الجنوبيين أخذوا كل المناسب العليا للحكومة الصومالية الوليدة في بداية الستينيات من القرن الماضي بدءا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان وانتهاء إلى أبسط الوظائف؛ ولم يُبقوا للشماليين سوى بعض الفتات من الوزارات الهامشية أو إدارة بعض المؤسسات الصغيرة من هنا وهناك.

ومن جهة ثانية يرى المعارضون لهذا الرأي ممن تحدثوا لشبكة الشاهد بهذا الخصوص من قادة الرأي – أن فترة الحكم العسكري التي نال فيها الشماليون أكبر الضرر كانت فترة لاقى فيها الجميع العنت والشدة بشكل متساو بحسب قوة المعارضة التي أبداها طرف دون آخر؛ وبالتالي فإن ازدياد القمع والضغط على الشماليين كان كنتيجة طبيعية لزيادة معارضتهم المسلحة ضد الحكم الشيوعي الشمولي آنذاك.

وعلى هذا الأساس فإن هناك من يعارضون لفكرة الانفصال بشدة معتقدين أن فكرة الانفصال لا تنبني على أساس صحيح على اعتبار أن الزمن والقادة السياسيين والواقع العام وجميع عناصر التفرق قد تغيرت تماما أكثر من أي وقت مضى؛ وذلك بعد 23 سنة من الانفصال الذي لم يجلب للشماليين أي اعتراف رسمي من المجتمع الدولي.

ومما يزيد اعتقاد البعض أن الوحدة أحسن من الانفصال وجود شكاوى سياسية مماثلة لتلك التي حدثت أيام الحكم العسكري من استئثار للسلطة وغيرها في النظام القائم في أرض الصومال حسبما أكد مؤخرا المعارض السياسي الكبير المهندس فيصل علي ورابي رئيس حزب أُوعِدْالمعارض؛ حيث قال متحدثا لقناة يونيفرسل الصومالية إن الحزب الحاكم في صومالي لاند يستأثر الكثير من السلطات على حساب الأحزاب والقبائل الأخرى. بالإضافة إلى ذلك هناك من ينتقد سياسة جبهة تحرير إس إن أم؛ باعتبارها كانت تمثل قبيلة واحدة دون بقية القبائل في المنطقة حسب رأيهم.

تغيير العيد الوطني

يستغرب بعض المعارضين للانفصال مساعي جمهورية أرض الصومال لاستبدال يوم 18 مايو الذي انفصلت فيه صومالي لاند عن الجنوب بيوم العيد الوطني الرسمي الذي تحررت البلاد من الاستعمار البريطاني عام 1960م، ومن مظاهر تلك الخطوة تعطيل كافة الأنشطة والأعمال الحكومية والمدارس والجامعات خلال يومين كاملين أثناء احتفالات 18 مايو من كل عام؛ حيث يحتفل الناس خلال هذين اليومين لهذه المناسبة ويشترك فيه جميع شرائح الشعب في الاحتفاليات المقامة في الداخل والخارج توقيرا لهذه المناسبة، ومن يخالف أوامر الحكومة تجاه استعدادات هذه المناسبة يلقى عقاباً كبيرا. أما مناسبة 26 يونيو التي توشك أن تحمَى من الذاكرة فتنحصر في احتفالية صغيرة تقام في القصر الرئاسي بهرجيسا، وتستمر ليلة واحدة، ولا تلقى أي استعدادات رسمية توازي استعدادات يوم 18 مايو، والسؤال الذي يُطرح في هذا الصدد هو : ما يعني هذا التصرف الذي تتغير بسببه الموازين.؟

وأخيرا رغم أن هناك من يعتقدون أن حقوقهم مهضومة في أرض الصومال؛ ولا سيما سكان محافظات أودل وسول وسناج إلا أن ذلك لا يبرر لهم أن يساهموا في إحداث فوضى كالتي حدثت في جنوب الصومال حفاظا على المكتسبات العامة التي لا تُقدَّر بثمن، والتي تتمثل في الأمن والاستقرار الذي تتميز به أرض الصومال مقارنة بمناطق كثيرة في جنوب ووسط الصومال، وبذلك تكون أرض الصومال خطوة جديرة بالاقتداء بالنظر إلى ما حققته من تطور عمراني وتماسك مجتمعي إلى حد ما ، ولا شك أنها تتوصل إلى حلول للشكاوى المثارة ضد النظام القائم بشأن سوء توزيع مناسب الدولة والثروة تماما كما تغلبت على كثير من التحديات في مجالات مختلفة.

تعليق واحد

  1. صرخة فارس الصومال لأسعانود الملثم بالمرصاد

    بسم الله الرحمن الرحيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته … لا شك بأن المقال عظيم وكاتبه عظيم في وطنيته ولهذا بالفعل لدينا مشكلة خطيرة إلى أقصى الحدود تمس الأمن القومي لوطننا الصومال .. وشكري لسيد كاتب المقال الذي أورد كل الحقيقة .. والسلام انتهى

%d مدونون معجبون بهذه: