تجنيد الأطفال في الصومال .. واقع يلفه الصمت !! – الجزء الأول

لاحت في الصومال ظاهرة تأباها الإنسانية، وتمنعها الحقوق الدولية، ويرفضها الرأي العام المحلي والعالمي، وهي تجنيد الأطفال قسراً وإرغامهم على خوض غمار العنف الدائر في الصومال رغماً عنهم.

وبادئ ذي بدء ينبغي علينا، أن نعرض جذور هذه الظاهرة السائدة في الصومال بعد انهيار الحكومة المركزية في عام 1991م
الجذور التاريخية:

بعد أن دمرت الحروب القبلية أركان الحكومة المركزية، واندلع العنف بأسره في ربوع الصومال أكلت هذه الحروب القبلية معالم المدينة الخضراء (مقديشو) وتحولت المدينة بفعل ذلك إلى حطام وركام لا يطاق.

عندها كانت الحركات المسلحة تتزايد حتى بلغ تعدادها أكثر من 13 حركة مسلحة مشحونة بالانتماء القبلي كما كانت النعرة القبلية هي الثقافة السائدة فيما بينهم، وكان كل فصيل يحاول استقطاب مسلحين جدد دون تمييز سواءً كان صغيراً أم طاعناً.

وكان ملحوظا بل ومألوفا أن تجد في الصفوف الأمامية للقتال أطفالاً لا يتجاوزون سن البلوغ، وكان الدافع المادي والإغراءات والعواطف القبلية هي التي تضخ مزيداً من الشحنات لهؤلاء الأطفال الصغار، وأصبح الطفل بمثابة وقود النار.

بدأ بتجنيد الأطفال أمراء الحرب الذين عاثوا فساداً في الصومال، بعد خروج القوات المتعددة الجنسيات عام 1995 للوصول إلى سدة الحكم، وكانت الثقافة السائدة فيما بينهم هي ثقافة الحديد والدم، كل منهم يبحث عن نصر عسكري آنذاك فوق جماجم الأطفال الأبرياء الذي لا حول لهم ولا قوة.

وفى مطلع عام 2003 شبت النار بين أمراء الحرب وعدد من قياديي المحاكم الإسلامية التي كانت تواصل دعوتها بشكل سري، لكن النار ازدادت اشتعالاً بعد أن بدأ أمراء الحرب باختطاف الأبرياء ومن ثم إطلاق سراحهم بعد دفع مبالغ باهظة تتراوح بين 5 و8 آلاف دولار أمريكي، إلا أن أمراء الحرب لم يستطيعوا البقاء أمام المحاكم الإسلامية طويلا، واندحروا في عام 2006 و صعد نجم المحاكم الإسلامية.

بعد أن بسطت المحاكم الإسلامية نفوذها على جنوب الصومال، لم تتخل عن تجنيد الأطفال أيضا، ودعت في ميدان عام إلى فتح معسكرات لتدريب الصوماليين، وكانت شريحة الأطفال هي التي تحظى بالأولوية بسبب ضعف عقليتهم وغيابهم عن مجريات الأمور، واستقطبت المحاكم الإسلامية أكثر من 100 طفل في عام 2006، وشعرت بأنها قوية العضلات، وتستطيع صد كل الطامعين من الدول الإقليمية وخصوصاً إثيوبيا العدو التقليدي للصومال، إلا أن المحاكم الإسلامية نسيت أنها تواجه إمبراطورية القرن الأفريقي ذات الجيش المنظم والمزود بالأسلحة الحديثة والطائرات الحربية بالإضافة إلى استعانته بالأمريكان الذي يعطيهم كل الحقائق والمعلومات.

وبدأ القتال يدور بين المحاكم الإسلامية والقوات الإثيوبية داخل الصومال ، ولم تستطع المحاكم الإسلامية البقاء أمام هذه القوات الإثيوبية وفرت من ميادين القتال تاركة وراءها مزيداً من الضحايا غالبيتهم أطفال لم يتسن لهم الجلوس على مقاعد الدراسة وكانوا يحلمون بذلك بكل حماسة لكن أرواحهم البريئة أصبحت في قطار الموتى في نهاية عام 2006.
يرى العديد من الصوماليين أن هناك أسبابا ودوافع لتجنيد الأطفال في الصومال، كما أنهم يرون في الوقت ذاته تداعيات وعواقب وخيمة قد تنعكس سلباً على مستقبل الأطفال الذين ينخرطون في العنف والعنف المضاد الممتد لمدة عقدين من الزمن.

ويمكن تلخيص أهم الأسباب والدوافع التي جعلت الطفل الصومالي ينضم إلى ساحات القتال، وما هي الأسباب التي تؤدي إلى تضييق الخناق على الأطفال إذا أرادوا الخروج من رحم هذه الجماعات المسلحة التي ينتمون إليها.

1.الأسباب العاطفية:

هناك أسباب عاطفية تقف وراء انضمام الأطفال الصوماليين في ساحات القتال إما بجانب القوات الحكومية رغم أن دور تجنيد الأطفال من جانب الحكومة قليل جداً أو الانضمام إلى جانب الجماعات المعارضة التي تعطي الأولوية للأطفال المستعدين للانضمام إلى صفوفها، وتوفر هذه الجماعات كل الإمكانيات وتوزع لهم أغنيات وأناشيد قد تثير عواطف الأطفال وترغبهم بالبقاء مع الجماعة المسلحة، كما أن الجماعات المعارضة تقيم دورات ومحاضرات تستثير من خلالها عواطف الأطفال، وتزودهم بالحماسة أثناء القتال ضد القوات الحكومية في مقديشو ،ودائماً يستخدمون الجوالات المزودة ببطاقات الذاكرة الممتلئة بالمحاضرات والخطب ولقطات مصورة تشجعهم بالبقاء في الثكنة العسكرية.

2.الأسباب المادية:

العائق المادي الذي يعاني منه الكثير من الصوماليين سبب نتيجة عكسية على الأطفال الصوماليين، مما أدى إلى انخراطهم مع الجماعات المعارضة بحثاً عن لقمة عيش كريمة بدلاً من التسول في أسواق العاصمة مقديشو.

ويجد الأطفال ضالتهم المنشودة في هذه الجماعات التي قد لا توفر لهم في بعض الأحيان سوى الضروريات من مأكل ومشرب ومأوى بالإضافة إلى أرصدة الجوال للاتصال بأقربائه وأصدقائه.

3.ثقافة الجهل:

الأسباب المادية والعاطفية يمثلان الأسباب الرئيسية في انضمام الأطفال إلى الجماعات المعارضة ورغم ذلك فهناك أسباب أخرى قد لا تقل خطورة عنهما يساهم أيضا في بقاء الأطفال تحت رحم هذه الجماعات. ألا وهو الجهل ومدى تأثيره كبير جدا على حياة الأطفال الصوماليين الذين لا يستطيعون تمييز الخطأ من الصواب والغث من السمين والخبيث من الطيب.

أما الأسباب التي تجبر الجماعات المسلحة على عدم إطلاق حرية الأطفال المجندين بعد انضمامهم فتتمثل فيما يلي:

  1. خوفاً من كشف الأسرار التي أدلوا بها للأطفال بعد انضمامهم إلى الجماعة.
  2. خوفهم من انتقال هؤلاء الأطفال للانضمام إلى القوات الحكومية أو جماعة أخرى، لأنه يعرف أماكن الخلل والضعف في الجماعة التي انسلخ عنها.

التداعيات والانعكاسات:

لا محالة ولاشك أن تجنيد الأطفال سينعكس سلباً على حياتهم ونفوسهم البريئة وأجسادهم التي ظلت تحمل بنادق أثقل منها وزناً وأكثر طولاً، وهي ظاهرة لها سلبياتها وتداعياتها التي يمكن لنا حصرها في البنود التالية:

  • التخلف العلمي والعملي الذي يطرأ على حياة الأطفال المجندين، جراء البقاء في انعزال تام في ثكنة عسكرية في ربيع العمر.
  • البعد عن الأسرة والأقرباء وضياع جيل صومالي من الحياة الإنسانية إلى الحياة الإجرامية مما يؤدي إلى تفكك روابط الأسر الصومالية.
  • كثرة الأطفال الذين ينضمون إلى ساحات القتال اقتداءً بغيرهم حين يرونهم حاملين للبنادق في شوارع مقديشو بحرية، بالإضافة إلى الأوامر التي يصدرها هؤلاء الأطفال تجاه الشعب الصومالي، فتغرهم مظاهر الفتوة والإمارة الخادعة.
  • الآثار الحربية والأمراض النفسية التي تصيب الأطفال المجندين، والذين يتعرضون بشكل شبه يومي لقذائف القوات الأفريقية التي تكثر فيها المواد السامة التي تضر بصحة الأطفال المجندين.

وفى نهاية المطاف فإن تجنيد الأطفال في الصومال بات واضحاً كالشمس في كبد السماء، بسبب فقدان الأطفال المجندين لجهات محلية وأجنبية قد تعتني بحياتهم، وتشرف عليهم وتنقذهم من الضياع فضلاً عن الحكومة الصومالية التي لا تستطيع قدر أنملة بأن تعين أو تقدم لهؤلاء الأطفال المجندين الباقين في الثكنات العسكرية شيئا. ويتساءل العديد من الصوماليين إلى متى يظل أطفال مقديشو في المعترك السياسي، وهل ستأتي بارقة أمل تنجيهم من الخطر الذي يحدق بهم أم أن الجميع سيتفرج وفقط؟!

تعليق واحد

%d مدونون معجبون بهذه: