تليح ..هل تدفع إلى مجازفة غير مأمونة العواقب ؟

يعود أصل النزاع بين الإقليمين الصوماليين المتجاورين إلى أكتوبر 2007م حين تحركت قوات من جمهورية أرض الصومال ( كما تسمي نفسها) إلى مدينة لَاسْعَانُودْ حاضرة إقليم سُولْ الذي يقع ضمن أراضي المحمية البريطانية سابقا وطردت منها قوات بونت لاند التي سيطرت عليها منذ تأسيس الولاية عام 1998م.

في الأزمة الحالية اندلعت شرارة النزاع الأولى إثر زيارة مفاجئة وخاطفة قام بها رئيس أرض الصومال السيد أحمد سِيْلَانْيُو لمدينة لَاسْقُورَي الساحلية الإستراتيجية (في 16 من شهر مارس الماضي) والتي كانت تابعة إداريا لبونت لاند في السنوات السابقة، وتقطنها أيضا قبيلة وَرْسَنْغِلِي التي تشترك أيضا مع سكان منطقة بونت لاند بروابط عشائرية، وقد انزعجت الأخيرة من تلك الخطوة واعتبرتها استفزازا متعمدا يتطلب منها الرد والدفاع عن أراضي تعتبرها تابعة لها، ثم ازدادت الأجواء سخونة بعد دخول قوات من أرض الصومال مدينة “تليح” في 15 من شهر أبريل الحالي.

 وحاليا توجد تحركات عسكرية، وتسخين للأوضاع مما دعا جهات دولية وإقليمية لإبداء قلقها من اندلاع حرب مسلحة بين الجانبين؛ حيث وجه المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال نيكولاس كاي من جانبه نداء إلى الطرفين داعيا التهدئة وتسوية النزاع بشكل أكثر عقلانية؛ مما يعني بوجود احتمالات مؤكدة باندلاع مواجهات عسكرية بين الجانبين، ومن جانبه تحدث وزير الشئون الإفريقي البريطاني مارك سيموندس الذي زار هرجيسا الأربعاء 16 أبريل بهدف البحث مع المسئولين في صوماليلاند حول تهدئة الأوضاع بين الإقليمين.

وفي نفس الوقت اكتفت الحكومة الفيدرالية الصومالية التي لا تتمتع بعلاقات طيبة مع الجانبين بنداء تهدئة للأوضاع والبحث عن سبل أكثر سلمية من المواجهات العسكرية التي تراق فيها دماء الصوماليين حسب بيان الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود.

 إقليم “سُولْ” المتنازع عليه وحاضرته “لَاسْعَانُودْ” تقطنه قبيلة “طُلْبَهَنْتَا” التي تشترك مع إقليم بونت لاند في الانتماء القبلي، وإزاء مشكلة لَاسْعَانُودْ فقد اكتفت إدارة ولاية بونت لاند السابقة باستخدام وسائل سلمية تتمثل في الضغط الإعلامي بوصف الخطوة التي قامت بها إدارة أرض الصومال بـ (الاعتداء) والغزو على المدينة ، واتهام أرض الصومال بمصادرة حقوق المواطنين المشروعة ومنعهم من تقرير مصيرهم دون أن تتجه نحو الحل العسكري ..وبفعل عوامل الزمن اتجهت الأمور بين الإقليمين نحو التهدئة بل سعى الجانبان فيما بعد إلى إيجاد مناخ يوفر أجواء التعاون بينهما في القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل القضايا الأمنية وتبادل العناصر المخلة بأمن الجارتين.

ويعزى سبب إحجام بونت لاند عن المجازفة بالحل العسكري لاستعادة “لَاسْعَانُودْ” إلى صعوبة الحل العسكري بحد ذاته والكلفة الباهظة التي تسفر عن هزات اجتماعية واقتصادية وسياسية يصعب احتواؤها، ونظرا لطبيعة المدينة التي تعاني من خلافات عميقة بين مكونات قبيلة ” طُلْبَهَنْتَا ” التي يؤيد سياسيون منها إدارة أرض الصومال، ويتولون مناصب رفيعة منها، علاوة على وجود ضغوطات من الأمم المتحدة ومن دول الجوار – وبشكل خاص إثيوبيا التي توسطت بين الجانبين – لأن الحرب بين الإقليمين سيشتت جهود الأمم المتحدة لتثبيت أقدام الحكومة الفيدرالية الصومالية ، ويؤثر على محاربة حركة الشباب في الجنوب ووسط الصومال.

وعلى الرغم من وجود العديد من العوامل المتشابكة على غرار النزاعات الحدودية في كثير من الدول الإفريقية التي تكون الاعتبارات السياسية هي حجر الأساس والجانبان دائما ما يختلفان حول توصيف الوضع الراهن وفي الواقع القانوني فإن الدافع الأساسي المحرك لأرض الصومال لإحكام قبضتها على منطقتي سُولْ وسناج الواقعتين بين صوماليلاند وبونت لاند يتلخص في أن وجودها في تلك المناطق سياسيا وإداريا يمنحها شرعية واقعية ودليلا ملموسا على أن قرار الانفصال المعلن إنما هو إجماع من القبائل القاطنة ضمن حدود المحمية البريطانية السابقة، كدليل يصمد أمام الاعتقاد الذي يسود في دوائر دولية وإقليمية بأن قبائل “هارتي” القاطنة في المناطق المتنازع عليها لا تشارك في حمى الانفصال الذي تتزعمه قبائل الإسحاق التي تمسك بزمام الحكم في هرجيسا، وبالتالي فإن أرض الصومال تنشد ردا عمليا على هذا التشكيك.

وهناك دوافع سياسية آنية وراء تحركات أرض الصومال الحالية تتمثل في توجيه ضربات استباقية، تهدف جس نبض الحكومة الجديدة في بونت لاند والتي أعلن رئيسها عبد الولي محمد غاس ونائبه عبد الحكيم عبد الله عن نيتهما لانتزاع ” لَاسْعَانُودْ” من قبضة أرض الصومال، كجزء من حملتهما الانتخابية مما ساعد في تشكل سحب من الشكوك والتوجس لدى قادة أرض الصومال، التي لجأت ردا على هذه التصريحات إلى توسيع نطاق تواجدها في الإقليم، والقيام بزيارات مكوكية ، وتشير تحليلات أخرى إلى رغبة سِيْلَانْيُو رئيس أرض الصومال إلى التغلب على مناوئيه في الداخل بصرف التركيز عن الخلافات الداخلية إلى المناطق الحدودية لتأثير الرأي العام الصوماليلاندي الذي سينظر إلى سِيْلَانْيُو بمثابة البطل الذي يسعى إلى إيجاد دولة قوية تسيطر على كامل أراضيها.

ومما زاد من تعقيد الوضع هو قيام إدارة محلية في مناطق قبيلة ” طُلْبَهَانْتَا” سميت بإدارة “خاتمة” وعاصمتها ” تليح” على أيدي شيوخ قبائل مشهورين وسياسيين من بينهم رئيس الوزراء الصومالي الأسبق علي خليف غلير..معلنة سعيها لتحرير أراضيها من وجود قوات أرض الصومال، وقد سبقها تشكيل جبهة عرفت اختصار بـSSC وهي اختصار للحروف الأولى من ثلاث محافظات هي: سُولْ وسناج والعين (حسب تسمية بونت لاند في الأخير) كما أعلنت الولاية الجديدة على عدم تبعيتها لأي من الجانبين المتنازعين على المنطقة، وقد اندلعت مواجهات عنيفة بين الجبهة وبين أرض الصومال عام 2010م. وحدثت معارك خلفت العشرات من الضحايا بين الجانبين.

هذا ، وتجدر الإشارة إلى أن أرض الصومال (المحمية البريطانية سابقا استقلت في 26 يونيو 1960م أي قبل أربعة أيام من استقلال الجنوب) توحدت مع الجزء الجنوبي الصومالي (مستعمرة إيطالية) عقب استقلالهما 1 يوليو 1960م وتشكلت منهما جمهورية الصومال لم تدم أكثر من ثلاثين سنة من استقلالها ، وسقطت بفعل حروب قادتها جبهات معارضة أسقطت الرئيس الراحل سياد برى عام 1991م. ثم تأسست بونت لاند كإدارة تتمتع بالحكم الذاتي في الشمال الشرقي من الصومال عام 1998م وفيما بعد أصبحت إحدى الولايات للحكومة الفيدرالية الصومالية بعد تبني النظام الفيدرالي 2004م.

%d مدونون معجبون بهذه: