وقفة مع حملة الاعتقالات العشوائية ضد الصوماليين في كينيا

isliإيستلي(Eastleigh) هو حيّ الصوماليين في نيروبي عاصمة كينيا، واشتهر هذا الحي بنشاط تجاري كبير يديره الصوماليون الذين يشكلون الأغلبية السكانية في تلك المنطقة التي يحلو للبعض تسميتها بـ ” مقديشو الصغيرة” لكثرة ما قام به الصوماليون من أعمال تجارية مختلفة تتمثل في فنادق فخمة ومحلات تجارية مختلفة، وهذه الاستثمارات التي تقدر بملايين الدولارات كانت تتزايد يوما بعد يوم منذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

وينقسم المواطنون الصوماليون الذين يقطنون في كينيا عامة وفي نيروبي خاصة إلى مواطنين كينيين من منطقة شمال شرق كينيا التى ألحقت بكينيا أبان الاستعمار البريطاني ولاجئين صوماليين نزجوا من بلادهم بسبب الحروب الأهلية التي جعلتهم يعيشون في أوضاع متأزمة في بعض دول الجوار، ومعروف أن الصوماليون يشتركون – أينما وجدوا – في ملامح الوجه والبينة الجسدية، ولديهم لغة واحدة ودين واحد، وهو الإسلام.

وقد كان الود والوئام سيد الموقف بين الجالية الصومالية وقوات الأمن الكينية في الفترة السابقة رغم حدوث اعتداءات متكررة من قبل الشرطة الكينية ضد الصوماليين وممتلكاتهم كلما تحدث حادثة انفجار أو أي شيء مخل للأمن بغض النظر عن هوية مرتكبي الجريمة.

 ومن المعروف أيضا أن شرطة كينيا وخاصة العاملة في حي إيستلي غارقة بالفساد والرشوة بحسب تقارير دولية أدانتها أكثر من مرة بقيام أعمال تعسفية ضد اللاجئين الصوماليين في المدن والملاجئ.

وقد تزايدت الاعتداءات منذ عام 2010م بعد ما تمَّ اختطاف أجانب بينهم سواح وعمال هيئات دولية من قبل من سمتهم الحكومية الكينية آنذاك بإرهابيين من حركة الشباب المجاهدين؛ والذين قيل إنهم اقتادوا المختطَفين إلى داخل الصومال مطالبين بفدية باهطة مقابل إطلاق سراحهم، وكان ذلك من مبررات التدخل الكيني في الأراضي الصومالية، ووبالفعل كانت خطوة زادت تعقيد الوضع؛ حيث تضاعفت الهجمات في نيروبي بسبب ما سُمِّي بالانتقام للشعب الصومالي الذي أهينت كرامته في العملية العسكرية الكينية التي أدت في النهاية إلى إخراج حركة الشباب من مدينة كيسمايو الاستراتيجية نهاية شهر سبتمر 2012م.

وبعد التدخل الكينيى في الشأن الصومالي وكذلك دعم الكينيين المكشوف لجهات بعينها على حساب قبائل أخرى بحسب بعض المراقبين كان من المتوقع أن تتعقد الأمور إلى هذا المستوى الخطير الذي تجسد فيما شاهدناه خلال الأسبوعين الماضيين من اعتداءات واعتقالات جماعية التي شملت آلاف الأسر من الجالية الصومالية في نيروبي.

تفسير للحدث

ووصف مراقبون صوماليون الأحداث الأخيرة في نيروبي بأنها خطة مدروسة من قبل حكومة أهورو كينياتا لنهب ممتلكات الصوماليين والثروة الطائلة التى كوَّنها الصوماليون في كينيا، ولا سيما بعدما ارتفع استثمار الصوماليين – سواءً كانوا لاجئين أو مواطنين من صوماليي كينيا – إلى ملايين الدولارات في حي إيستلي؛ حيث أصبح هذا الحيّ من أكبر الأسواق التجارية في منطقة شرق إفريقيا، وفي الآونة الأخيرة تعالت الأصوات المنادية إلى نقل هذه الثروة إلى الداخل لانعاش الاقتصاد المحلي في الصومال بعد تحسن الأوضاع في العاصمة الصومالية مقديشو.

مواقف مشرفة

ويُذكر أنه قد اتخذ سياسيون كينيون (ذوو الأصول الصومالية وغيرهم) مواقف مشرفة، وفي مقدمتهم أعضاء بارزون في البرلمان الكيني؛ حيث وصفوا الاعتقالات الجماعية بأنها تصرفات عنصرية شبيه بأعمال النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية وما حدث في معسكرات السود في جنوب أفريقيا أثناء فترة تفرقة العنصرية؛ لأن عمليات الاعتقالات العشوائية والترحيل الإجباري للصوماليين إلى بلدهم مخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية بحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية.

ومن المواقف التي تعاطف معها الشعب الصومالي موقف السفير الصومالي في كينيا محمد على نور “أمِيرِكُو) والذي نشر في صفحته على الفيس بوك وهو يحمل طفلة صغيرة قال إنه طالب من السلطات الكينية أن تقيم أي الصغيرة معه في بيته مع أمها إلى أن يحين موعد ترحيلها إلى مقديشو. ” إلى جانب ذلك أدى السفير دوره تجاه تخفيف وطأة الأزمة على المتضررين بشكل عام.

 Bk9pFEcIAAARuBvدور الإعلام

وعلى الصعيد الإعلامي تناولت وسائل الاعلام المختلفة العقاب الجماعي التى لقيها المواطنون الصوماليون في كينيا، وكانت وسائل الاعلام الاجتماعية مثل الفيس بوك وغيره أكثر نشاطاً وتناولاً لهذه المأساة التى يواجهها الصوماليون هذه الأيام في كينيا، وقد نقلت هذه الوسائل إلى الشعب الصومالي صورا مرعبة منها نساء وأطفال وشيوخ صوماليين يواجهون فوهات بنادق القوات الكينية في معسكرات الاعتقال الجماعي مثل ملعب كسراني وغير ذلك من مقار الشرطة والمراكز المخصصة للتفتيش، وكان يلاحظ بأن أغلب من تم اعتقالهم كانوا أبرياء لا تبدو عليهم إمارات من يمكن أن يشتبه بهم بأنهم ضالعون في عمليات تخريبية مخلة للأمن العام في كينيا. هو ما أدى إلى أن ينظم بعض النشطاء الصوماليين مظاهرات منددة لتصرفات الحكومة الكينية أمام سفارات كينيا في أكثر من دولة يعيش فيها صوماليو المهجر .

رب ضارة نافعة

بشكل عام يعتقد أن هذه الأزمة تؤدي إلى زيادة حب الصوماليين لوطنهم وزيادة استثمارهم في بلدهم، كما يمكن أن تتضرر كينيا اقتصاديا جراء هذه المشكلة مفتعلة من قبلها، ولاسيما مع تزايد النداءات الشعبية بإيقاف القات وكافة البضائع التي يتم استيرادها من كينيا، ويبرر بعض المراقبين تصرفات الحكومة الكينية قائلين إن لدى الحكومة الكينية هواجس أمنية بعد هجوم وست جيت في سبتمبر الماضي، والذي راح ضحيته أكثر من سبعين شخصا، إلى جانب الانفجارات المتلاحقة التي حدثت في كل من حيّ إيستلي وإقليم شمال شرق كينيا ومناطق أخرى من كينيا، ولكن انطلاقا من قوله تعالى : “ولا تزر وازرة وزر أخرى” ينبغي أن ينال المجرم العقاب وحده، لا أن يعمم العقاب على الجميع تحت ذرائع واهية.

%d مدونون معجبون بهذه: