قضية يناير 2014: الفرص والعقبات أمام الحكومة الصومالية برئاسة عبد الولي شيخ أحمد

المقدمة

أطاح البرلمان الصومالي بحكومة رئيس الوزراء السابق عبدي فارح شردون بسحب الثقة عنها في 2 ديسمبر عام 2013 بعد بروز خلاف علني بينه وبين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مشهد تكرر في الصومال أكثر من مرة، الأمر الذي حتم على رئيس الجمهورية تعيين رئيس حكومة جديد خلفا للسابق خلال ثلاثين يوما كما ينص عليه الدستور الصومالي المؤقت، ولم يتأخر الرئيس في تسمية رئيس الحكومة الجديد، ففي 12 ديسمبر 2013 عين الدكتور عبد الولي شيخ أحمد محمد كعاشر رئيس حكومة منذ عام 2000م، والذي نال ثقة البرلمان في 21 ديسمبر 2013، ويعد رئيس الحكومة الجديد شخصية تكنوقراط ذا خبرة واسعة في المؤسسات الدولية والإقليمية.

وتسلسلُ هذه الأحداث كان يوحي بمدى النسق والانسجام بين مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان، الأمر الذي جعل المراقبين يتفاءلون في أن ذلك سيعطي دفعة معنوية لانطلاق حكومة عبد الولي شيخ أحمد بعد الإحباط الذي ساد الأجواء السياسية، وعكر صفو المواطنين والمتابعين للشأن الصومالي على حد سواء؛ إلا أن شيئا من هذا لم يحدث؛ حيث تأخر رئيس الحكومة في تعيين مجلس الوزراء نظرا للاستقطاب الحاد ورغبة كل الفصائل والقبائل في الظهور على المشهد السياسي، وزاد البرلمان الفيدرالي من تعقيد الأوضاع بطرحه مشروع قرار بعدم عودة أعضاء مجلس الوزراء في حكومة شردون المعزولة لاتهامها بالفشل في إدارة شؤون البلاد، وهو المسعى الذي لم يكتب له النجاح. بعد هذا المخاض الطويل ولدت هذه الحكومة بعملية قيصرية في فجر يوم الجمعة الموافق لـ 17 يناير لعام 2014م، وهي مؤلفة من 55 عضوا، ومن الصدف أن حكومة عبد الولي نالت ثقة البرلمان في نفس اليوم بعد شهر كامل من نيل رئيس الحكومة ثقة البرلمان، وفي هذا التقرير نستعرض فرص نجاحها، والعقبات التي تواجهها، وكيفية التغلب على هذه الصعاب، كما نحاول استشراف المستقبل حول مآلها ومصيرها.

مميزات التشكيلة الجديدة

استحوذت الحكومة الجديدة على متابعة واهتمام شديدين من الرأي العام الصومالي والإقليمي والدولي، ولعل أبرز ما يميزها أنها حكومة موسعة ونسبة النواب الذين صاروا وزراء فيها مرتفعة جدا؛ حيث تبلغ نحو 60%، وهذا ما لم يحدث منذ حكومة علي محمد جيدي في 2004، وتضم وجوها معروفة في الساحة السياسية الصومالية كوزراء سابقين وسياسيين مشهورين إلى جانب أعضاء جدد على الساحة السياسية؛ ولكنهم ذووا خبرة في المؤسسات الدولية والإقليمية، كما انخفضت فيها نسبة تمثيل المرأة من 20% في الحكومة السابقة إلى أقل من 10% في التشكيلة الجديدة، وكما كان متوقعا قلت نسبة الوزراء العائدين من حكومة شردون إلى أقل من 15 %.

  •  برنامج الحكومة

نستطيع الحكم على الحكومة الجديدة بعد أن نرى كيف تنفذ البرنامج الذي طرحته أمام البرلمان، وبرنامج الحكومة يركز على جوانب الأمن والاستقرار وإصلاح الهيئات المالية والسياسة الخارجية وتعزيز المصالحة الوطنية وتقديم الخدمات الأساسية، وهذا كله جميل؛ ولكن العبرة في التنفيذ فكل الحكومات المتعاقبة وعدت بذات الشيء ولكن ما تم إنجازه قليل بالمقارنة مع ما هو مطلوب ويتطلع إليه المواطنون، فعند تشكيل حكومة جديدة ترتفع المعنويات والآمال المعقودة عليها ولكن بعد فترة تتحطم كل هذه الآمال بجدار الواقع المرير والوعود الكاذبة .

  • الكفاءة

عنصر الكفاءة مهم جدا في اختيار الوزراء ولكن الخبراء يشككون في كفاءة بعض الوزراء؛ حيث أن العنصر الحاسم في تعيين الوزير هو عشيرته بسبب قاعدة المحاصصة القبلية المعمول بها منذ عام 2000م، وهذه القاعدة بحسب الخبراء تحطم من معنويات الكفاءات القادرة على تغيير الواقع وتقديم الأفضل عندما يرون ذوي الكفاءات القليلة يتبوؤن في أعلى المناصب دون تمتعهم بالقدرات اللازمة لطبيعة عملهم، فقط بفضل انتمائهم إلى بني فلان أو علان يأمرون وينهون، وهذا مما لا يحقق لهذا البلد الوصول إلى مستقبل واعد.

  • المحاصصة وتمثيل الكتل

تطرقتُ إلى عنصر الكفاءة وكيف أن المحاصصة القبلية تضر بالكفاءة المطلوبة؛ إلا أن مساوئها لا تقتصر على هذا الجانب فقط، فحتى بعد توسيع التشكيلة في رغبة واضحة لتمثيل جميع الكتل القبلية لم تنته الشكوى والتذمر؛ فكثير من القبائل لم تقتنع بحصتها في التمثيل كما أن قبائل أخرى تقول إنها لم تمثل في الحكومة الجديدة، وهي ظاهرة لا تنتهي؛ فتمثيل جميع الكتل غير ممكن من الناحية الواقعية، فكما قيل إرضاء الناس غاية لا تدرك، فكل قبيلة تعتقد أنها تستحق المشاركة وهذا صحيح ولكن المراكز محدودة والقبائل الصومالية كثيرة، فالمخرج المناسب من هذه المعضلة هو إلغاء هذه المحاصصة البغيضة التي لم تعد تجدي نفعا، ففي السابق كان يقال بأنها ليست إنصافا وإنما هي حل مؤقت ولكن الواقع الآن يشير إلى أنها أصبحت قانونا دائما، وما لم يتم تجاوزها ستظل عقبة أمام حلم إعادة الدولة الصومالية.

  •  نوع الحكومة

في الآونة الأخيرة درج رؤساء الحكومات السابقين في إطلاق اسم على حكوماتهم؛ حيث أطلق على حكومة رئيس الوزراء الأسبق محمد عبد الله فرماجو، بحكومة كفاءات، ومن بعده حكومة عبد الولي جاس أطلق عليها بحكومة إنقاذ، أما حكومة عبدي فارح شردون الأخيرة فلم يتم تسميتها بأي اسم إلا أنها كانت أقل الحكومات حجما على الإطلاق في تاريخ الصومال، و على غرار ما سبق يقال إن حكومة عبد الولي شيخ أحمد الحالية حكومة ذات قاعدة عريضة، ونأمل أن تنجح في مهمتها لتنتشل الصومال من المأزق والنفق المظلم ق الذي وقع فيه.

التحديات الماثلة أمام الحكومة

التحديات الماثلة أمام الحكومة الجديدة كبيرة وجسيمة، وخاصة بعد أشهر من الصراع السياسي والانشغال بإسقاط حكومة وإنشاء حكومة جديدة، وهو ما خلق فراغا في السلطة في جوانب الأمن والخدمات وغيرها، فالمطلوب من الحكومة – التي أبصرت النور بعد طول انتظار- تنفيذ مهامها وتطبيق برنامجها الذي بموجبه نالت الثقة، وعلى البرلمان أن يراقبها ويحاسبها على أدائها وينهي المجاملات التي كانت تحدث سابقا، ومن التحديات ما يلي :

1. تحقيق الأمن والاستقرار

أكثر الاستحقاقات من الحكومة الجديدة وأولى الأولويات من هذه الحكومة والحكومات السابقة هو تحقيق الأمن والاستقرار و تحسين الملف الأمني للعاصمة وضواحيها تمهيدا لجلب الأمن والاستقرار لكامل التراب الصومالي، ورغم وضع خطط أمنية كثيرة لم تشهد البلاد تحسنا أمنيا ملحوظا مما يخلق تساؤلات مشروعة حول العقبات التي تقف ضد أمن الوطن والمواطنين. في الحقيقة هناك جملة من العوامل يعزى إليها عدم التحسن الأمني، ومن هذه العوامل ضعف القوات الأمنية تدريبا وتسليحا وتعبئة بالعقيدة القتالية والروح الوطنية وعدم وجود جهاز قضائي عادل يستطيع مواكبة التقدم في عمليات حفظ الأمن والنظام والتكامل مع القوات المسلحة وتدني مستوى وعي المواطنين لأهمية الأمن و إدراكهم للمسؤولية الجماعية في حفظ الأمن، بالنسبة للحكومة الجديدة تعهدت بإنشاء قوات مسلحة يبلغ قوامها 28000 وتسليحها وتدريبها؛ لتكون قادرة على أداء مهامها على أكمل وجه، وسنرى هل ستلبي وعودها أم ستعود حليمة إلى عادتها القديمة!

2. إنعاش الاقتصاد

ثاني الملفات من حيث أولويات الحكومة هو إنعاش الاقتصاد الوطني وخلق إيرادات ومصادر دخل للحكومة من مواردها الذاتية والاستفادة من المساعدات الخارجية من المجتمع الدولي كبرنامج الـSFF الذي بدأته النرويج لصرف رواتب الموظفين المدنيين في الدوائر الحكومية حتى الوصول إلى الاستغناء عن المعونات الخارجية؛ لأن الصومال بلد غني بموارده وثرواته ولكنه يمر بفترة عصيبة ويحتاج إلى التوافق الوطني حتى يستمتع بثرواته الواسعة.

3. استكمال كتابة الدستور

من العقبات التقليدية التي تواجه الصومال هي استكمال الدستور المؤقت وعرضه لاستفتاء الشعب عليه بحلول عام 2016، وهذا يعتبر تحديا كبيرا؛ ولكنه كفيل إذا كتب له النجاح بنقل الصومال من حقبة الصراع والدولة الفاشلة إلى مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، والبرلمان الفيدرالي هو المسؤول المباشر عن الدستور المؤقت، والحكومة عليها أن تهيـئ الأجواء المناسبة لتساعد البرلمان فى إعادة النظر إلى الدستور وتنقيحه حتى يصبح الدستور الذي يليق بجمهورية الصومال ويلبي طموحات الشعب الصومالي.

4. تعزيز المصالحة الوطنية:

5. تشكيل الولايات وفَدْرَلة البلاد

يوجد قصور أساسه دستوري في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو والولايات، فالآن يوجد ولايتين مكتملة الشروط هما صوماليلاند وبونتلاند وولاية جوبا على الطريق، على الحكومة الفيدرالية أن تأخذ زمام المبادرة في تشكيل الولايات، فالدستور المؤقت لا يحدد آلية واضحة لتقاسم الثروات الطبيعية كالمعادن والبترول فكثير من المحللين يحذرون أن هذه القضية وغيرها من القضايا المؤجلة في الدستور تعد قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، فالنظام الفيدرالي يعطي السلطة للحكومة الاتحادية في مقديشو دون مشاركة الحكومات الإقليمية في رسم سياسات الدفاع والأمن القومي والخارجية والمالية وإدارة الثروات الوطنية، أما السلطات المشتركة فهي كالشرطة وتحصيل الضرائب وشؤون التعليم والصحة وغيرها، أما الأمور ذات الطابع الخدمي فالسلطات فيها للحكومات الإقليمية دون الرجوع إلى المركز، وحتى تتضح كل هذه القضايا المعقدة فكل طرف يدعي أنه يطبق الدستور المؤقت الذي لا يحدد كما أسلفت أجوبة مقنعة وواضحة لمن له الحق في إدارة الثروات الوطنية مثلا ؟ ماهي حصة الإقليم الذي تقع فيه هذه الموارد الوطنية المراد استثمارها واستغلالها؟ وماهي حصة الحكومة الاتحادية؟ هذه الأسئلة وغيرها لا نجد لها الأجوبة المناسبة حتى استكمال كتابة الدستور والاستفتاء عليه مستقبلا، ولهذا على الحكومة تسريع وتيرة إنشاء الولايات قبل فوات الأوان وظهور صراعات لا تحمد عقباها.

6. محاربة الفساد المالي والإداري

يصنف الصومال كأكثر بلدان العالم فسادا حسب منظمة الشفافية العالمية، ورغم اعتراض الصومال على هذه التقارير والنفي الرسمي المتكرر ومع أن كثيرا من المثقفين الصوماليين يشككون في المعايير التي استند إليها القائمون على هذا التصنيف، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الفساد موجود ومستشرٍ في الدوائر الحكومية بغض النظر عن مستواه؛ والسبب يعزى لعوامل عدة منها غياب آلية المحاسبة، وضعف أجهزة الرقابة، وقلة الوعي لآفة الفساد؛ حيث لم تقم الحكومات السابقة بجهود ملموسة لتغيير الصورة النمطية السائدة عن الصومال. والمنتظر من الحكومة الجديدة إحداث ثورة ضد الفساد مستخدمة الفعاليات الحية كوسائل الإعلام المختلفة والمساجد والمنتديات الفكرية والفن وغيرها من الوسائل المتاحة لإطلاق حملة مكافحة الفساد المالي والإداري الذي لطخ وشوه سمعة الصومال بهدف خلق صورة ذهنية مغايرة للصورة التي ارتسمت في الرأي العام العالمي والإقليمي والمحلي، وذلك من خلال إرسال رسالة مفادها أن الفساد لا محل له في الصومال الجديد، وحتى لا يجد المانحون مبررات ومسوغات التراجع عن تعهداتهم تجاه الصومال.

7. حقوق الإنسان

رغم أن ديننا الحنيف كفل حقوق الإنسان قبل الأمم المتحدة وميثاقها العالمي، إلا أن الانتهاكات لحقوق الإنسان لم تتوقف ضد الفئات الضعيفة مثل النساء والأطفال والفئات المهنية كالصحفيين والقضاة، وتعاني البلاد من نقص المعارف عن حقوق الإنسان، ويتعين على الحكومة إطلاق حملة توعية عامة لأهمية الحفاظ على حقوق الإنسان انطلاقا من ديننا الحنيف أولا حيث يقول الله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) وبأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم حول ذلك، والتزاما بالتعهدات الدولية كدولة ذات سيادة تراعي حقوق شعبها في الحرية والكرامة، ومن الإيجابيات استحداث وزارة جديدة تحت مسمى وزارة المرأة وحقوق الإنسان، والمنتظر من هذه الوزارة تحسين سجل الصومال لحقون الإنسان.

 الفرص السانحة أمام الحكومة الجديدة

رغم أن العقبات تطغى على الفرص أمام الحكومة الجديدة إلا أنه ما زال لديها فرص حقيقية لاستثمارها إذا أحسنت التصرف، وفطنت لمواطن الخطأ في ممارسات الحكومات السابقة، ومن هذه الفرص:

1. استكمال برنامج الحكومة السابقة

من الفرص التي تمتلكها الحكومة الجديدة أنها لن تبدأ من الصفر، ولكن من حيث انتهت الحكومة السابقة؛ فالعمل الحكومي بطبيعته عمل تراكمي، إذ أن الحكومة السابقة أنجزت العديد من النجاحات في بعض المجالات وأخفقت في غيرها، فالمطلوب من الحكومة الجديدة إنجاز المشاريع قيد التنفيذ، وإنجاح المشاريع التي لم تنجح فيها الحكومة السابقة، وإضافة مشاريع أخرى، وكل حكومة تضيف إلى رصيد سابقاتها ويظل الصومال يحتاج إلى سواعد أبنائه مهما تعاقبت الحكومات.

2. دعم المجتمع المدني

يدعم النشطاء في المجتمع المدني من الشباب والمثقفين والجمعيات النسائية الفاعلة في الأوساط الاجتماعية؛ يدعمون جهود الحكومة ليكون درهم مساندا ومكملا لعملها، مع أن دورهم كان ضعيفا في السابق؛ حيث عانوا من التهميش والاستبعاد من المشهد السياسي ولكنهم الآن يحاولون التأثير على صناع القرار من خلال الجامعات والمراكز التعليمية ومراكز البحوث، ولا زال دورهم يتصاعد وينمو كلما زاد الوعي الاجتماعي بأهمية دورهم في خدمة المجتمع الصومالي، ولاسيما دورهم في تحسين مستوى معيشة الطبقات الضعيفة من اللاجئين والنازحين المتأثرين بظروف الجفاف والحروب المختلفة التي تدور في البلاد، وهذا كله يصب في مصلحة الحكومة، ويمهد لها الطريق؛ لتحقيق إنجازات ملموسة من خلال الاستعانة بالجهود الأهلية في مختلف المجالات.

3. الاعتراف الدولي

هذه الحكومة هي الحكومة الثانية التي نالت اهتمام ورعاية المجتمع الدولي بعد إنهاء المرحلة الانتقالية التي استمرت 12 عاما، فبعد الاعتراف الدولي للنظام الجديد من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها من الدول، وتسابق الدول في تعيين ممثليها في الصومال وسفرائها فلا يكاد يمر أسبوع حتى تسمع عن استلام أوراق الاعتماد لسفير الدولة الفلانية في الصومال، وهذه الأجواء لم تكن موجودة أمام الحكومات الانتقالية، وبالتالي فإذا لم تستطع الحكومة مواكبة استعداد المجتمع الدولي على مساعدة الصومال فهذا غباء سياسي كبير لا يغتفر ؛ حيث لم تمر على الصومال مثل هذه الفرصة خلال العقود الأخيرة.

5. دور المجتمع الدولي

أصبحت القضية الصومالية قضية دولية منذ أمد بعيد، ففي بداية التسعينيات من القرن الماضي تدخل المجتمع الدولي في الصومال بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991م بواسطة العملية المعروفة باستعادة الأمل بقيادة الولايات المتحدة، وقد فشل المجتمع الدولي في إخراج الصومال من دوامة العنف بل زاد الأمور تعقيدا نتيجة ممارسات خاطئة بسبب عدم معرفة ثقافة المجتمع، وبعد ذلك عاقب المجتمع الدولي الصومال بالتفرج السلبي والتجاهل التام، ولكن يرى العارفون في خبايا الأزمة الصومالية أن مصالح الغرب باتت في خطر محدق وبدأت الأمور تخرج عن نطاق سيطرتهم في تفشي الإرهاب والقرصنة، وهذا ما يفسر اهتمام الغرب بالمشكلة الصومالية، وليس لسواد عيون الصوماليين عليهم لأن الغرب أثبت أنه لا تهمه القيم والمبادئ التي يتغنى بها صباح مساء وإنما تهمه المصالح فقط، والذي يهمنا في هذا السياق هو : ما الذي يتقاطع في مصالحنا ومصالح الغرب؟ وما الذي يتقابل ؟ وذلك لتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر، وهو ما يجب أن يعيه السياسيون الصوماليون.

  • الدور الإيجابي

ساهم المجتمع الدولي في جهود إنهاء المرحلة الانتقالية وكتابة الدستور المؤقت، ولا يزال يرعى العملية السياسية في الصومال عن طريق الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال السفير نيكولاس كي، وقد قام الممثل الخاص بدور إيجابي في التوصل إلى اتفاق أديس أبابا بين الحكومة وإدارة جوبا المؤقتة، كما ساهم في الانتخابات الرئاسية في بونتلاند، وكل هذه الجهود تستحق الإشادة والتقدير من الأمم المتحدة.

  •  الدور السلبي

المطلوب من المجتمع الدولي هو الوفاء بالتعهدات التي قطعها على نفسه في مؤتمر بروكسل وغيرها من المؤتمرات بشأن بناء مؤسسات الصومال المنهارة وإصلاح المؤسسات التي بقيت صامدة رغم الصعاب والشدائد؛ لأن الشعب الصومالي بدأ يفقد الثقة بالوعود التي يسمعها صباح مساء ولا يرى لها أثرا في الوقع المعاش كأنها سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ! وإذا لم يتحقق ذلكم فإن سياسة المؤتمرات لا تجدي نفعا وتكون مضيعة للوقت والجهد والمال، وبالتالي يتحتم إعادة النظر إلى هذه المؤتمرات إذا لم تأت بنتائج ملموسة، وذلك وفق المثل العربي القائل “أسمع جعجعة ولا أرى طحينا”.

الخلاصة:

في نهاية هذا التقرير، نؤكد أن المطلوب من الصوماليين حكومة وشعبا الاعتماد على ذاتهم ومصادرهم وعقولهم بدل التطلع إلى السراب والوعود البراقة من المجتمع الدولي والمشروطة بمئات الشروط التعجيزية، وذلك انطلاقا من المثل العربي القائل”ما حك جلدك مثل ظفرك”، وهذا لا يأتي إلا بمبادرة الحكومة الجديدة إلى الاضطلاع بمهامها من خلال قيادة المجتمع نحو التقدم والنهضة؛ ومن ذلك بناء القوات المسلحة الوطنية والاستغناء عن القوات الأجنبية التي تنتقص من السيادة الصومالية على أراضيها، ولاسيما بعد ما طال أمد إقامتها، والمطلوب من الحكومة الجديدة وضع إستراتيجية مناسبة تضمن خروج قوات حفظ السلام الأفريقي وفق وجدول زمني محدد يمكِّن القوات المسلحة الصومالية من تولي مهمهتا الطبيعية؛ و بالإضافة إلى ذلك يجب العمل على إنعاش الاقتصاد الوطني. كما يجب إدراك أن سقف التوقعات والآمال العريضة من الشعب الصومالي تجاه الحكومة الجديدة مشروعة، ولكنها غير واقعية أو ممكنة التحقيق دفعة واحدة على الأمد القريب، ولكن مع الصبر والإصرار وتكاتف الجهود الأهلية والحكومية تصبح الفجوة بين الواقع الأليم والمتوقع الجميل تضيق شيئا فشيئا حتى الوصول إلى الهدف المنشود في تحقيق الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي.

التوصيات:

ونشير في التوصيات مجموعة من الواجبات والمهام التي يُستحسن القيام بها كمتطلبات أساسية في المرحلة الراهنة؛ وهي كالتالي :

  • الاهتمام بالسياسات التعليمية وتوصيل التعليم لكافة فئات الشعب لما له من آثار مهمة على الجوانب الأخرى.
  • توفير الحد الأدنى من خدمات الصحة لكل المواطنين كالإسعافات الأولية في المشافي الحكومية.
  • توفير الماء والكهرباء بأسعار معقولة للمواطنين.
  • تطوير الأنشطة الرياضة والاهتمام بفئة الشباب الذين هم عماد المستقبل وخلق فرص عمل لهم.
  • رفع قدرات الموظفين الحكوميين وتدريبهم وإكسابهم المعارف والمهارات اللازمة.
  • محاربة الفساد المالي والإداري الذي يدمر الاقتصاد الوطني ويهدر المال العام.
  • وضع سياسات مالية ونقدية كطبع عملة جديدة بدل العملة القديمة لإيقاف التدهور المستمر في أسعار الصرف.
  • إنشاء لجنة الحقيقة والمصارحة لرد الحقوق إلى أصحابها وفتح صفحة جديدة.
  • تنظيم مؤتمر شامل للمصالحة الوطنية في الأقاليم والمحافظات لمعالجة جذور النزاعات.
  •  استكمال بناء القوات المسلحة بكل أنواعها تمهيدا لتولي المهام الأمنية وتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة وإخضاعهم لبرامج التدريب وتعبئتهم بالروح الوطنية للدفاع عن الوطن والمواطن.
  • تسريع إصلاح جهاز القضاء ليواكب التقدم في استتباب الأمن.
  • دمج المليشيات بعد تأهيلهم في المجتمع.
  • تشجيع التجارة الداخلية والخارجية من خلال خفض الرسوم وخاصة على السلع الاستهلاكية.
  • دعم المشاريع الصغيرة التجارية والصناعية.
  • إخضاع كل مصادر الدخل الوطني من الموانئ والمعابر الحدودية لسلطة الحكومة الاتحادية.
  • الاستفادة من ثروات البلاد في مشاريع التنمية وبناء البنية التحتية كالطرق والموانئ.
  • الاستمرار في انتهاج سياسة خارجية حكيمة ومتوازنة وخاصة مع دول الجوار حتى لا تحدث انتكاسة للنجاحات التي تحققت في الفترة الأخيرة.
  • إقناع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية بفتح بعثاتهم داخل البلاد لتسهيل تنفيذ المشاريع المشتركة.

 

المراجع:

  1. استند الكاتب إلى المشاهدات والملاحظات التي سجلها كدبلوماسي يعمل في الوزارة الخارجية الصومالية منذ فترة، إلى جانب بعض التقارير والتحليلات التي قرأها عن الوضع الصومالي من المصادر التالية :
  • موقع الجزيرة.نت- العربي.
  • شبكة الشاهد االإخبارية.
  • موقع القسم الصومالي لإذاعة بي بي سي.
  • موقع القسم الصومالي لإذاعة صوت أمريكا.
  • موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
%d مدونون معجبون بهذه: