العوامل المؤثرة على قرارات أعضاء مجلس النواب في الصومال

taqriir2بقلم/ حسن مودي عبد الله:

من السهل جدا أن يقول بعض قادة الرأي المعارضين إن المال هو العامل الأوحد والأكثر تأثيرا على صناعة القرار البرلماني في الصومال مؤكدين أن أعضاء مجلس النواب يدعمون أو يصوتون لصالح مشروع القرار الذي يتبناه مَن يدفع مالا أكثر بغض النظر عن مدى تحقُّق المصلحة الوطنية في القرارات التي يتخذها النواب؛ وذلك في محاولة لتصوير المشهد وكأنه مجرَّدٌ من القيم والمسؤولية، وأننا أمام أحجار جامدة يتم تحريكها من قبل لاعبين معظمهم أخفياء؛ لينتصر في النهاية طرف على حساب المصلحة العامة للوطن.

وفي المقابل هناك من يرى أن العوامل المؤثرة على مواقف نواب البرلمان متعددة، ولا يصح اختزالها في أنها خاضعة لعامل مادي واحد؛ ولا سيما أن نسبة غير قليلة من النواب في مستوى عال من الوطنية والاكتفاء الذاتي من الناحية المادية والوعي الوطني، ولديهم اهتمامات وطموحات وانتماءات قبلية و حزبية، وبالتالي لا تنطلي عليهم حيل السماسرة الساعين إلى شراء الذمم لتحقيق أغراض معينة.

وفي السياق ذاته يؤكد بعض المحللين أنه من الإنصاف أن نقيِّم “الفعل” و “ردَّ الفعل” على نحو سواء أي أن ننتقد الجهات الخفية التي تدفع المعارضين للسياسات الحكومية بنفس الدرجة التي نهاجم ردَّ الفعل الذي يأتيهم من قبل صناع القرار؛ وذلك بعيدا عن تأثير الدعاية المغرضة المصاحبة للنشاط التحريضي المشفوع بالاستعطاف الشعبي والإشاعات التي تجعل المعارضة بأنها حامية حمى الوطن دون غيرها؛ مع وجود أيد خفية تحركها من الخلف بالمال والوعود الكاذبة ضمن أجندة خفية معادية للمشروع الوطني.

  • Baarlamanka65العوامل المؤثرة

من أبرز العوامل المؤثرة على صناعة القرار في المؤسسة التشريعية ما يلي:

  1. الولاء القبلي: وهو عامل مؤثر في قرارات أعضاء مجلس النواب، ولكنه ليس العامل الأقوى على عكس ما يتبادر إلى الأذهان؛ وذلك بالنظر إلى أسباب كثيرة، من بينها كثرة الشاحتين والعبء المالي على النائب البرلماني الصومالي، والذي يأتيه من قبل أبناء وشيوخ قبيلته؛ مما يجعله يضطر إلى بحث مصادر مالية بطرق ملتوية على حساب ولائه القبلي، ولا شك أن لديه هامش حرية لاتخاذ قرارات لا تضر كثيرا المصلحة الخاصة للقبيلة بالتنسيق مع شيخ العشيرة؛ وبالتالي لا غرو أن يكون النائب البرلماني عرضة للابتزاز السياسي، و مرغما على التفاوض أو الاستجابة لبعض الجهات السياسية؛ ليصوت لصالح مشروع يراد تمريره عبر البرلمان مقابل منحه بعض المبالغ المالية. ولكن في الحالات الخاصة التي يُناقش فيها قضايا مصيرية تتنافس القبائل الكبيرة فيها فإن صوته يكون تحت المراقبة الشديدة، ويجب أن يذهب لصالح القبيلة أو في مصلحة مجموعة القبائل المتحالفة ضد القبائل المنافسة لها؛ وذلك في شكل درامي معقَّد لا يمكن اختزاله في مصطلح شراء الذمم وإنما في الغالب هناك عملية تبادل للمصالح بين الأطراف المعنية، وليس بالضرورة أن يكون المقابل ماديا في كل الأوقات.
  2. المال الداخلي والخارجي: الصومال ساحة مستباحة منذ عقود؛ وإن قصة التمويل الأجنبي للنزاعات المسلحة معروفة، وما يجري في ساحة البرلمان من صراعات سياسية يتم تأجيجها بالأموال الخارجية التي تدخل في البلاد بطرق شتى عبر منظمات مشبوهة. أما الأموال التي يدفعها بعض المسؤولين كرشاوى فهي أموال تُستخرج من خزينة الدولة بطرق غير مشروعة أو أنها أموال تؤخذ من الدول المانحة كمساعدات إنسانية ثم تُوظَّف في الصراع السياسي بشكل أو بآخر، وهذا أمر وارد ومنتشر إلا أنه يحتاج إلى تحقيقات مستقلة. وفي الجانب الآخر هناك تحركات وحملات إعلامية مدفوعة الأجر تصور الطرف المعارض بأنه وطني ونزيه وغير مدفوع من الخلف لتحقيق أجندة خفية في صالح جهات أجنبية، ورغم ذلك لا خلاف في وجود أصحاب نوايا صادقة ومخلصة من الطرفين.
  3. الانتماء الحزبي أو الفكري: يُساهم الانتماء بأشكاله المتعددة – مثل الانتماء الفكري أو الحزبي- في تأثير القرار الذي يتخذه أعضاء البرلمان الصومالي؛ وبالتالي فليس صحيحا أن نحصر ولاء النواب الصوماليين في القبيلة؛ ولا سيما في هذه المرحلة التي بدأت القيادة العليا تتصرف على شكل تكتل حزبي تمهيدا للفترة المقبلة بعد انتهاء الفترة الرئاسية الحالية 2016م، وهذا بالفعل أمر أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية؛ حيث يُتهم الرئيس الصومالي بأنه أحاط نفسه بكوادر من حزب السلام والتنمية الذي يترأسه، وهناك جهود مبذولة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من النواب في الأحزاب الناشئة، وفي مقدمتها الحزب الحاكم – إن صح التعبير – و يقال إن النواب الموالين لبعض الأحزاب يتقاضون مكافأة بطريقة أكثر احتراما ونزاهة مقابل دعمهم للأجندات الحزبية بعيدا عن الأصوات المباعة في المزاد العلني أثناء الصراعات السياسية داخل قبة البرلمان.

وفي الختام نشير إلى أن صناعة القرار في البرلمان الصومالي عملية معقدة ليس من السهل فهمها أو تحليلها بسهولة بسبب تعدد العوامل المؤثرة فيها، و تجدر الإشارة أيضا إلى أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود قد أكد – في آخر مقابلة تليفزيونية أجريت معه 21/01/2014 – أن البرلمان الحالي هو أحسن برلمان مرَّ بالشعب الصومالي من حيث الوعي العام لأفراده ومستواهم الأكاديمي، وهذا رأي أقرب إلى الصواب؛ لأن العناصر البرلمانية في الفترة الحالية يعرفون جيدا تقدير الواقع السياسي؛ وغالبا ما يميلون إلى إنقاذ الموقف في الحالات الحرجة، وهناك الكثير من المواصفات التي تجعلنا ننتقد الجهات التي تصف أعضاء البرلمان الحالي بأن جميعهم يستبدلون المصلحة العامة بالشخصية، وأنهم عرضة للاستغلال والاختراق والابتزاز بشتى أنواعه على حساب المصلحة العليا للوطن.

%d مدونون معجبون بهذه: