مصدر “شاهد عيان” في وسائلنا الإعلامية

كثيرا ما تعتمد الوسائل المحلية المقروءة والمسموعة  في الصومال على مصادر غير موثوقة في الموضوعات الساخنة، وحتى الإنسانية البسيطة فمثلا تستمع إلى إحدى الإذاعات وتبث خبرا حول معارك جرت بين الأطراف المتصارعة والتي أدت إلى خسائر بشرية ومادية، وعند ذلك  الإذاعة  في نشراتها  “جرت معارك عنيفة صباح اليوم الأحد في مدينة فلانية و إن حصلية القتلى تبلغ 13 قتيلا والجرحى حوالي 20 آخرين حسب ما أفاد شاهد عيان أو شهود عيان “.

كما نعرف ” أن شاهد عيان ” لا يمكن الاحتجاج به، وهو شخص وهمي ناهيك عن بث أو نشر خبر ناقص يفتقر إلى الموضوعية، والصحة، مما يشوش سمعة الإذاعة أو الموقع،  ومن الموضوعات الإخبارية التي تتعرض لرواية شهود عيان سقوط  الأمطار الغزيرة  واحتراق المنازل واندلاع  الأمراض الوبائية والاغتيالات، فكل مصادرنا تنصب فقط لصالح شاهد عيان.

وكأن العاملين في السلك الإعلامي في بلادنا لا يتعاملون مع المصادر الحية مثل ضابط في الشرط ورجال المطافئ وخبير في الطب أو نائب في البرلمان الصومالي، وبالحقيقة إن الساسيين الصوماليين والمواطنين كلهم  يحبون التحدث مع مخبري الصحف والمندوبين العاملين في مجال الصحافة المستقلة والحكومية، ولكن يبدو أن نقصا كبيرا يشوب أوساط الصحفيين الذين يروق لهم إيراد قصص خبرية ضعيفة لا تسنتد إلى الحقائق.

فمثلا يشب حريق في مقر وكالة أنباء ” أسوشييد بريس بمدينة نيوريوك تبلغ الوكالة  إدارة المطافئ عن الحريق، ولكن عندما يحين الوقت لكتابة القصة للقراء يتصرف مخبرو الوكالة وكأنهم لم يروا الحريق إذ يجرون مقابلات مع المتحدث باسم إدارة المطافئ للحصول على تفاصيل تتعلق بالحريق. وهم يحرصون على مصادر حية لاجتذاب مشاعر القراء الذين يتعاملون الوكالة او الصحيفة بعقلية نقدية.

ولكي  يؤكد الصحفيون أنهم لا يجمعون المعلومات فحسب، فهم يبحثون دائما عن المصادر الموثوق بها والوثائق التي يمكنهم أن ينسبوا الحقائق إليها، فالنسب هي المظلة التي تحمي المخبر الصحفي.

ونحن كالصوماليين نحاول السبق الصحفي فيحدث على سبيل المثال انفجار قوي في العاصمة مقديشو وبعد لحظات تفتح الراديو وتستمع أن الانفجار هز منطقة فلانية وأوقع 4 قتلى 9 جرحى حسب شهود عيان، ومن ثم تنقل الوكالات الدولية  هذا الحدث؛ لأن لها عاملين في البلاد ويرسلون العدد نفسه أو أكثر بحسب شاهد عيان، وكل هذا يجيء قبل إدلاء قائد الشرطة صوته بالإضافة إلى رجال الصحة  في المستشفيات الواقعة في العاصمة.

وهنا تبرز المشلكة، إن المصادر الحية لن تدلي بمعلومات على عجل بسب أنهم غائبون عن مكان الحادث، فالمراسل يحاور شهود عيان والمصور يلتقط عدة صور يرسلها إلى محطته في الداخل أو الخارج.

وأظن أن  محدودية عدد المندوبين للإذاعة في محافظات البلاد تحد من الحصول على مصادر متخصصة تفي بالغرض المنشود، وهناك مناطق لايمكن للمخبر الاقتراب منها بسبب وجود حهة معادية للتغطية الصحفية، ولكن الشعب مهمتهم التماشي مع جيمع الأحداث الجارية في البلاد.

وتستخدم الوسائل المحلية  ذرائع كثيرة عند حدوث معارك في مناطق نائية من جمهورية الصومال بين الأطراف المتصارعة وتقول:” إن هناك خسائر جسيمة بين الجانبين أو خسائر بشرية ومادية ” وتضيف بحسب شاهد عيان أو ضابط في الجيش غير معروف أن عدد القتلى يصل إلى 9 أشخاص، فإن جمهور المستمعين أوالقراء ليس لديهم بريد المستمع أو القارئ من أجل النقاش في هذه المسألة الحساسة، والتي تتسم بالتلوين وإخفاء الحقيقة وبُعد عن االموضوعية.

وتحث أبحديات الصحافة على الناشئ الصحفي على تدوين الوثائق بما في ذلك توقيع المصدرالذي يدلي التصريحات خوفا من إنكار الأخير المعلومات المنشورة؛ مما يؤدى إلى عواقب وخيمة بالنسبة للمخبر الذي يتعرض للسجن بسبب كلمة واحدة تحرمه من استنشاق الهواء العليل.

ونحن نعرف أن كل ما نكتبه لا يخرج عن الخبر أوالتقرير؛ فنادرا ما نكتب عن التحقيق الصحفي فكل هذه تلزم  صاحبه إلى التزود بمصادر حية تبعث على نفسه الهدوء والثقة الكاملة من أجل مواصلة الكفاح المقدس للحصول على خبر صحيح، وديننا الحنيف يأمرنا الركون إلى التبيان وقال تعالى جل جلاله :( يائها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة  فتصبحوا على ما فعلتم  نادمين) سورة الحجرات.

ويحدث في إعلامنا صور شتى من التشويه ابتداء من كتابة الخبر إلى موضوعات أبعد من ذلك، فإن كثيرا من يتناول الموضوع عن طريق النسخ ويحاكي أسلوب المواقع الراقية أو الوكالات العالمية، وبعد ذلك ينحرف عن الجادة ويقع في مطبات يكتب يوما مقدمة عنوانها لاناقة له فيها ولاجمل، أو ينتقل من المقدمة إلى الفقرة الثانية التي تتحدث عن موضوع لاعلاقة له.

ورأيت موقعا باللغة الصومالية كتب مامعناه “أن رئيس الوزراء  الصومالي عبدي فارح شردون حصلت حكومته على تحقيقات ثلاث استهدفت اغتيالات الصحفيين في العام الماضي “مقدمة” والفقرة الثانية كتب المحرر “أن الحكومة الصومالية تتعهد بتوفير حماية للصحفيين الصوماليين”، كنت أنتظر من المحرر أنه يكتب التحقيقات الثلاث واحدة تلو الأخرى من أجل إشباع فضول القارئ الذي يقرأ كلاما حساسا  صدر من الوزير الأول للحكومة الصومالية.

متى نكتب خبرا يستوفي صفاته وعناصره المطلوبة بالإضافة إلى مصدر معلوم ينفع الأجيال القادمة التي تتعامل مع الكلمات ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: