أي صور ننشرها على صفحاتنا

هز انفجار قوي في مكان ما نحو القصر الرئاسي فيلا صوماليا، نهضت من الكرسي في مكتبي وحاولت تحديد المكان المستهدف ولم اتمكن ذلك فورا، فكرت  قليلا، وأصبح الهاتف أحسن البدائل المتاحة لبحث تفاصيل ما حدث، حاولت الاتصال ببعض الزملاء وخاصة الصحفيين العاملين في المدنية، وكانت النتيجة ما بات عنوان الوسائل الإعلام المحلية والعالمية “قتلى في انفجار بسيارة ملغمة يقودها انتحاري بشارع مكة المكرمة في العاصمة مقديشو”.

لم تكن المعلومات كافية، والتفاصيل مقنعة، وعادة لا يقنع الصحفي دون أن يعلم كل ملابسات الحادث: من كان وراء الهجوم، واستهدف من؟ وكم عدد الضحايا- القتلى والجرحى؟ وأين وقع الهجوم بالتحديد، وتصريحات الجانبين، وصور الحادث للتفاعل أكثر، فتابعت البحث عن معلومات مستعينا بشبكات التواصل الاجتماعي الأسرع في نقل المعلومات وأخبار الحوادث، كما قمت بتصفح بعض المواقع الصومالية النشطة في نقل الأخبار.  ومضت 45 دقيقة دون تفاصيل يذكر.

“شاهد صور الانفجار الانتحاري في مقديشو” هذا أحد أول التفاصيل التي نشرت في موقع صومالي أحترمه كثيرا، وأتحفظ من ذكر اسمه في هذا المقال؛ لأن الصورة أصدق من القلم كما قالوا، بدأت بتصفح الصور قبل أن أقرأ الكلمات القليلة المرادفة له في قصة الخبر، أطراف إنسان…أشلاء في المكان… ورأس مقطوع في صورة مقربة جدا توضح جميع المعالم الجثة، وجثة طالب احترق كليا معه بعض الدفاتير ما زالت هي الآخر تحترق معه، وعظام، ودم، وأطفال في الركام، كأن المكان الذي كان مطعما قبل الصاعقة تحول إلى مجزرة أو سوق لأعضاء الإنسان.

تيقنت أن المشكلة أكبر مما كنت أتوقعها، لكن شيئا آخر يحتاج إلى تساءل : هل نشر صور مثل هذا النوع في وسائل إعلام محترمة وبعضها حكومية -ولو نشرها كان متأخرا- أمر لائق يواكب أخلاقيات الإعلام وقوانين نشر الصور العالمية واحترام المشاهدين والمتابعين.

نشرت حركة الشباب صور جثث جنود قتلتها في مواجهات مع الكوماندوس الفرنسية في عملية بمدينة بولو مرير بإقليم شبيلى السفلى جنوب البلاد، في محاولة لتحرير ديني الكيس العميل الفرنسي الذي كان محتجزا لدى الحركة أكثر من ثلاثة سنوات قبل أن يعدموه بعد المحاولة التي تمت بالفشل. وقررت وكالة الصحافة الفرنسية من أعرق وكالات الأنباء في العالم بعدم النشر هذه الصور واكتفت بإرسال زبائنها ومشتركيها صورة واحد مشوهة لا يمكن التعرف على ملامح وجه الجندي الفرنسي لحماية قلوب الفرنسيين وعائلة الجندي وحماية قوانين نشر الصور التي تمنع نشر صور بشعة تزرع في نفوس المتلقين رعبا وخوفا.

وغالبا ما ترى في إعلامنا ينشر صورة جثة مذبوحة أو رأس مقطوع في الصفحات الأولى من مواقعنا الإلكترونية، وما يؤسفني دائما أن هذه الصورة غالبا مصدرها مواقع حكومية تحاول إظهار الوجه الأقبح لخصمها، خاصة عند الانفجارات الانتحارية التي لجأتها حركة الشباب في الآونة الأخيرة بسبب الضربات التي وجهها إليها الجيش الصومالي، وتتناقلها الوسائل الإعلام الأخرى الخاصة، ثم إلى الشبكات الاجتماعية الأكثر انتشارا في أوساط الصوماليين المغتربين، وبينها من يبحث إلى تلعيق وينشر في صفحته صورة بشعة مكتوبا بعبارات غريبة ينددها الانتحاري أو الحكومة بتباطئها في مقاومة مثل هذه الهجمات، وينسخ منه آلاف ثم آلاف حتي يصل كل صومالي له عنوان أوصفحة في الفيسبوك.

وعند تعاود أطفالنا مشاهدة هذه الصور المرعبة والبشعة، لا شك أنه سيكون من السهل لهم ممارسة مثل هذه التصرفات الإرهابية، وربما قد نرى عددا أكثر من الانتحاريين في أوساط الشباب في السنوات القادمة؛ لأن هذه الظاهرة بدأت تأخذ طابعا عاديا ومألوفا في الرأي العام بعد أن كانت غريبة حين كنا نشاهد الهجمات الانتحارية في العراق وباكستان في بداية هذه الألفية.

 تذكروا أن هذا العنف جاء بعد نشر مقاطع فيديو لجنود يتم ذبحهم كشاة في أحد المواقع التابعة للقاعدة في العراق في عام 2004م، واستمرت على هذا النهج حتي اقتنع كثيرون من شباب هذا البلدان بتفجير أنفسهم و إهلاك مئات من ذويهم.

نعم، نحن في عالم تزداد فيه وسائل الإعلام وتتنافس في نقل الأخبار  والصور بسرعة فائقة؛ لتحتفظ متلقيها القدامى وتكتسب مشاهدين جدد، لكن علينا أن نفكر ما نقدم لشعبنا، وما مدى تأثير المادة التي نقدمها لتكون مشاركتنا في حملة إنقاد البلاد مشاركة إيجابية تساعد القائمين في المجال الأمني لضبط الأمني؛ لأن ما يحتاجه الجميع هو الأمن.

يلتقط المصور المحترف مئات من الصور عند تغطيته أي حدث مهما كان نوعه، لكن عند وصوله إلى المكتب يختار صورة واحدة أو اثنين بمعايير معينة منها صحة الزاوية وتعبير الوجوه ومنظر العام للمكان المقصود، واضعا في اعتباره ثأثير هذه الصورة على المجتمع الذي سيشاهده، فمثلا إذا صور شخصا عاريا في مستشفى فلن ينشرَها.

5 تعليقات

  1. عبدالله عيسى آدم

    أشكر كاتب المقال. فقد أثار موضوعا يستحق النقاش.
    لكن ليس بالضرورة دائما أن تجاوب اي أسئلة بـ “نعم أو لا أو حتى لا أعرف” فهنالك أسئلة تعود إلى منبع المشكلة (أي الجذور). من رأيي ألا ننشغل أي صور، بنشرها من إخفائها رأفة لضعاف النفوس دون السن 18 عشر أوالحوامل، أو ممن لديهم أمراضا متأزمة. المسألة أن هذا الوطن قد خرج عن مسار الأوطان في نهايات القرن الماضى. ومات في العاصمة وحدها زهاء مليون إنسان. فلا أحد يراعي على عواطف أحد! فالذى قتل وأباد الأمة أمس يحمل الآن رتبة عسكرية، أو يجلس في البرلمان القبلي. فالقتلة المأجورين هم أنفسهم لصوص أمس، ممن أتوا لمساعدة زعيمهم القبلي المقبور.

    الخلاصة أن لاشيء يتغير في الصومال. ولا أحد يريد التغيير أساسا. وإلا لكان كل هؤلاء اليوم وراء القضبان، وما أمكن أحدهم أن يفجر أو يغتال أناسا أبرياء. 80% من الصوماليين يتفرجون ما يحصل في العاصمة أو الأقاليم الأخرى. ليس حسدا منهم، بل خاب أملهم في الصومال وحتى يأتي اليوم الذي يختارون فيه قيادة كفؤة قادرة على حل المشاكل المستعصية يظل البكاء مرتفعا، والإحباط مسيطرا كما تظل الأوضاع متفجرة .

    وهذة حقيقة لايريد سماعها من راهن على القبلية، والمحسوبية، وليس على الكفاءة. فمن صفق لهذه الدولة على نهج قبلي. يشبع من عدم فعاليتها لمدة أربعة أعوام قابلة للتجديد معادلة بسيطة جدا.

  2. لا حياة لمن تنادي..فالإعلام الصومالي أصبح مهنة من لا مهنة له.. فلا أحد يبالي مشاعر الآخرين .. لأنهم ببساطة لم يدرسوا أخلاقيات الإعلام وقوانينها.. فلا عزاء لإعلام الصومالي.. مقال هادف وجميل أستاذ علي نور.

  3. wuu saxanyahay cali dhibaato badan ayay keeni sawirada wadana xanuunka ah ee laso galinaayo webisteyada soomaliya shuruucda aduunka way qilaafsantahay wadankana sumcad daro iyo dhibaato yay ukeeni karta marka hala yareeyo fadlan hada hal saac kahor waxaan galay website sawiro aan ku arkay qalbiga ayaa iqarxay markad dhibkaas halga digtoonaado saxaafada soomalida ee loqoro way dhibaato badantahay halkaan laguma so koobi karo

  4. اسمح لي أن اختلف معك يا سيدي , فالزمن تغير تماما منذ 2004 و حتى الآن , وقتها كان الجمهور اكثر تفاعلا و شعورا , لكن إنتشر في جمهورنا الصومالي الآن مستويات غير مسبوقة من الامبالاة , وسياسة “هذا لايعنيني” لذلك ان مع نشر صور مثل هذه حتى يستفيق المشاهد , و يعلم بأنه إن لم يشارك ضد هؤلاء المجرمين , فقد يكون هو ذاته غداً في نفس الموقف

    اما بالنسبة للوكالة الفرنسية , فالسبب الحقيقي لإخفاء الصور كان تخفيف الضغط عن كاهل الرئيس الفرنسي هولاند , لا أكثر ولا أقل
    تحياتي

  5. شكرا يا كاتب مقال هادف وقلم كبير يعالج زاوية من زوايا الضياع المنتشرة في مبني الأمة

%d مدونون معجبون بهذه: