وعود التغيير والرسم على الماء

في وقت يحتفل العالم في هذا الشهر باليوم العالمي لمكافحة إفلات قتلة الصحفيين من العقاب الزميل الصحفي إبراهيم محمد آدم الذي يعمل مراسلا في مقديشو للقسم الصومالي للبي بي سي، يقضي ليلته الثانية في السجن المركزي في مقديشو بأمر من مسئول في المحكمة العسكرية، بدعوى أن الزميل أعد تقريرا عن مواطنين يشتكون من أحكام قضائية ألقتها المحكمة العسكرية علي بعض ذويهم، وبعد أن فشلوا في الضغوط التي مارسوا عليه ليكشف لهم مصادره سلبوا منه حريته وأودعوه في السجن المركزي، وكأنه مجرم قضت عليه محكمة بالسجن!! لماذا المحكمة العسكرية؟ هل ابراهيم عسكري أم مدني؟ أم أنه عضوا في تنظيم مسلح يهدد أمن الدولة؟ أليس هناك قانون وشرع ومحكمة؟

في مثل هذه الحالات هناك نوعان من المواقف للتعامل مع هذه التطورات، الموقف الأول هو التعامل عن طريق القانون والاحتكام إلى الشرع، طلب إطلاق السراح بضمانة وتوكيل محام، والموقف الآخر هو البحث عن الوساطة أو دفع فدية عن رأس المحبوس لاسترداد حريته، الموقف الأول يحدث غالبا في الدول المتقدمة والمستقرة، أما في الصومال التي تصارع من أجل الوقوف على قدميها بعد عشرين سنة من الفوضى والدمار لا تعرف شرطتها ومحاكمها إلا الجزء المتعلق بعقاب المدنيين وسلب حرياتهم وتفريغ جيوبهم، فهناك اعتقالات وحبس وربما التعدي عليه جسديا، ثم يدفع البريء الفدية لاسترداد حريته، ويخرج من السجن كما دخل فيه بدون شرع ولا قانون.

لم يجد زميلنا إبراهيم انصافا من القانون والقضاء والمحاكم، ولم يعجز أهله وزملائه عن دفع الفدية وإعادة الشراء الحرية له، لكنهم فضلوا أن يتخذوا موقفا آخر وهو التواصل مع المسئولين الحكوميين وطلب تدخلهم في الأمر فتم الاتصال بشخصيات رفيعة المستوى فور سماع خبر اعتقاله ومن هؤلاء وزير الداخلية ورئيس المحكمة العسكرية، وبعض نواب البرلمان، ووصل الأمر إلى مكتب الرئيس، لكن أحدا لم يحرك ساكنا، والمعرفة السابقة لم تشفع لزميلنا، وقد اكتشفنا لاحقا أن الضحية قابل وزير الداخلية قبل اعتقاله بأيام وأخبره بأنه يتعرض لابتزازات ومضايقات لمسئول في المحكمة العسكرية لكنه لم يتجاوب معه، وعكس ذلك أصبح مسئول المحكمة العسكرية الذي أمر باعتقاله فارس الحلبة يتبجح بظلمه ويدلي بتصريحات في هنا وهناك، بأن الضحية رفض أن يتراجع عن صحة هذا الخبر أو أن يكشف مصادره لذا نستمر في حبسه، هكذا بدون خجل ولا وجل.

أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود فور انتخابه رئيسا للبلاد بأنه حان عهد التغيير وقد ولى عهد الوساطة والشفاعة للسجناء والمعتقلين، وأن قرار حبسهم أو الإفراج عنهم يعود للقانون وإلى أروقة المحاكم التي سيتم إعادة تصليحها وتحديثها، الكل استبشر خيرا بانتهاء الفساد وبداية سيادة القانون، لكن الجميع نسي أو تناسى بأن وعد الرئيس أو قل وعيده كان بمثابة الرسم على الماء، لأن الحكومات السابقة فشلت في ضبط الأمن وفرض القانون بسبب فساد الأجهزة الأمنية والقضائية، ولم يكن يخفى على أحد كيف كان عناصر الشرطة والمخابرات يتاجرون بالمواطنين من خلال الاعتقالات العشوائية للأبرياء ثم الإفراج عنهم مقابل مئآت من الدولارات… وأن أي تغيير لابد أن يبدأ من تطهير مؤسسات الدولة من الفساد والرشوة وتجريم التعدى على حرية المواطنين.

 لقد وعدنا الرئيس بالتغيير لكن لم يتغير شيئا سوى منصب الرئيس وحاشيته!!! لم يغير شرطيا واحدا من مركزه ولا موظفا من عمله، ولا قاضيا ترك من منصبه، منظومة الفساد بعينها سيدة الموقف في مكاتب الحكومة ولم يتغير شيئا.

سأل أمريكي عربيا عن أحلامه؟ فقال أحلم بامتلاك مسكن وتأسيس عائلة، فرد عليه هذه حقوقك وليست أحلامك!!! بمرور شهرين تحدث الرئيس عن إنجازاته وطيلة ساعة كاملة كان  الرئيس يتحدث أمام عدسات الصحافة المحلية والدولية لم يذكر شيئا واحدا له علاقة بحياة المواطن وهمومه اليومية، بدأ كلامه من تعيين رئيس الوزراء وانتهى بتعيين الحكومة وإجازة البرلمان لها، وهكذا أصبحت أولى المهام الروتينية للرئيس إلى إنجازات يتباهي بها أمامنا وأمام العالم، وانتقل معنى التغيير والإنجاز من تحقيق شيء ملموس في واقع الحياة اليومية للمواطنين إلى انعكاسات رهاب كرسي الرئاسة والقرارات البطيئة في تحريك المياه الآسنة في مستنقع الحكومة.

التغيير لا يأتي عن طريق الخطب الرنانة والتبجح بوعود فارغة تبحث عن تجميل صورة النظام أمام المانحين أكثر مما تهتم بتحسين ظروف المواطن، التغيير ليس جملا ومفردات تقال وإنما سلوك حضاري يتم معايشته وتجسيده في كل حركة وسكنة، التغيير يأتي عن طريق استصلاح البنية التحتية لنظام الحكم، والقيام بإصلاح جذري لمؤسسات الدولة وتطهيرها من الفساد، وذلك قبل مصادرة حق المواطنين الطبيعي في تخليص أنفسهم من براثين الذئآب البشرية في اللباس الحكومي …

أنا لست ضد التغيير ولا أبرر الوسائل غير الشرعية لمجابهة القانون والشرعية، ولست براض عن ممارسة الوساطات والمحسوبية للإفلات من العقاب، لكنني أرفض كل رفض أن تكون الحكومة وأجهزتها ضعيفة أمام الخارجين على القانون، ومتجبرة في وجه المدنيين، أرفض أن يكون تطبيق القانون على القتلة والمجرمين معلقا، ومضايقة الأبرياء بهيبة الدولة نافذة، أرفض أن أكون ضحية لوعود تغيير فارغة …

 الحرية لإبراهيم …. الحرية لكل صحفي …. الحرية لكل مظلوم على وجه الكرة الأرضية.

7 تعليقات

  1. المشلكة ليست فقط بمجرد سجن صفحى او اشخاص معينين ولكن السؤال الكبيرهي متى سيجد السعب الصومالى بكافة طوائفة حقوقه كمواطن من حقة ان يعيش بامان واستقرار؟ كم نرى ونسمع كل يوم قتل مواطن في مدينة فلان واخر انتهك عرضه؟ لاشىء يعجز على الله ولكن في الحقيقة لم نجد بعد الحكومة الجدية التى تهتم معاناة سعبها وتقدم مصلحة الموطن عن اى شىء اخر.

  2. لا شييء أسوأ من الحكم على الناس بدون علم. ولكن من خلال حسي الشرعي الحقوقي البسيط أدرك أن حبس صحافي مسكين ، سلاحه : قلم ، وكاميرا، وتقرير صوتي يفهمه الناس جميعا ويكتشفون زيفه، حبس من حاله وباستغلال قوة المنصب، ليس فقط خطأ ، بل دناءة طبع وخساسة وسقطة أخلاقية، كفيلة بأن يسقط صاحبها من عين الله قبل عيون البشر. وكان بإمكان المسئول مقاضاة الصحافي المسكين ومطالبته بالتعويض أمام القضاء وإتعابه، وكان بإمكان المسئول أن يتصل بنفس الوسيلة التي أذاعت الخبر وتكذيب الخبر، وأعتقد أنها ترحب بيدين مفتوحتين (حسب التعبير الصومالي) كلنا متضامنون مع هذا الصحافي الذي أهين وشكرا للكاتب.
    وتحياتي للجميع.

  3. محمد عبدالقادر نور

    NooR
    اخوي اريد ان اقول لك ان العصا السحرية في شيئين اولا اتقاء الله في منصبه وثانيا الاهتمام بالتعليم
    فكما جاء في المضوع عن علم سيادة الرئيس عن الامر وعدم تحريكه ساكنا فماذا تريد؟مرسي خلال 100 يوم اقال اهم رؤوس الفساد
    واحنا الى الان موجودين خلال 100 يوم لم نرى اي تغيير عكس مصر التي خلال 100 يوم كان هناك بوادر

  4. محمد عبدالقادر نور

    من يوم ما اختار رئيس الوزراء وانا غاسل يدي,ورفضه للفيدرالية :(

  5. إستاذي الرئيس تولى منصبه ولم ينقضى 100 يوم حتى الآن
    والحكومه أعطيت الثقه قبل 10 أيام فقط
    أرجوك ماهو نوع التغيير المحتمل الذي كنت تطمح أن ينفذ خلال الفتره القصيره الماضيه
    وهل يوجد رئيس أو حكومه أقداما على هكذا تغيير في فتره و قدرها (إسبوعان لحكومه/ 70 يوم رئيس)
    وياريت توصفنا “””بالمره””” نوع العصا السحريه المستخدمه في تلك الدول حتى نشتريه لرئيسنا ممكن تنفعه

  6. مقال يستحق ان يكتب بماء من دهب . دمعة على الصومال حتى الرئيس الجديد الدي علق على شخصه الكثير من الآمال لا يبدو يحرك ساكنا في دفاع الحقوق ورد المظالم بل الدئاب البشرية ما زالت تتحرك ووتنمر على الأمة . وحبش هدا الصحفي يدل على الوضع البائس لحقوق الانسان وتمثل خرقا للإسلام وكل المواثيق الدولية التي وقعتها الصومال.

  7. شكرا جزيلا لك أخونا محمد أهنئ لك بمقالك الممتاز وبقلمك الحيادي الذي لا ينادي إلا لإظهار الحقيقة ولا يعادي إلا لإحجام الظلم وإفحام الظالمين

    جزيت خيرا كثيرا وشكرالله لك

%d مدونون معجبون بهذه: