نشأة مدارس التصوف الإسلامي(2-4)

** نشأة مدارس التصَوُف الإسلامي في إفريقيا

        يقول روبير ديشان : ” يرجع الفضل الأكبر في نشر الإسلام بين قبائل الزنوج في إفريقيا منذ القرن الثامن عشر إلى نشاط الدعاة من أرباب الطرق الصوفية، وقد وجد فيه الزنوج الطمأنينة بفضل نظامه الاجتماعيّ  وما يتمتّعون في ظلّه من يسر وأمن في أسفارهم للتجارة، كما أنـّه لم يحمّلهم من الشّعائر الدينية إلا أدّاء الفرائض اليسيرة  “.( [1])

     ويضيف روبير ديشان” نستطيع أن نقول أنّ التحوّل الإسلاميّ على الطرق الصوفية من حالات فرديّة إلى حالات جماعيّة، وأن الطرق الصوفية لم ترتبط بالخطوط التجارية والمسالك المعروفة والمدن الكبيرة، بل اندفعت إلى الناس في القرى، وهي مآثر لا ينافسها سواها في مجالها  إذ نستطيع أن نقرّر أن الصوفية لم يكن دورها استمراراً بل يعتبر تأسيسياً في تلك المناطق النائية عن طرق التجار، وفي داخل البلاد التي أدخلها بعيداً عن السواحل، فأثرُها في نشر الإسلام والحفاظِ عليه واضحُ بدليل الواقع وحكم التاريخ “.( [2])

            كانت الأوضاع الدينية قبل أن تأتي الطرق الصوفية (حاملة الإسلام) إلى إفريقية رديئة جداً كما يجّسم لنا أحمد شلبي تلك الأحوال فيقول: “وقد كانت مدراس التصَوُف الإسلاميّ واسعة الانتشار في مصر وفي سواها من البلاد الإسلامية حتى مطلع القرن الماضي، وكانت أكثر ازدهاراً في الأماكن التي ينطبق عليها وجود الفراغ الروحيّ، فمن الطبيعي إذن أن تزدهر المدارس الصوفية في إفريقيا؛ حيث بساطة الحياة وفراغ الوقت، وحيث أفاقت القارة من الوثنية، ومن عبادة الأنهار والأشجار والأشخاص، وأخذت تتطلع إلى ما يملأ فراغها الروحيّ، فوجد الناس في التجمع حول الشيخ ([3] ) وفي الانضمام لحلقات الذكر ما يشبع هذا الظمأ ويسدّ هذه الحاجة”. ([4] )

    ويقول روبير ديشان: “طالما جذبت مدرسة التصوف إلى الإسلام جموعاً إفريقية، فقد كان الشيخ ومريدوه ينزلون على القبيلة ويقيمون بها حلقات الذّكر وينشدون الأناشيد والتراتيل الدّينية، والشيّخ تكسوه حالة من وقار والمريدون يبرزون له أسمي الطاعة والولاء يتلمسون منه البركة والدعوات الصالحات “.( [5])

     لنتعرف أبرز مدارس التصوف الموجودة في إفريقيا يقول صادق باشا: “وأشهر الطّرق الصّوفية التي نشرت الإسلام بأفريقية ثلاث هي القادرية والتّيجانية والسّنوسية، وقد انتشرت هذه الطرق في القطاع الأفريقي، وكانت القادرية والتيجانية أوسع انتشاراً في النصف الغربيّ من القارة والسنوسية أوسع انتشاراً في النصف الشرقيّ مع انتشار القادرية في شرق إفريقيا، ويشهد ذلك ما سُمع ([6]) من بعض المسلمين في الحبشة ينشدون قصيدة  فيها اسم الشيخ عبد القادر الجيلاني صاحب الطريقة القادرية رضي الله عنه “.( [7] )

    ونتكلم فيما يلي أشهر مدارس التصوف التى لها انتشار كبير ونفوذ واسع في إفريقيا، منها المدرسة القادرية والتيجانية والسنوسية فنبدأ بالمدرسة القادرية.

المدرسة  القادرية:

      “المدرسة القادرية نسبة إلى عبد القادر الجيلاني ( [8]) وقد لعبت دوراً كبيراً في نشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا، وفي مناطق أخرى في العالم ( [9]) فانتشرت في الهند والشام والعراق واليمن والصومال وتركيا ومصر والمغرب وغربي إفريقية ووسطها، وكان للقادرية أسلوبها في هداية الناس للإسلام بإفريقيا، إنهم لم يكتفوا بما عرف عن الطرق الصوفية من حلقات ذكر بل اتجهوا وجهات مختلفة قربتهم من الجماهير ونشرت الدعوة الإسلامية، فكثير منهم جلسوا معلّمين للصبية وتفقّه بعضهم في الدين، فأصبحوا علماء وخطباء وكتّاباً، أما أغنياؤهم فاتجهوا إلى الشبان يختارون أذكاهم ويرسلونهم إلى مراكز الثقافة بالشمال؛ ليتزود هؤلاء بالعلم، وليعودوا قادة بين أهليهم  وفتح الأغنياء كذلك المدارس للطلاب، ولما جاء القرن التاسع الهجريّ كانت السّيطرة الرّوحية والفكريّة التامة لجماعات القادرية في أكثر نواحي الأفريقية الغربية، وعلى يد رجال القادرية  تحول دخول الإسلام من حالات فردية إلى حالات جماعيّة”.( [10])

المدرسة التيجانية:

  ” المدرسة التيجانية تنتسب إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار ( [11])  وقد وجدت هذه الطريقة لها أنصاراً عديدين في الصحراء وغرب إفريقيا ووسطها، وقد كان السيد أحمد التيجان ومن جاء بعده لا يقتصرون في تعاليمهم على  نشر التصوف فقط بل اجتازوا إلى إفريقيا السوداء ينشرون  فيها الإسلام ويربونهم، كانوا يعلّمون الزنوج الإسلام وينشؤون لهم معاهد تدرّس مبادئ الإسلام، ثم يرجعون إلى أقوامهم دعاة ومدرّسين في المعاهد التي أنشؤوها، وقد استمروا على ذلك حتى انتشر الإسلام في غرب إفريقيا ووسطها، حتى أنك ترى مظاهره  في ساحل العاج([12])، وغانا( [13]) وغينيا([14]) والسنغال([15]) والكنغو([16])، ونيجيريا( [17]) من المسلمين الأقوياء في تديّنهم، وتتميّز الطريقة التيجاني بشدة مناوأتها للوثنية وانتشرت هذه الطريقة انتشاراً واسعاً في إفريقيا السوداء، وذلك أنها لا تتطلب من مريديها وقتاً طويلاً ولا مجهوداً فكريّاً ”  ( [18])

المدرسة السّنوسية :

        يقول عبد الرحمن أحمد النجار  : ” المدرسة السنوسية تنتسب إلى مؤسسّها محمد بن على السنوسيّ ([19])وينتهي نسبه إلى الأدارسة، اعتمد السنوسي على نظام الزوايا ليصل أتباعه إلى الأهداف التي رسمها، وانشأ الزاوية الأولى في ” جبل أبي قبيس ” بالقرب من مكة، ثم اتبعها أخرى بالقرب من الطائف والمدينة المنوّرة وجدّة وينبع.، ثم أحسّ مؤسّس السنوسية أن إفريقيا أولى بحركته، فغادر الحجاز إلى مصر وفي سنة 1843م أنشأ الزاوية البيضاء في ” الجبل الأخضر ” ثم نقل مركز الدعوة إلى واحة ” الجغبوب” سنة 1856م،  وقد استلزم انتقال الدعوة إلى إفريقيا أن يضمّ إلى مبادئها مبدأً جديداً ذلك هو نشر الإسلام بين الوثنيين بإفريقيا لهدايتهم إلى الخير من جهة، ولمواجهة حركة التبشير المسيحية التي كانت آنذاك تغزو إفريقيا من جهة أخرى ( [20] ) وضّمت الزوايا مئات من الشخصيات وجنسيات مختلفة، ويجمعها كلها دين الإسلام، والحماسة لخدمته ونشره، وأصبحت عدة قبائل إفريقية كانت وثنية أو مسلمة إسلاماَ إسمياَ أصبحت من أتباع الإسلام المتحمسين له منذ أن حلّ  فيهم من قبل دعاة السنوسية، وللسنوسية نفوذ كبير في بلاد ” وادأي ” والجلا”، وحول ” بُحَيرة تَشَادْ ” وفي بلاد ” كَانِم ” و” باجُرْمي ” و” دَارْفَوْر” وعلى العموم  كانت السنوسية تنتشر في المنطقة المحصورة بين ساحل البحر وحوض “النَيْجَرْ”، وينشرون زواياهم في واحات هذه الأجزاء( [21]) وكان آخر السنوسيين في قوة دعوته وإخلاصه، السيد أحمد الشريف السنوسي، وكان قد رأى جنوب السودان وحاجته إلى الدعاة، فأرسل إليه الرسل من السنوسيين يدعون إلى الإسلام، حتى ضاق بهم ذرعا المندوب الإنجليزي – إذ ذاك – وهو ( اللورد كتشنر) فأرسل إلى السيد السنوسي يتضرع إليه، ولولا حروب الطليان مع السنوسية في 1911، وسنة 1912 م لحوّل الجنوب السّوداني إلى مسلمين”.( [22])

*** الهوامش


[1]– روبير ديشان، الديانات في أفريقيا السوداء ، ص 134

[2] –  احمد شبلي،  موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ، ص 219

[3] – تعني كلمة الشيخ درجة علميّة  وهي رمز لعالم الدين وتستخدم في الصومال  بمثابة الأستاذ للمريد  والمريد أيضا  كالطالب  في التعليم النظاميّ فهو الذي يحدّد لمريده طرق الوصول إلي الله ويساعده على السّير فيها

[4] –  عبد الرحمن محمد النجار،  رحلة دينية الى افريقيا ، ص 62

[5] –  روبير ديشان، الديانات في أفريقيا السوداء ، ص 134

[6] –  صادق باشا، الرّحلة  إلى أفريقيا ،  ص167

[7] –  غالبا ما يسمع من أتباع الطريقة القادرية في الصومال شعارا يتميزون به عن غيرهم من الصوفية وهو شعار ” لا إله إلا الله محمد رسول الله والشَيْخ عبد القادر شيء لله  اويس احمد ولي الله ” ويحملون في الحوليّات  راية حمراء مكتوب علىها كلمة التوحيد

[8] –  ولد مؤسس الطريقة القادرية في جيلان سنة 470هـ ورحل إلى بغداد سنة 478هـ ودرس العلوم الإسلامية هناك ولاسيما الفقه الحنبلي، كما مارس شيئا من السلوك الصوفي واشتغل بالوعظ ، والطريق إلى قهر أهواء النفس هو العبادة وذكر الله ، والذكر عند مدرسة القادرية هو الذكر ألجهري بحيث يذكر الذاكر الله بأعلى صوته وليس الذكر الخفي كما عند النقشبندية ، وتوفي عبد القادر الجيلاني عام 561هـ ، وقد قام تلاميذ ه بنشر طريقته في أنحاء العالم الإسلامي .حرسي محمد هلوله ، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ، ص، 56

[9] –  عبد الرحمن محمد النجار ، رحلة دينية الى افريقيا ، ص 161

[10] –  المرجع السابق ص 65- 66

[11] ) ولد بقرية عين ” ماضي” بالجزائر عام 1150هـ ( 1737م) ، ودرس العلوم الدينية بمدينة فاس ثم انتقل إلى تلمسان ، وقد اتخذ  التجياني من مدينة فاس مقراً له ينشر منه طريقته الجديدة فتبعه عدد كثير من المريدين ، أطلق عليهم الأحباب ، وعندما توفي سنة 1818م ، كانت الطريقة التيجاني قد استقرت وعلا شأنها ببلاد المغرب وبعد وفاة المؤسس  قام ابناه محمد الكبير ومحمد الصغير بنشر دعوته .بمعونة من اثنين من اكبر مريديه  وهما الشّيْخ محمود ابن علي التونسي ، والحاج علي بن عيسي ، وانتقل مركز الدعوة إلى قرية ” عين ماضي  ” مسقط رأس صاحب الطريقة . عبدالرحمن محمد النجار ، رحلة دينية الى افريقيا ، ص 71

[12] – جمهورية في افريقيا الغربية علي خليج غينيا بين غانا، وقوليا العليا ، ومالي، لويس معلوف ،المنجد في اللغة والإعلام، ص، 284

[13] – غانا : جمهورية افريقيا الغربية علي خليج غينيا وبين ساحل العاج، وبركينافاسو، وتوغو، هي ساحل العاج سابقاً . المرجع السابق، ص 386

[14] – غينيا: اكبر خليج في افريقيا يقع غرب القارة امام غانا، وتوغو، وبنين،  ونيجيريا في الشمال . المرجع السابق، ص400

[15] – السنغال : جمهورية في افريقيا الغربية على الأطلسي يفصلها نهر سنغال عن موريتانيا وتحيط بها مالي وغينيا .المرجع السابق، ص310

[16] – الكونغو: جمهورية شعبية في افريقيا الإستوائية بين غابون، وكامرون ، وجمهورية افريقيا الوسطي ، وزئير وساحل العاج . المرجع السابق ن ص479

[17] –  نيجريا: دولة افريقيا الغربية على خليج غينيا بين نيجريا، وبين، وكامرون، وتشاد عاصمتها ابوجا . المرجع السابق ، ص582

[18] – عبد الرحمن محمد النجار، رحلة دينية الى افريقيا ، ص 135.

[19] – ولد مؤسس السنوسية سنة 1798م  في بلدة مستغانم بالجزائر وتلقي بها مبادئ الدراسة ثم رحل الى فاس حيث التحق بجامعة القرويين ورحل بعد ذلك الى الأزهر فتعلم به وعلّم ثم سافر إلى الحجاز حيث التقي بكبار المشايخ واستفاد بعلمهم واعجب بالكثيرين منهم .عبد الرحمن محمد النجار ، رحلة دينية الى افريقيا،  ص 73

[20] – المرجع السابق، ص  72

[21] –  زاهر رياض، الإسلام في إثيوبيا في العصور الوسطي، ص 159

[22] – عبد الرحمن احمد النجار، رحلة دينية الى افريقيا ،  ص 76

2 تعليقان

  1. واعرف أولا أخي حسن البصري هل هناك فرق بين التصوف الذي ذكر في زبر المتقدمين وأولئك المتصوفة التي نحن نرها في غالب البلدان الإسلامية العربية منها وغير العربية وهي حقيقة كما قال الشاعر
    وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاك

  2. ماشاءالله مقال رائع جدا تسلم يداك ياشيخنا

%d مدونون معجبون بهذه: