نشأة مدارس التصوف الإسلامي(1-4)

 قبل أن نبدأ الحديث في نشأة مدارس التصوف الإسلاميّ نحاول أن نتوصل إلى شيء من معرفة ماهية التصوف الإسلامي ؟ ونودّ أن نزوّد القارئ تعريف التصوف ومفهومه وأصوله ونشأته، ومن ثمّ نأتي إلى موضوع بحثنا وهو “نشأة مدارس التصوف الإسلامي” ليكون الموضوع منسقاً ومنسجماً مع بعضه؛ فنبدأ بتعريف التصوف رغم أننّا أخذنا تعريفه بصورة موجزة في الفصل الأول عند حديثنا عن تعريف “مصطلحات البحث” ولكننّا الآن نبسط مفهومه بشكل أخص  وبعبارات أدق.

 تعريف التصوف الإسلامي:

      نودّ أن نشير مرة أخرى إلى أن التصوف الإسلامي ليس له تعريف محدّد بين جميع الأطراف للتصوف، وأخذنا سابقاً تعاريف شتى لمصطلح “التصوف” بصفة موجزة، ولكنّنا في هذه المرة نحاول أن نفهم أسباب عدم حصول تعريف موجز للتصوف، ومن هذه الأسباب:- “أن بعض العلوم كالفلسفة وعلم الكلام والتصوف وغيرها من العلوم الإنسانية يصعب عادة أن يُعرف تعريفاً دقيقاً محدداً، وذلك أن هذه العلوم  مرتبطة بالإنسان ذاته من جوانب نفسية ورحية وعقلية وشعورية وغير ذلك مما يجعل الأحكام التي يصدرها الإنسان على هذه العلوم صادرة من الناحية التي ينظر منها ومتأثرة بشعوره إحساساته.

 ومن هذه الأسباب العامل الزمني والبيئي وأثرهما في تحديد المعنى، وذلك أن التصوف مرّ بمراحل مختلفة كما نشأ في بيئات متنوعة؛ فكان نظرة المتصوفة وغيرهم من العلماء إلى التصوف تختلف اختلافاً كبيراً، ومنها أيضاً وجود التيارات المختلفة في التصوف ذاته كالتيار الرّوحي والأخلاقي والفلسفي والإشراقي وغير ذلك، واختلف تعريفات المتصوفة والمشتغلين بالتصوف لهذا العلم” [1]

       يقول القشيري في هذا الصدد:” وتكلم الناس في التصوف مامعناه؟ وفي الصوفي: من هو؟  فكل عبّر بما وقع له ونورد هنا مجموعة من التعريفات التي ذكرها القشيري في رسالته”[2]

قال أبو الحسن المزين : – ” التصوف الإنقياد للحق”

قال أبوبكر جحدر الشبلي:- ” التصوف الجلوس مع الله بلا همّ”

قال محمد الكتاني:- ” صفوة القرب بعد كدورة البعد”

قال عبد الحيلم محمود: “التصوف صفاء ومشاهدة، [3] أما الصفاء فإشارة إلى قوله تعالى: ({قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا[4] وأما المشاهدة فهي إشارة إلى قوله تعالى : (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمابالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)[5]

 مفهوم التصوف الإسلامي

   ” كان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية كــ ” أبي هاشم الكوفي المتصوف (ت 105هـ) والحسن البصري(ت110هـ) وجابر بن حيان( ت120هـ ) ورابعة العدوية (185هـ) وعبدك الصوفي (ت210هـ)  إلى أيام المحاسبي(ت242هـ) وذي النون المصري(ت 245هـ)، ثم تغيرت نظرة الناس إلى التصوف؛ فاصبح ينظر إليه كأنه “سلوك خُلقي وتوحيد”[6] وعاش أصحاب هذه النظرية ما بين سنة 240هـ  إلى سنة 350هـ، … ولم يتغير شيء عن مفهوم التصوف بعد الإمام الغزالي أي النظر على أنّه “خلق وتوحيد” استمر ولكنّ المناهج تغيرت فنجد أن المتصوفة اعتمدوا على منهج فلسفي وآخر اشراقي للوصول إلى كنه الأبعاد الأخلاقية والتوحيدية للتصوف الإسلامي، ولذلك نجد ابن عربي (ت 560هـ) يقول ” فإنه أي التصوف – حكمة كله، فإنه أخلاق، وهي تحتاج إلى معرفة تامة عقل راجح وحضور وتمكن قوى من نفسه حتى لا تحكم عليه الأغراض النفسية ”  وقد استمر التصوف حاملاً هذا المفهوم ذاته إلى عهد قريب، ولعل السنوسي الذي ينتسب إليه السنوسية مثال واضح للتصوف “الأخلاقي العقيدي” .[7]

 أصل كلمة”تصوف

   من الضروري أن نستعرض ماقاله العلماء عن أصل كلمة التصوف للتوصل إلى معرفة نشأة التصوف؛ لأنه جرت عادة الباحثين والدارسين في هذا الموضوع (التصوف) البحث عن أصل هذه التسمية فمن هذه الأقوال:- القول بالأصل اليوناني: وقد نُقل هذا الرأي عن أبي الريحان البروني( ت440هـ) ويعتقد بأن لفظ ” سوف” وهو باليونانية ” يعني الحكمة، ولذلك سمي الفيلسوف ” بيلاسابا” هو أصل كلمة ” الصوفية “، وهم الحكماء في الإسلام، وذلك أن هؤلاء القوم المسلمون ذهبوا إلى قريب مما ذهب إليه فلاسفة اليونان في الحكمة؛ فلذلك سموا صوفية” [8] ولكنّ كثيرا من الباحثين الإسلاميين نقدوا وعارضوا هذه التسمية-والقول بأنهم منسوبون إلى صُفة [9] مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم – رغم أن هذا الرأي  أيضا قوبل  برفض من قبل الباحثين الإسلاميين .

يقول عبد الحليم :-” أن لفظ (تَصَوف) تنتسب إلى الصُوف[10] وكما أنه يقال تقمص إذا لبس القميص، كذلك يقال تصوف اذا لبس الصوف”[11]

 نشأة التصوف الإسلاميّ

       “غالبية الدارسين ممن يعتد برأيهم، اتفقوا على أن التصوف اتجاه روحيّ اسلاميّ ينبع من أصول إسلامية، ومن هؤلاء الباحثين القدماء من أنصار التصوف كالقشيري والكلاباذي والسراج الطوسي والغزالي وغيرهم، ومن المعاصرين الشيخ محمود عبد الحليم، والشيخ مصطفي عبدالرزاق، و زكي مبارك، وحسنين محمد مخلوف، ومن المستشرقين “نولدكة” وماسينيون “ونيكلسون” فهؤلاء جميعاً يرون أن التصوف نشأ إسلامياً أو عربياً خالصاً، وأن المصطلحات وبعض الأفكار التي نجدها فيه والتي تبدو أنها قدمت من حضارات أجنبية كحضارة اليونان والهند وفارس… فلا تعدو أن تكون من المحسنات”[12]

       و يقول ماسينيون:”على أنه إذا كانت مادة التصوف إسلامية أو عربية خالصة فهما لايخلو من فائدة أن نتعرف على المحسنات الأجنبية التي أدخلت عليه ونمت في كنفه”[13]

  نشأة مدارس التصوف الإسلامي في العالم الإسلاميّ

  ” يحمل التيار الصوفي في طياته مذاهب مختلفة ذلك أن هذا التيار مرّ بمراحل مختلفة، ويذكر بعض دارسي تاريخ التصوف الإسلامي مراحل ثلاث:

 -1- “الأولى هي المرحلة التي تغطي القرون الثلاثة الأولى، وهي مرحلة البحث عن الذات، أو هي فترة الصراع من أجل البقاء على تعبير نيكلسون .”[14]

 -2- “والمرحلة الثانية هي مرحلة التوفيق بين التصوف وخصومه التي انتهت بانتصار التصوف على  الفقهاء على يد إمام أبي حامد الغزالي.”[15]

-3- “أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة ما بعد الانتصار، وتتميز بانتشار المؤلفات الكبرى في التصوف[16]،        وظهر بعد ذلك اتجاهان للتصوف كما يقول نيكلسون:“وهما اتجاه ميتافيزيقي يمثله ابن عربي والسُهراوردي المقتول، واتجاه شعبي تمثل في الطرق الصوفية.”[17]

 ويمكننا الآن أن نرجع إلى ماكنا بصدده سابقا،ً وهو موضوع نشأة مدارس التصوف فيقول دومينيك سورديل: ”  قد انتشر التصوف في جميع أنحاء العالم الإسلامي بفضل الطرق الصوفية، وكان من قبيل الصُدفة أن يكون واحد من مؤسسي هذه الطرق الصوفية شيخ سلفي حنبلي المذهب، وهو الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويرى المستشرق الفرنسي دومينيك أن تمكُن التصوف من قلوب عدد كبير من الفقهاء وخاصة الشافعية وبعض الحنابلة يرجع لانتشار التصوف ابتداءً من القرن الثاني عشر الميلاي عن طريق الجماعات الصوفية”[18] وبناء على هذا الرأي يقول حرسي هيلوله: ” من دوافع نشأة الطرق الصوفية إحساس بعض المتنسكين ضرورة إيجاد قاعدة شعبية للفكر الصوفي الذي كان قبل ظهور الطرق الصوفية مختصراً على بعض المتنسكين الذين كانوا يأوون إلى الصوامع والكهوف للتعبد هناك بعيداً عن المجتمع”[19]

  ويضيف حرسي هيلوله ” قد ظهرت في العالم الإسلامي فرق  كثيرة منذ القرن الثاني الهجري، وكانت عبارة عن مجموعة من المتنسكين يجتمعون في أماكن خاصة بهم لغرض التعبد، وعرف هؤلاء فيما بعد بالطرق الصوفية ” [20]

 ومن أشهر مدارس التصوف في العالم الإسلامي ما يلي:

الطريقة القادرية: أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ) .

الطريقة النَقشبندية: التي أسسها الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي ( ت791هـ) .

الطريقة الرُفاعية: أسسها الشيخ أحمد الرفاعي ( ت 578هـ) .

الطريقة الشاذلية: نسبة إلى مؤسسها ابي الحسن الشاذلي ( ت686هـ).

الطريقة الياسفية: أحمد بن ابراهيم بن على (ت564هـ) .

الطريقة الكبراوية: نجم الدين الكبري الخيوفي (540هـ 618هـ) .

الطريقة الشيشية: معين الدين بن حسن الشيشي (ت1142م 1236م ).

الطريقة المولاوية: جلال الدين الرومي ( 1207م 1273م) .

الطريقة الأحمدية: أحمد بن إدريس بن محمد بن على ( 1760م – 1837م).

الطريقة الصالحية: تأسست سنة 1887م  على يد الشيخ محمد بن صالح .

الطريقة المرغنية: نسبة إلى محمد بن عثمان المرغني السوداني المتوفي سنة (1267م).

الطريقة السنوسية: محمد بن على السنوسي(1787م – 1859م) “.[21]

 

الهوامش

 


[1]   حرسي محمد هلوله، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ، ص13

[2] – القشيري، رسالة القشيرية ، ص 550-557

[3] – عبد الحليم محمود ، قضية التصوف ، المنقذ من الضلال، ص 437- 438

[4] – الشمس آية 9

[5] –  آل عمران آية 18

[6]  – حرسي محمد هلوله، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ،ص 17

[7] – المرجع السابق، ص 18- 19

[8] – حرسي هلوله، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ،ص 21

[9]–   الصُفة: هم زهاد من مهاجري الصحابة فقراء غرباء كانوا سبعين ويقلون حيناً ويكثرون ن لا مسكن لهم ولا مال ولاولد يسكنون صفة المسجد وهو موضع مظلل في مسجد المدينة  مصطفي ، دائرة المعارف الإسلامية مادة تصوف ، ص 278

[10] – يقول كثير من الباحثين أن هذا الرأي اقرب الى الصواب والمعقول ولأنه أشتق  من “الصُوف

[11] – حرسي هلوله، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ،ص 21

[12] – المرجع السابق ، ص33

[13] – لويس ماسينيون، دائرة المعارف الإسلامية، مادة تصوف

[14] – حرس هيلوله، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ، ص55

[15] – المرجع السابق، ص55

[16] – نيكلسون، الفلسفة وعلم الكلام والتصوف، ص94-95

[17] – المرجع السابق، ص107

[18] – دومينيك سورديل، الإسلامي في القرون الوسطي، ص161

[19] – حرسي هلوله، دراسات في علم التصوف والأخلاق وعلم الكلام ، ص 56

[20] – المرجع السابق، ص 56

[21] –  المرجع السابق، ص 56 – 61

2 تعليقان

  1. جميل جدا ما كتبه الأخ ( حسن البصري ) و نتمى الحصول على نسخة من هذه المقالات القيمة و الرائعة التي انصف فيها التصوف الإسلامي الحقيقي جزاه الله خيرا …

  2. فَقيهاً وَصوفِياً فَكُن لَيسَ واحِداً
    فَإِنّي وَحَقُ اللَهِ إيّاكَ أَنصَحُ

    فَذَلِكَ قاَسٍ لَم يَذُق قَلبُهُ تُقىً
    وَهَذا جَهولٌ كَيفَ ذو الجَهلِ يَصلُحُ

%d مدونون معجبون بهذه: