استراتيجية منطقة شرق إفريقيا وأهمية مسلميها [الحلقة الأولي]

أولا: الأهمية الإستراتيجية:

يعني اصطلاح شرق إفريقيا المناطق التي تضُم الوحدات السياسية الحالية: إثيوبيا، إرتريا، الصومال، كينيا، أوغندا، تنزانيا، جيبوتي، جزر القمر، جزيرة شيسل. ومنطقة شرق إفريقيا هي المنطقة الواقعة على رأس مضيق باب المندب من الساحل الأفريقي، وتمتد حتى المحيط الهندي جنوبا، والبحر الأحمر شمالا.

تتمثل أهمية وإستراتيجية شرق إفريقيا كونها منطقة مهمة بالنسبة للقارات الثلاثة القديمة (أوروبا، آسيا، إفريقيا) حيث أنها حلقة الاتصال بين هذه القارات عن طريق التجارة الدولية، كما تأتي أهميتها الإستراتيجية من كون دولها تطل على ” المحيط الهندي” من ناحية وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ثم فإن دولها تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، والمتوجهة إلى أوربا، والولايات المتحدة. كما أنها تُعد ممرا مهما لأي تحركات عسكرية، قادمة من أوربا، أو الولايات المتحدة، في اتجاه منطقة الخليج العربي. وقد وضحت هذه الأهمية أيضا في التاريخ الحديث فأضحت المنطقة مطمعا للدول الاستعمارية ومنطقة الصراع بين القوى العظمى، فتسابقت على فرض نفوذها في المنطقة للاستئثار بالمزايا الجغرافية والإستراتيجية لتزداد قوة على قوتها حاضرا ومستقبلا، وقد أدى صراع هذه الدول الاستعمارية للاستفادة من منطقة شرق إفريقيا إلى وضع خطط لتمزيقها وتوزيعها على المتصارعين بما يخدم مصالحهم الإستراتيجية دون النظر إلى مصالح شعوب هذه المنطقة( ) ولا تقتصر أهميتها على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعدي أيضاً للموارد الطبيعية فيها ، خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في أكثر من دولة مثل: كينيا، حيث أعلنت شركة “تللو” البريطانية عن اكتشافاتها النفطية الثانية في غضون شهرين في إقليم التركانا (turkana) الكيني المجاور لحكومة جنوب السودان.

بهذا فإن رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينقا تحدث بحذر واصفا الاكتشافات النفطية بأنها أخبار طيبة، وذلك على عكس رئيس الجمهورية مواي كيباكي، الذي وصف الاكتشاف النفطي الأول في مارس بأنه يمثل عملية اختراق كبرى وبداية لرحلة طويلة لجعل كينيا دولة مُصدرة للنفط.

ما يرفع احتمالية النجاح الجيولوجي في استخراج النفط بكميات وكلفة ذات جدوى تجارية في البلاد مستقبلا بالإضافة إلى احتياطيات النفط في أوغندا، التي قد توازي تلك التي في دول الخليج العربي بناء على نتائج سلسلة اختبارات أجريت قريبا، وكذلك الصومال التي يسعى الغرب وتحديدا ًبريطانيا لحل قضيتها بسبب البترول، إذ اكتشفت شركات غربية مخزون نفطي كبير في شرق الصومال قدرت عائداته تريليوني دولار. وتقول بعض الشركات إنها تخطط لاستثمار نحو 50 مليار دولار خلال فترة السنوات الخمسة المقبلة لتطوير احتياطات الغاز الطبيعي في شرق أفريقيا. وتحتوي قائمة الشركات النشطة في المنطقة على أسماء العلامات الرئيسية للصناعة النفطية في العالم أمثال أيني الإيطالية وستات أويل النرويجية وشل الهولندية وأكسون/موبيل وغيرها، التي استفادت من التقدم التكنولوجي لتحقيق اختراقات مهمة للوصول إلى نتائج عاجلة وتقليل التكلفة بصورة مؤثرة.

وأسهمت بعض ممارسات الشركات الصغيرة في زيادة حجم الاهتمام بما يجري، ففي يناير الماضي مثلا قررت شركة بريطانية صغيرة تدعى”كوفي للطاقة” عرض حصتها البالغة (80.5%) للبيع في كونسورتيوم تمكن من تحقيق بعض الاكتشافات في حقل موزنبيق باحتياطيات تقدر بنحو 15 ترليون قدم مكعب، حسب الإحصائيات المعتمدةة عليها.

عرضت شركة شل مبلغ 106 مليار دولار لشراء هذه الحصة، وزايدت عليها شركة تايلندية تانعة للدولة برفع عرضها إلى 107 مليارا.

ثانيا: الوجود الإسلامي:

يرجع الوجود الإسلامي في القرن الإفريقي إلى عهد الصحابة وذلك عندما اشتدَّ أذى مشركي مكة للمسلمين حيث أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حيث يوجد بها النجاشي، ولقد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لا يُظلم عنده أحد، ومن ثمّ كان اختيار الحبشة مكانا لهجرة المسلمين في محله، إذ كان الاستقبال الحافل والحفاوة البالغة التي تمَّ بها استقبال المسلمين كفِيلة باستمرارهم، وقد تكررت هجرتهم مرة أخرى بفوج أكبر من الفوج الأول، فبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة إمرأة، وقد حاولت قريش الإيقاع بين المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وبين النجاشي ومن معه من النصارى، ولكن قوة الحجة عند المسلمين وحُسْن تصرفهم حالَ دون هذه الوقيعة، وازداد تمسُّك النجاشي بهم وحمايته لهم.

وقد كان للعلاقات الودية بين الرسول صلى الله عليه وسلم والنجاشي، والمعاملة الطيبة التي لقيَها المسلمون المهاجرون إلى الحبشة أكبر الأثر في توثيق العَلاقات بين نصارى الحبشة وبين المسلمين، إلاَّ أن هذه الهجرات الإسلامية الأولية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم تترك أثرا في حياة البلاد، وإن كانت قد تركت أثرا في نفوس الأحباش، وأطلعتهم على الينبوع الروحي الجديد المتفجر بالقوَّة والحيوية، ووطدت الصلات بين الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الأحباش.

ومن بين البقاع التي نَعِمت بنور الإسلام في وقت مبكر، تلك الأرض الممتدة على الساحل الشرقي للقارة الإفريقية والأراضي القريبة منها كذلك، وتضم اليوم مجموعة من الدول كما أسلفنا هي إريتريا وإثيوبيا والصومال وكينيا وتنزانيا وأوغندا وجيبوتي وبوروندي ورواندا وجزر القمر.

وتأتي هذه العلاقة أن عرب جزيرة العرب – خاصة عرب الجنوب- هم أقدم الشعوب العربية اتصالا بالسواحل الإفريقية الشرقية، بحكم الجوار الجغرافي، وساعدهم على قيام هذه الصلات نظام الرياح الموسمية، والتي كانت تمكِّن السفن الشراعية الصغيرة من القيام برحلتين على الأقل في العام؛ ففي الخريف تدفعها الرياح الموسمية الجنوبية الغربية من خليج عُمَان وسواحل الجزيرة العربية نحو الساحل الإفريقي، وفي فصل الربيع تدفعها في اتجاه الشمال الشرقي، حيث تمكِّنها من العودة إلى قواعدها، وفي خلال دورة الرياح يتمُّ التعامل التِّجاري، كانت تلك إذن هي بدء العَلاقات بين سكان شبه الجزيرة العربية وبين شرق القارة الإفريقية، وقد مهَّدَ هذا الأمر لوصول الإسلام ثُمَّ إنتشارِهِ بعد ذلك في المنطقة. كما تُؤكد الآثار الجغرافية والمصادر التاريخية أن الإسلام وصل إلى ساحل كينيا منذ القرن الأول الهجري وبالتحديد في عام 65هـ، وذلك في أيام عبد الملك بن مروان الأموي عن طريق بعض المهاجرين العرب الذين هاجروا من جنوب الجزيرة العربية لأسباب اقتصادية أو سياسية، كما تدل التواريخ المُدوَّنة قبل ألف عام على بعض المساجد الموجودة حتى الآن في )جيدي)، وجزيرتي (بَاتَيْ ولامُو الكينيتين المجاورتين للصومال) على وصول التجار العرب إلى تلك المناطق الساحلية من كينيا، حيث كانت سفن عرب جنوب شبه الجزيرة العربية تجول في المحيط الهندي وسواحله، والبحر الأحمر، تحمل البضائع من المراكز التجارية التي أنشئوها على امتداد الساحل الشرقي لأفريقيا إلى البلاد العربية.

ونتيجة لموجات الهجرة المتتالية تكونت إمارات إسلامية عديدة على طول ساحل شرق أفريقيا، كإمارة مقديشو، ومركة (Markaa، وبراوةBarawa)، وكسمايو (في الصومال)، وإمارة لامو، وماليندي، وممباسا (في كينيا)، وإمارة كِلوة، وبيمبا، وزنجبار (في تنزانيا)، ونتج عن تفاعل وتواصل القادمين إلى هذه المناطق بالمقيمين فيها قبلهم اعتناق المواطنين بالديانة الإسلامية، وظهور ثقافة إسلامية عربية سائدة على كامل ساحل شرق أفريقيا؛ تمثلت في بروز اللغة السواحلية التي جمعت ما بين الحضارة الإفريقية والعربية في مفرداتها وآدابها والتي تُعتبر من أغنى الأدبيات الإفريقية بالإضافة إلى تأسيس المحاكم القضائية الشرعية التي كان أغلب قضاتها على المذهب الشافعي.

وقد دوَّن الرَّحَّالة المغربي ابن بطوطة (ت 778هـ) في رحلته المشهورة أنه مرَّ بساحل شرق أفريقيا في القرن الثامن الهجري، فزار مقديشو، ومُمباسا، وكِلْوَة، وغيرها من المدن الساحلية، وذكر أن سكان هذه المناطق كلهم مسلمون، شافعيـو المذهب، أهل دين وإصلاح وعفاف).

فبهذا التحديد يكون القرن الإفريقي إسلامي الهوية، للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه، والتي تتشكل في غالبها من قبائل الأرمو، والجالا في إثيوبيا، والصوماليين، في الصومال وإثيوبيا، وأنفدي بكينيا، والعفر، والعيساويين، في جيبوتي، وإرتريا، والبجة الموزعين بين إرتريا، وشرق السودان، ومن عداهم من القبائل والمجموعات الإسلامية الأخرى هذا بالإضافة إلى قبائل السواحلية التي تسكن في المناطق الساحلية في كينيا، وتنزانيا، زد على ذلك العرقيات المختلفة من هنا وهنالك، والتي تضم نسبا متفاوتة من المسلمين، كالأمهرا وغيرهم.

ثالثا: الاهتمام المسيحي:

وعند سقوط الأندلس بدأت حملات اكتشاف أوربا للقارة، فاحتلوا جزيرة زنجبار، فوقع العالم الإسلامي تحت الاحتلال من مختلف الدول الأوربية، وبدأ النضال الإسلامي للاستقلال، فظهر في الصومال محمد بن عبد الله حسن الشهير بالمُلاَّ. أما إريتريا فرغم الأغلبية المسلِمَة فيها إلا أنها وقعت تحت الاحتلال الحبشي، وانسحبت مصر من إريتريا بسبب وقوعها تحت الاحتلال البريطاني، واحتلتها إيطاليا، ثم ضمت إريتريا للحبشة، وبدأ اضطهاد المسلمين فيها ، وانتشرت الهيئات التنصيرية في ربوعها.

وأما تنزانيا فسيطر عليها العمانيون، ثم احتلتها ألمانيا، وقد وقع السلطان العماني تنازلاً للشركة الألمانية عن أملاكه في الشريط الساحلي، ثم استقلَّت زنجبار وضمت إلى تنجانيقا؛ لتكون فيما بعد جمهورية تنزانيا عام1964م.

وهذه الدُّول الآن يغلب الإسلام بين أهلها ؛ إلا أنها تتعرض لمجموعة من المعوِّقات؛ مثل: وجود الحملات التنصيرية بين أهلها خاصة في إريتريا وإثيوبيا، وكذلك كينيا وأوغندا، وانتشار الفقر والصراعات الداخلية مثل الصومال، أو المعوقات الاقتصادية وعدم استغلال الموارد الداخلية فيها مثل جزر القمر.

وخضعت كينيا للاستعمار البريطاني الذي أراد التخلص من اللغة العربية، وذلك بكتابتها باللغة اللاتينية؛ لصرف المسلمين عن قرآنهم، وجاء الشيخ الأمين علي المزروعي الذي تأثر بحركات الإصلاح التي ظهرت في العالم الإسلامي، وقام بإصدار صحف وإنشاء مدارس ومشروعات إسلامية متعددة. أما “أوغندا” فكانت تَدِينُ بالإسلام دينا رسميا، وكان ملكها يؤم الناس في الصلاة، فأرسل الخديوي إسماعيل ضباطًا لاكتشاف منابع النيل، وقام بضمِّ “أوغندا” إلى مصر وسمَّاها مديرية خطِّ الاستواء، وكان لهذا أثر طيِّب في تثبيت العقيدة الإسلامية بين الأهالي، فجاء الاستعمار البريطاني، وأعلنت بريطانيا عدم سماح دخول أي مسلم إلى أوغندا إلا بإذن مُسْبَق.

واشتد التنافس المسيحي بعد سقوط الخلافة، وتحديدا عام 1924م وزحف الاستعمار الغربي، وشهد القرن الأفريقي استيطانا استعماريا، حيث احتل الإيطاليون الصومال، وإرتريا، والفرنسيون جيبوتي، والإنجليز كينيا والسودان، لكن واجهت حركات مقاومة إسلامية، إذ وقف الإمام محمد أحمد المهدي بمواخهة الإنجليز في السودان، وناوش أتباعه الإيطاليين في إرتريا، وكذلك السيد محمد عبد الله حسن في الصومال، وهو تلميذ السيد محمد صالح، مؤسس الطريقة الصالحية في مكة المكرمة.

ومع تنامي الإسلام في شرق إفريقيا، وتعاظم شأنه، إلى أن صارت له شوكة وغلبة، إلا أنه ازدادت حدّة التدافع بينه وبين خصومه، حيث تنادت كل قوى الشر المتربصة به للتحالف ضده، فتدخلت القوى الأوروبية بأساطيلها وجيوشها، للحيلولة دون تفرده بالهيمنة على القرن الأفريقي، والتحكم في أهميته الإستراتيجية، وأقامت فيما بينها تحالفا ضم الأقلية الدينية في الحبشة، ممثلة وقتها في أثنية الأمهرا ذات الأغلبية النصرانية، والمحاصرة في نطاق ضيق من بلاد الحبشة، وذلك حين كتبت (هيلينا) ملكة الحبشة حينها إلى عمانويل ملك البرتغال عام1510م تشكو إليه تخوفها من مصر، وممالك طراز الإسلامي في القرن الإفريقي، كما أن الحبشة في عهد (لبنا دنقل) وقعت وثيقة اتفاق عام 1520 مع القوى الأوروبية المتآمرة على الوجود الإسلامي بصفة عامة، نصت على أن ” يحتفظ ملك فرنسا بقوة عسكرية في سواكن، ويحتل ملك أسبانيا زيلع (ويتخذ ملك البرتغال من مصوّع) (قاعدة لقواته.

ولم تقف الكنيسة عند هذا الحد من صدها للدعوة الإسلامية في شرق إفريقيا، وإنما قامت وساهمت وبدعم من المستعمر الأوروبي بتجهيل القبائل المسلمة وإبعادها عن الإسلام حتى أصبحت وثنية أو لا دينية لا تعرف عن الإسلام حتى اسمه، ولا تستغرب إذا قلت لك إن قبيلة السكلافا ذات الأصول الإسلامية في محافظة ماجونقا بشمال مدغشقر لديهم مكان للعبادة يسمونه: « الدعاني » أي بيت الدعاء يطوفون حوله بإزار ورداء أبيضين متجردين من الملابس الداخلية وحاسري الرؤوس، وبعد الطواف يتبركون ويشربون ماءً ثم ينحرون الهدي.وفي شمال كينيا حيث تعيش قبيلة الغبرا يصومون رمضان ويحتفلون في شهر ذي الحجة احتفالاً يسمونه احتفال أرفه، ويتوجهون بطقوس تعبدية إلى جهة القبلة خمس مرات في اليوم ، ومع ذلك فهم لا يعرفون ديناً اسمه الإسلام.و قبيلة البورنا في شرق أفريقيا يؤمنون بوجود الله عز وجل، ويقومون ببعض الممارسات التي تدل علي ٍأنهم كانوا مسلمين في يوم من الأيام، ولكنهم يعبدون غير الله كالجبال أو الأشجار وغيرها.والله ولي التوفيق

وفي الحلقة القادمة سنتحدث –إن شاء الله – دور مسلمو كينيا والعقبات التي تواجهم.

3 تعليقات

  1. نفع الله بك الإسلام والمسلمين أستاذنا الجليل، بارك الله فيك وفي قلمك وكلنا شوق لفيض علمك وبوح قلمك… مزيداً من العطاء

  2. شكرا للدكتور يونس على هذا المقال الرائع آملا منه أن يزودنا بمزيد من الكتابات حول المنطقة.

  3. دراسة مستفيضة ورائعة. أرجو من الدكتور التعمق فى سرد العقبات التى تواجه المسلمين فى المنطقة لاسسيما فى كينيا حيث هناك مساحات كبيرة من الحرية يمكن التحرك فيها واستغلالها,مثل فتح الجامعات الاسلامية وانشاء القنوات الاسلامية وغيرها من البرامج التى يسهل انجازها دون الاحتكاك مع السلطات المحلية. شكرا مرة ثانية يا دكتور على هذا الجهد الجبار لجمع تاريخ المنطقة وخلفيتها الاسلامية والتى يجهلها جزء كبير من العالم الاسلامى.

%d مدونون معجبون بهذه: