تاريخ دخول الإسلام إلى الصومال

تعددت أقوال الباحثين والمؤرخين في تحديد الزمن الذي وصل فيه الإسلام إلى الصومال، ويورد الباحثون  ثلاثة آراء( [1])

1) منها: أن الصومال عرفت الإسلام منذ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما هاجر الصحابة إلى أرض الحبشة ([2]) بقيادة جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه، بناء على أن الهجرة كانت عن طريق باب المندب  ([3])

2) منها: أن ذلك كان في القرن الأول الهجري، كما صرّح بذلك  بعض الباحثين ( [4]) وقال :- “من الواضح كل الوضوح أن الدين الإسلامي وصل إلى الصومال في النصف الأول من القرن الأول الهجري بواسطة التجار الإسلاميين الذين حملوا الدين الإسلامي من الجزيرة العربية إلى الصومال؛ حيث اندمجوا بسكان الصومال، ( [5]) وخاصة أيام  الخليفة عبد الملك بن مروان (65-86 هـ)؛ حيث توجهت جيوشه إلى هذه المنطقة من الشاطئ الإفريقي بقيادة الأمير موسى من بني جعشم؛ حيث دعا إلى الإسلام وعلمهم قراءة القرآن، فدخل الصوماليون في دين الله أفواجاً دون حرب أو قتال.

فلما وصل هذا الأمير انتشر الإسلام في جميع أنحاء الصومال انتشاراً سريعاً، واستمرّ الحال – لكن لوحظ انحطاط- وهو بعد – أن  اصطدم المسلمون بالبرتغاليين الذين طافوا بغربي أفريقية وجنوبها في القرن الخامس عشر، ووصلوا إلى شرقها، وتغلبوا عليهم لتفوق أساطيلهم البحرية ومعدتهم الحربية؛ فهدموا القلاع وحرقوا المساجد وقتلوا خلقاً كثيراً، حتى اضطّر كثيرُ من المسلمين إلى هجرة أوطانهم، ووغلوا في داخل القارة حاملين دينهم ولغتهم وعاداتهم وبذورهم المحببة إليهم؛ فبثّوا جميعاً في البلاد التي حلّوها، وانحطّ الإسلام أيضا في عهد دولة أجوران، لكنه ازدهر في عهد الأمير سالم الصارمي المرسل من قبل ملك عمان، وقد تغلغل الإسلام في عهد دولة ” برغش” وانتشر الإسلام انتشاراً لم يعهد من قبل( [6])

3) منها : أنه دخل الإسلام إلى الصومال في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري (122هـ ــ 739م)، عندما هاجرت مجموعات من الطوائف الإسلامية، التي ضاقت ذرعاً بالاستبداد السياسيّ والمذهبيّ الذي كانت تمارسه الخلافة الأموية ضدّهم، مثل هجرة جماعة زيدية من اليمن إلى ساحل بنادر بالقرب من مقديشو، وذلك بعد مقتل الإمام زيد بن علي، كما لجأت جماعات أخرى إلى مدينة “زيلع” واستقرت هناك، ثم توالت الهجرات الجماعية والفردية بعد ذلك، التي مهّدت فيما بعد لقيام الممالك والمراكز الإسلامية في المنطقة( [7])

 أسباب انتشار الإسلام

    كانت الصومال في استقبال الدعوة الإسلامية، أسبق من أي دولة أخرى أفريقية أو آسيوية، ويرجح أن الصومال بحكم صلاتها القديمة ببلاد العرب وبحكم وجود جاليات عربية على ساحل الصومال منذ عهد انهيار سد مأرب في عام 120 ميلادية، وما تلا ذلك سواء جاءت هذه الجاليات لأسباب مذهبية أو اقتصادية، فإنه من المرجح أن الصومال عرفت الإسلام في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، حينما خرج جعفر بن أبي طالب من مكة إلى الحبشة لنشر الدعوة الإسلامية، وفي طريقه أسّس مراكز للدّعوة في إريتريا والصومال، بمساعدة الجاليات العربية المستوطنة في تلك الجهات، وكان ذلك قبل هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة المنورة، بنحو ثماني سنوات فكانت الصومال أسبق في الإسلام من المدينة المنورة، ومن ثم فلا عجب إذا وجدنا أن الصوماليين صاروا فيما بعد من أكبر المتحمسين لنشر الدعوة الإسلامية، وأصبحت البلاد إسلامية خالصة ([8] )

   وتُعَدّ مصر واليمن أكثر البلدان العربيّة ارتباطاً بالصّومال، فالمصريون ارتبطوا به عن طرق التجارة قديماً، أما اليمنيون فقد ارتبطوا به عن طريق التجارة والهجرة معاً، حيث أدّت زيادة الحركة التجاريّة بين الصّومال واليمن إلى زيادة الهجرات العربية من جنوب الجزيرة العربيّة إلى الصومال، ومن ثم ظهور جاليات  كبيرة في مقديشو وزيلع ومركه وبراوه،وعلى هذا النحو تمكّن العرب مهاجرين أو تجّاراً من نشر الإسلام وثقافتهم العربيّة والأخلاقيّة في أوساط المجتمع الصّومالي عند انتقالهم إلى هذا البلد الأفريقيّ العربيّ إثر موجات المدّ الإسلاميّ الذي تغلغل في قلب المجتمع، والوطن الصوماليّ، ولاسيما بعد انتشار السلالات العربيّة اليمنيّة من الحضارمة (التجّار، والمهاجرين، والدعاة) عبر السواحل الشرقيّة للقارّة الأفريقيّة، ومن ثَمّ أصبح المجتمع الصّوماليّ يُؤلّف مجتمعاً عربيّا يعتزّ بعروبته ( [9] )

بعد بحث عميق ظهر لي أنّ هناك أسباب متراكمة أدت إلى انتشار الإسلام في الصومال، ويمكن أن اقول أنّ بعض هذه الأسباب رئيسية، وبعضها فرعية، ومن أبرزها ما يلي:-

1)  وصول المهاجرين من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم الفارين من ضغوطات مشركي مكة إلى الحبشة، ومن ثم إلى الصومال المجاورة للحبشة برّاً عن طريق ” مدينة ” زيلع

2)    الموقع الجغرافي للصومال

3)    الهجرات العربية

4)    الشراكة التجارة بين الصومال والعرب

5)    تأسيس الإمارات الإسلامية الصومالية السبعة

6)    فتح الحبشة

7)    جهود الطرق الصوفية

8)    القراءة والكتابة

9)    الهجرات الجماعية

10)    الدعاة اليمنيين

11)    انتشار اللغة العربية في الصومال

1-وصول المهاجرين:

    والمحيط الهندي وباب المندب كانا طريق المسلمين إلى الحبشة القريبة من باب المندب؛ حيث أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم أتباعه بالهجرة إلى الحبشة حين اشتد بهم الأذى ( [10]) كما دخل الإسلام عن هذا الطريق إلى الصومال؛ فاصبح دولة إسلامية، كما امتد إلى كينيا وتنزانيا الحاليتين، ووصل الإسلام إلى أعالي الكونغو … ([11]) ولأنّ الصومال يشرف أيضاً على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ( باب المندب) ( [12])

 2- الموقع الجقرافي:

             وكان اتجاه عرب عُمان –بحكم قرب موقعهم الجغرافي-  في نشر الدعوة الإسلامية  تجاه  الأراضي الصومالية وشرق أفريقيا،كما أن انقسام المسلمين إلى شِيَع في عهد علي بن أبي طالب دفع الشيعة الرحيل إلى البلاد الصومالية، ولذا شهد الصومال نماذج متعددة من الفرق والمذاهب الإسلامية. ( [13])

3- الهجرات العربية:

        “…  وكان معظم المهاجرين من اليمن (حضرموت)، وكان وصول الإسلام إلى هذه المنطقة مرتبطة بوصول الحبشة بصفة عامة، فلقد انتشرت الدعوة بصورة سلمية نتيجة تحركات المسلمين الذين جابوا المنطقة، ونتيجة هجرة العناصر العربية واستقروا بها، واعتنق أهل المنطقة الإسلام، وتحملوا مسؤولية الدعوة، وبرز منهم علما وفقهاء ومحدثون، وأثمرت الدعوة قيام إمارة إسلامية فظهرت في القرن الثالث الهجري،  واستمرت حتى نهاية القرن السابع الهجري، أسسها بنو مخزوم من مكة المكرمة (أسرة خالد بن وليد) وعرفت بإمارة شوا، وقد سادت النطاق الأوسط من الحبشة ” ( [14])

      ويقول عيدروس  في معرض حديثه عن الهجرات العربيّة إلى العاصمة مقديشو: “واستوطنت العرب فيها من وقت بعيد، يرجع تاريخهم إلى ما قبل الميلاد بمائة واثنين، وبالجملة فإنّ العرب قد دخلوا مقديشو من نحو 2055سنة. ويمضي قائلاً: ” في سنة 149هـ جاءت قبائل العرب من صنعاء، ومن العراق، وغير ذلك من البلدان الأخرى إلى مقديشو، وعددهم أربعون قبيلة إلا واحدة ” ([15])ويقدر عدد – العرب الدين كانوا موجودين  فترة حكم سياد بري- 30000، يرجعون أصلاً إلى العناصر العربية القادمة من شبه جزيرة العرب من اليمن وحضرموت وعدن. وقد اختلطوا بالصوماليين، ويشتغل معظمهم بالتجار([16])

       وذهب أحمد شلبي إلى رأي أقرب يقول : “إنّ العرب أقاموا في مدينة مقديشو حكماً شُوريّا ظلّ حوالي ثلاثمائة سنة، وإنّ أكبر الهجرات العربيّة التي وصلت إلى مقديشو كانت سنة 149هـ، وكانت مكوّنة من إحدى وثلاثين قبيلة عربيّة ([17]).

       وأمّا محمد رجب حرّاز فيؤكّد ” أنّ العرب أسّسوا مدناً صوماليّة، كما يحدّد فترة تأسيسهم إيّاها فيقول :-  “وقد تمّ تأسيس مدن مركة، وبراوة، ومقديشو عن طريق المهاجرين العرب أيّام عبد الملك بن مروان” ([18])

          ثم تلت الهجرات الحامية من شبه الجزيرة العربية عبر باب المندب الهجرات السامية المتمثلة في الهجرات العربية قبل وبعد ظهور الإسلام، وامتزج المسلمون بسكان الصومال وصاهروهم فأخذ الإسلام واللغة العربية ينتشران تدريجياً في الصومال، واعتنق السكان الإسلام، وقد بلغ انتشار الإسلام مبلغا كبيرا عن طريق إسلام قبائل الجالا( الاورومو) الذين زحفوا من السواحل شمالاً حتى استقروا فوق الهضبة الحبشية، ومن أجل ذلك تحتوي اللغة الصومالية على ألفاظ عربية كثيرة.( [19])

4-الشراكة التجاريّة بين الصومال والعرب:

        ومن الواضح أن الصلات بين الصومال وبين شبه جزيرة العرب قديمة جداً ترجع إلى ما قبل الإسلام، بعد قرون عندما كانت الصومال جزءا من إمبراطورية تجارية عربية كبيرة تضمّ جنوب شبه جزيرة العرب وساحل خليج عدن، وجزءاً من ساحل إفريقية الشرقية وكان الصومال يساهم في نشاط هذه الإمبراطورية التجارية بمنتجاته، التي اشتهرت بها من قديم الزمان، وأهمها اللبان والبخور والعاج، والعرب هم الذين كانوا الواسطة الوحيدة للتجارة التي حملت إلى هذا الساحل الصومال… ومن ثمّ بدأ الإسلام يظهر في الشاطئ الشرقي الأفريقي، ويتغلغل في أهله، ويستقر بمقدار ما يستقرون، وتقدمت الحضارة وازدهرت في الدول الإسلامية أيام الأمويين والعباسيين، وألحّ الخلفاء والأمراء والأغنياء في طلبهم ما ينقصهم من أدوات الترف، فنشطت المراكز التجارية لتسدّ مطالب، وازدحمت العرب النازلين فيها، والذين توغلوا في الداخل في طلب مواد التجارية؛ لتسدّ مطالب هذه البيوت المالكة، ولكنهم أسرفوا في الترف والنعيم، وكلهم ألح في طلب الرقيق ليتخذه مادة لجنده. ( [20])

             تدفق سيل التجار المسلمين على سواحل الحبشة،  واستوطنوها وجعلوا يحتلونها شيئا فشيئا، فأخذوا جزيرة ” دهَلَكْ ([21])” ثم ” مُصًوَعْ  و” الزيلع ” ( [22] ) ودأبوا على ذلك حتى أصبحت جميع سواحل الحبشة في قبضة يدهم، وأدخلوا في الإسلام كثيرا من القبائل الوثنية ( [23]) … وعمل النازلون الجدد في التجارة؛ فحملوا من الداخل البن والفاكهة أو الخشب واللبان والبخور إلى السفن في البحر العربي أو البحر الأحمر إلى حيث يلج الطالبون في طلبها … وقد لقي هؤلاء التجار من عناية الملوك الصومالية ماسهل عليهم عملهم، فقد كان في زيلع موظف كبير للإشراف على التجارة ينظم أمورها ويزود قافلتها بالأدلاء والحراس …( [24])، ولبيان أثر التجار في نشر الإسلام في أفريقيا عامة، وفي الصومال خاصة،  كان التجار يلبسون ملابس نظيفة أو فخمة، وطبيعة التاجر أنه حُسْنُ المعاشرة وترتسم ابتسامة على شفتيه بسهولة عند ما يبيع أو يشتري، ويجعل من يعامله صديقه الوفيّ، أخذاً باعتبار حديث رسول الله صلي   الله عليه وسلم ”    ﴿رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ﴾” ( [25] ) وهذا وثق العلاقة بين التاجر المسلم وبين المشتري، وخلق لوناً من الجاذبية والتقدير، وفي هذا الجوّ يتمّ تبادل السلع والأفكار  ثم إن المركز التجاريّ يتميّز بالنظافة، ولعب ثراَءُ التجار دوراً كبيراً إذ ساعد التاجر على بناء منزل جميل، وعلى الظهور بمظهر الكرم والسخاء، وكل هذا يجعل بيت الغني موئلاً للسّادة والرؤساء، وملاذاً للمحتاجين، ومكانا يتطلع إليه الأذكياء، ومحبو الاستطلاع والطموحون ([26])

      والتجار المسلمون يصلّون وتضمّهم صفوف جميلة في صلاة الجمعة والجماعة، وهم لا يشربون الخمر، ولا يأتون المنكر، ومستواهم الخلقي غالبا طيّب للغاية، فيتزوج التجار من رؤساء القبائل وأصحاب النفوذ، وكثيراً ما يدخل رؤساء القبائل في دين أصهارهم فتتبعهم باقي القبيلة ( [27])، ولأن كثيراً من هؤلاء التجار المسلمين لا يجيدون الفقه  فقد استخدموا الفقهاء والعلماء لهذه المناطق عندما يكثر المسلمون بها؛ ليتولّي هؤلاء العلماء تعليم الناس أمور دينهم، وكان بعضهم يشيّد المدارس، وينشئ المساجد، وكثيراً ما يختارون أفذاذ الطلاب من المواطنين لإرسالهم إلى المعاهد الإسلامية الشهيرة في مصر أو الشمال الإفريقي ليتلقوا مزيداً من العلم ( [28])

 5-تاسيس الإمارات الإسلامية:

         وبعد سقوط إمارة شوا في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، قامت سبع إمارات إسلامية طوقت الحبشة من الجنوب والشرق، وكل هذه الإمارات تقع في نطاق “أوجادين” وإريتريا”( [29])

         وبرزت من هذه الإمارات الإسلامية إمارة “اِفَاتْ ” ولم يكن للحبشة إلا نفوذاً إسمياً في هذه المناطق، وكان يتلاشي عندما يشتدّ عضد الإمارات الإسلامية، وتدخل في صراع حربي مع ملوك الحبشة، ويقوى نفوذ أباطرة الحبشة عند ما تضعف هذه الإمارات، ولقد تكررت هذه الظاهرة في عهد الكثير من ملوك الحبشة، فكان منها ما حدث في عهد الإمبراطور ” عمد اصيون ” الأول في سنة 729هـ – 1328هـ فاضطهد الإمارات الإسلامية، وكذلك فعل من بعده من الإمبراطور ” اسفيا اراعد ” والعديد من ملوك الحبشة مثل ” زرء يعقوب ” و” زرع يعقوب ” وتسببت هذه الأحداث في انهيار إمارة ” اوفات ” الإسلامية، واستعان ملوك الحبشة في حروبهم ضد المسلمين بالمطارنة، وكانوا يعينون من قبل البطريكية المصرية، ولهذا استفاد ملوك مصر من هذا المبدأ لتخفيف ضغط حروب أباطرة الحبشة على المسلمين بها ( [30])، وكانت الحرب سجالا بين ملوك الحبشة والإمارات الإسلامية، وترجمت حركات توحيد المسلمين عن هذه الظاهرة، فكان يصحب حركات التكتل مدّ إسلاميّ يتسع فيه انتشار الإسلام في ربوع الحبشة ومن أبرز موجات المدّ الإسلامي تلك الموجة العاتية التي خاض غمارها الإمام أحمد بن إبراهيم وقد لقب ” بالقرين” ( [31])  وخاض حرباً استمرت اثني عشر سنة، وبدأت أولى معاركه بالانتصار على الأحباش في سنة 934هـ – 1527م  وتلى ذلك نصر آخر في سنة 936هـ 1529م في معركة شنبري كوري ( [32])

 6- فتوح الحبشة:

 

   وصمّم الإمام أحمد ” جُرَي” على فتح بلاد الحبشة كاملة ففي سنة 938هـ 1531م عبر نهر “هَوَاش” الذي يفصل هضبة “أوجادين” أو الصومال الغربي عن منطقة “شوا”، وهزم إمبراطورية الحبشة ” لينا دنجل ” الذي اضطر  الفرار أمام فتوحات الإمام أحمد بن إبراهيم، واستعادت الإمارات الإسلامية القديمة ” بالي ” وهدية ” وسيداموا ” ولجأ الإمبراطور إلى منطقة “جوجام” الجبلية متحصناً بها فتبعه الإمام إلى هناك وأنزلت به خسائر فادحة واستولى على شمال الحبشة ( [33]) وانتشر الإسلام خلف هذه الفتوحات، ومن هذه المناطق التي خضعت للإسلام إقليم أوجادين ( [34])

7- جهو الطرق الصوفية:

        ومن أسباب انتشار الإسلام في الصومال جهود العلماء الصوماليين، الذين تخرّجوا على أيدي الدعاة الوافدين، فحملوا لواء الإسلام، وتقلدوا عبء نشر الدعوة والعلوم الإسلامية، فمنهم من كرَّس وقته لتعليم الناس القرآن والحديث والفقه، متبعين أسلوب الترجمة الشفوية في تبليغ الدعوة وتدريس العلوم الشرعية والعربية، لترسيخ  العقيدة في قلوب الناس، ومنهم من قاد الفتوحات الإسلامية، فكان لهم دور بارز في جهاد القوي الصليبية، وحماية البلاد والعباد من هجمات البرتغاليين والصليبيين عموماً، وكذلك حماية الثغور الجنوبية للعالم الإسلامي([35])

             وكان تأثير روّاد مدرسة التصوف الإسلاميّ  يقوم على أمرين :-

       إحدهما :- القدوة والاختلاط والأخلاق الإسلامية والتسامح والرفق في المعاملة والمُثل الطيبة في المعاملة الحسنة، وذلك لأنّ أئمة الصوفية كانوا على أخلاق إسلاميّة طيبة .

     ثانيا:-  مجالس الوعظ التي كان يعقدها الأئمة من الأقطاب، فقد كانت مجالس الوعظ يحضرها المسلمون ويحضر فيها غير المسلمين فيستمعون الشيخ في مواعظه، فيتبعونه في عقيدته ( [36] )  ويلاحظ أنّ الطرق الصوفية تزدهر وتنمو معها حلقات الذكر أو ما يسمي ” الحضرة” في البيئات التي يوجد بها فراغ روحيّ، حيث تستغرق الأعمال أوقات الناس (  [37])

       ويتسم الصوماليون بتمسكهم بعقيدة الإسلام، ومن مظاهر استمساكهم بدينهم وحبهم لكتاب ربهم عنايتهم بتحفيظ القران وتعليمهم قواعد الدين يرتحلون مع معلميهم إلى البوادي والقرى البعيدة شهوراً عديدة في هذا السبيل، وشدة محافظتهم على إقامة الشعائر الدينية، وخاصة في رمضان واحتفالهم بالأعياد والمواسم الإسلامية وعدم تأثرهم بالدعوة التبشيرية وإقبالهم الشديد على ما يلقى عليهم من الدروس الدينية والمحاضرات الإسلامية، ولهم أئمة وعلماء ومساجد يعبدون الله فيها، ورجال الدين وأئمة المساجد يقرؤون  القرآن ويتلون الحديث وجميع الكتب الدينية باللغة العربية ويشرحون معناها باللغة الصومالية( [38])

       تكاد  تجمع الطرق الصوفية تحت لوائها جميع الشعب الصومال، وأوسع الطرق انتشاراً طريقتان هما القادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، والإدريسية المعروفة في الصومال باسم الأحمدية نسبة إلى السيد أحمد بن إدريس المدفون في اليمن، ومن فروعها الرحمانية والرشيدية ( [39]) مع أن لهذه المدارس الصوفية آدابها وأورادها التي يعتنقها أتباعها بكل إيمان، كما أن لها موالدها وقصائدها وأشعارها في مدح آل البيت والأئمة والصالحين، مما يردد عادة في حلقات الذكر التي تقام في مختلف المناسبات، وقد كانت هذه التنظيمات من العوامل القوية التي أدت إلى انتشار الإسلام وصموده أمام محاولات المستعمرين والمبشرين للقضاء عليه ونشر  المسيحية، كما انّ أثرها واضح من تخفيف الجهل الذي ساد البلاد فترة طويلة، وظلت هذه الطرق القبس الوحيد الذي كان يصل إلى أفراد الشعب بصفة مباشرة عندما كانت الظلمات الجهل مخيمة على البلاد، وقد تمكنت الطرق الصوفية ورجالها من أن تحول دون تسلل عقائد الزيغ سموم الملحدين إلى البلاد ( [40])

8- القراءة والكتابة:

           فحين قام العرب بالدعوة كان الصومال أسرع الدول الخارجة عن شبه جزيرة العرب إلى قبول الدعوة، وأصبح من الصوماليين معلمون ودعاة للدّين . ويقول روبيل الألماني في عام 1848م  عن سرعة انتشار الإسلام في الصومال وعن انتشار المسيحية في الحبشة ” إن المسلمين في القرن السادس عشر كانوا أكثر نشاطاً من المسيحيين، وكان أغلب أطفال المسلمين يجيدون القراءة والكتابة على النقيض من أطفال المسيحيين الذين لا يتلقون نصيبا من التعليم إلا إذا وجهوا إلى العمل في الكنيسة، وإذا كان هناك احتياج إلى من يتولى عملاً هاماً رئيسياً في البلاد فإن الاختيار كان يقع دون تردد على مسلم ”  ([41])

 9-الهجرات الجماعية:

              ترجع أسباب هذا الانتشار بالإضافة إلى الهجرات الجماعية إلى:-  الشراكة التجارية القائمة بين الجزيرة العربية وأرض الصومال -التي تحدثناها سابقاً-   فقد نشطت في العصر الإسلامي، ولم تنقطع صلات المنطقة بالعالم الإسلامي في أي عصر من العصور، وقد أسهم ذلك كثيراً في نشر الإسلام في المنطقة([42])

     ومن أشهر الدعاة الإسلام في الصومال خلال هذه الهجرات الإسلامية  ( [43])

1)   هجرة سُليمان وسعيد الجَلَنْدِين :- لعلها أول حركة استيطانية إسلامية عربية على سواحل الصومال، وكانا ينتميان لقبيلة عُمّانية حكمت عُمّان من 75، إلى 95 هـ، ( 507- 685م )، وكانت هذه الدعوة المنظمة للإسلام  في الصومال .([44])

2)   – الزيديون من اليمن :- الذين  استقروا بمنطقة بنادر ونشروا الدعوة الإسلامية، وبعضهم  يرجع نسبهم إلى أحفاد علي ابن عم النبيّ صلي الله عليه وسلم ( [45])

3)   ) الإخوة السبعة من الإحساء:- وهم من قبيلة الحارث، ويرجع لهم الفضل في إنشاء مدينة مقديشو

4)     حسن بن علي وأبناؤه الستة :- وهم من المسلمين الفارسيين، وكانت هجرتهم للساحل الصومالي حوالي سنة 975م، وقد شيّدوا عدة مساجد ومباني على طراز شيرازي ( [46])

5)     الشيخ ابادير الذي  وصل إلى ” هرر ” في القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي )، وأصبحت بفضله –هرر- قاعدة إسلامية لنشر الإسلام في الصومال والحبشة.

6)    سُلالة عقيل بن أبي طالب:-  استقروا بأرض زيلع  في مدينة ( جبرت)، فأطلق عليهم لفظ الجبرتية، وكان لهم دور كبير في نشر الإسلام في نصف الشمال من بلاد  الصومال بوجه خاص، وفي الحبشة أيضا.

7)   شيوخ حضرموت:- في القرن الخامس عشر الميلادي، وفد إلى الصومال أربعة وأربعون شيخا  عربيًّا،  ونزلوا في مدينة ” بربرة” ثم نزلوا منها إلى بلاد الصومال المختلفة؛ حيث قاموا بنشر الدعوة ([47] )

 10-الدعاة اليمنيون:

    والجدير بالذكر أنّ علماء من حضرموت وفدوا إلى الصومال من بينهم الشيخ صالح باشراحيل، والشيخ الأديب الشاعر سالم الحامد، والشيخ محمد بن علي بافضل، والشيخ سالم عبد الله معاشر، وكان لهم مدارس إسلامية في الصومال، و كانت الصومال أحد البلدان التي يهاجر إليها “عرب الشِحِرْ”، وهناك مارسوا شتي الأعمال وبنو المنازل والمساجد والمدارس،  ويبدو بأن سفن الحضارم كانت تنطلق من رأس شرمة إلى جبل “حافُون ” نحو أرض بنت لاند ([48])الصومالية القريبة إلى مدينة مكلا، وكان أهالي “الشّحِرْ ”  و”حَجَرْ” ([49]) (خصوصا ) يهاجرون إلى الصومال، وكما زار  في الصومال متأخراً احد أشهر علماء اليمن، وهو الحبيب محمد الهدّار الذي وصل إلى الصومال عبر “عدن” واستقرّ في مقديشو قادماّ من مدينة “بيضا”، وعيّن إماماً وخطيباً لمسجد مِرْوَاسْ، وقد أقام  الحبيب سنة ونصف سنة في ذلك المسجد، وفيه قام بالتدريس لفروع الفقه والعربية ([50])

       ولا أحد ينكر بأن الوافدين من اليمن أدَّوا دوراً مُهمّاً في مجال التبليغ العلميّ والعمليّ للإسلام، كما أنّ هناك دوراً بارزاً لعلماء الطرق الصوفيّة الصوماليّين باختلاف مشاربهم. والتاريخ الصوماليّ الحديث شاهد على ذلك. وما يوجد اليوم في ربوع الوطن الصّوماليّ من ثقافة إسلاميّة عربيّة حصل ذلك بفضل الله الذي وفق هؤلاء ببذل المجهود الكبير ( [51])

       الذين أدخلوا اللغة العربية إلى الصومال والدين الإسلاميّ في كل شرق أفريقيا هم العرب، لهذا نجد أن الطابع الإسلاميّ مهيمن على طرق التعليم،  فالمساجد لها الأولوية على المدارس، ولكل المساجد أيضا مدرسة إسلامية ( [52]) والنساء خاصة في المنازل تأثرن كثيراً بالنمط اليمنيّ الحضرميّ منه، لقد نقل هؤلاء العرب ما كان سائداً لديهم في نواحي التعليم، فهناك الشيخ أو المعلم ( المُلا) الذي يتولى كل الأدوار التعليمية في كتابه تعرف هناك باسم (الخلوة) وهي مازالت إلى اليوم  في بعض القرى والأرياف ( [53])

  فمن عادات بعض االقبائل اليمنية الموجودة في الصومال

 1) انّه  لايسمح بسفر المرأة بتاتا ولا زواج المسافة – زواج العرفة أو التحكيم- ولايسمح بالنظر إلى وجهها للزواج الجائزة بالشارع.

2) ولاتسمح المرأة عن إحضارها بالمحكمة إلا بوكالة عنها في أي حال كان.

3)  ولا يسمح للمرأة الرجوع إلى زوجها حتى بعد المحلل، ولا تطلب بعد الطلاق المهر ولا نفقة ولا أي شيء آخر، وفي أوقات الفرح من العرس والختان ومولد النبي صلي الله عليه وسلم والزيارات وغير ذلك فعادتهم اذا اجتمعوا في هذه الأوقات أن يقرؤوا مولد النبي صلي الله عليه وسلم والقصائد المديحية بضرب الدفوف أو بدونه إذا كانت الحفلة للذهاب إلى زيارة بعض الأولياء أو للعرس … ( [54])

11- اللغة العربية:

         وكان من انتشار الإسلام في الصومال وما تلاه من ظهور الطرق الصوفية، واختلاط العرب بالصوماليين  أن انتشرت اللغة العربية، لكن بعد أن وقع الصومال فريسة للاستعمار الأوربي في محاولة لإضعاف صلة الصوماليين بباقي العالم الإسلاميّ، لكتابة اللغة الصومالية بحروف لاتينية، على الرغم من احتياجات المثقفين الصوماليين الذين نادوا بأنّ شعب الصومال المسلم يحتاج دائماً إلى دراسة الدين وقراءة القرءان الكريم بلغة الدين، وهي اللغة العربية ( [55])، وما أن ظهر الإسلام حتى قبلت دعوته في الصومال، وسُرعان ما انتشرت  فيه، حتى انفردت به في وقت قصير، وترجع سرعة انتشار الإسلام في الصومال أنه بلغة قريبة إليهم، ومن شعب قريب إليهم، فقد عرفوا اللسان العربي والشعب العربي في المعاملات التجارية والرحلات القديمة المتبادلة بين الوطنيين منذ فترات طويلة قبل ظهور الإسلام نفسه…  ([56])

       فكل هذه الأسباب المتراكمة التي ذكرنا آنفا جملة وتفصيلاً أدّت إلى انتشار الإسلام  في الصومال بصورة تدريجية وسريعة أيضا؛ حيث بدأ أولاً في المدن الساحلية التي كانت موطئ أقدام الدعاة الأوائل، ثم انتشر بعد ذلك في المدن والمناطق الداخلية، حتى عمّ أنحاء البلاد كلها، كما أدت هذه الأسباب إلى أن ينشأ مجتمع صومالي إسلامي قائم بذاته يكون للصومال مظهر إسلامي وتكون النتيجة طيبة.

       على أن المظهر الإسلامي في شبه جزيرة الصومال يتضح في الموظفين الرسميين كالقضاة والوعاظ والطلاب الذين درسوا الدين في هرر، وزيلع وهرجيسه، وبرعو، ومقدشوه، وبراوه، ومركه، وغيرها،من المدن الصومالية. والذين تلقوا العلوم الدينية في القاهرة والحجاز، والقيروان،  وبغداد، وكل هؤلاء حينما عادوا وأنشأوا المدارس لتحفيظ القرآن، بالإضافة إلى الأسر العربية التي ترجع في أنسابها إلى العرب وإلى المهاجرين الذين وصلوا شبه جزيرة الصومال من اليمن وبلاد الفرس وغيرها من البلاد الإسلامية، لهؤلاء جميعاً أثر كبير في تقوية الدين الإسلامي وفي استخدام رجال الدين الذين يعرفون أبناءهم أمور الدين، فنشأ مجتمع إسلاميّ صوماليّ قائم بذاته قد أخذ بالدّيانة الإسلامية في قوة وإيمان وعمل على المحافظة عليه بكل عزيمة صادقة فلم يستطع الاستعمار بأساليبه وحِيَلِه ولا الرُهبان والمبشّرون أن يخرجوه عن دينه بل زاد تمسكهم بالدين وامتهاناً لهؤلاء الغرباء من النصارى الدخلاء، فالصومالي في المجتمع الإسلامي الجديد يعتبر نفسه مجاهداً ومسئوولاً عن نشر الدعوة المحمدية، فتراه في كل مكان يعدد مناقب الإسلام، ويتفقد تعاليم الإسلام، وقد يتزوج الصومالي المسلم بامرأة مسيحية ولكن سرعان ما يحول زوجه هذه إلى الإسلام ( [57])

 الآثار التّاريخيّة

          إذا قلنا أنّ الصومال عرف الإسلام منذ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حينما هاجر الصحابة إلى أرض الحبشة وهو أرجح الأقوال التي مرّت بنا عند تصنيف الآراء حول تاريخ دخول الإسلام في الصومال في بداية الفصل  فإنه ثبت أوضح دليل على أقدميه الصومال في الإسلام ( [58]) وهو المخطوطات العربية التي عثر عليها في بعض مقابر “مقديشو” والتي يعود تاريخها إلى بداية العصر الإسلامي، ومن أقدمها خط عربي يعلوه “بسم الله الرحمن الرحيم” عثر عليه على قبر سيدة تدعي “فاطمة بنت عبد الصمد يعقوب” المتوفاة في عصر يوم السبت 22 جماد الأولى سنة 101 الهجرية، وآخر على قبر سيدة تدعى ”حاجة بنت مقدام محمد” المتوفاة في – 5 – ذي الحجة سنة 138 الهجرية( [59])، وإذا فرضنا أن متوسط العمر لكل من “فاطمة” ووالدها عبد الصمد، وجدها يعقوب هو 40 سنة، فمن المؤكد أن “يعقوب” ولد قبل الهجرة بعشر سنوات، والفرق بين تاريخي وفاة ” فاطمة عبد الصمد ” وحاجة بنت مقدام محمد 37 عاما”، والجدير بالإشارة أن اسمي (حاجة – ومقدام)([60] ) لا يزالان  كثيري الاستعمال عند أهل مقديشو حتى يومنا هذا ([61])

   أهمّ  المساجد

          كثرت المساجد والزوايا المنتشرة في المدن والقرى.. وقد أتى الزمان على كثير من هذه المساجد والزوايا، ولم يبقي منها إلا الأطلال الدارسة ([62])لكنّنا سنأخذ من أهمّ المساجد الأثرية التي شُيدت في مقديشو في مراحل مختلفة ( [63])

  1. مسجد حمروين سنة  547 هـ ([64]) يعتقد أنه من أقدم المساجد التي بنيت في المدينة القديمة، وتشير الكتابة إلى أن المسجد بنيت أعمدته أول محرم سنة 630هـ، وقد بني هذا المسجد على طراز رفيع من المعمار الهندسي الإسلامي، وكانت أعمدته منقوشة بآيات قرآنية وزخارف متنوعة.
  2. مسجد عبد العزيز: وتاريخ بنائه غير معروف.
  3. مسجد فخر الدين سنة  667هـ ([65] )ويمتاز هذا المسجد عن غيره بأنه مبني من الرخام الأبيض والنقوش والزخارف الكثيرة على جدرانه، وتفيد اللوحة الرخامية المثبتة على محرابه بأنه بني آخر شعبان سنة 667هـ على يد صاحبه الحاج محمد بن عبد الله بن محمد الشيرازي.
  4. مسجد أربع ركن سنة 667 هـ  يرجع بناؤه أيضا إلى منتصف القرن السابع الهجري، وقد بناه “خسرو بن الشيرازي”، وتقول بعض الوثائق: إنه كانت هناك كتابات فارسية منقوشة على هذا المسجد قبل حكم السلطان العماني “سيد بَرْغَش” لمقديشو.
  5. مسجد الأحناف: بناه الشيرازيون الذين حكموا مقديشو فى القرن السابع الهجري، وقد قام الإيطاليون أثناء احتلالهم لمقديشو بهدم هذا المسجد، وبنوا مكانه مطعما سموه “بار سافويا” ([66] )

 انتشار المذهب الشافعيّ

الفقه الشافعي هو أحد المذاهب الفقهية التي ظهرت في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، وقد لقيَ قبولاً كبيراً وانتشاراً واسعاً في العديد من أقطار العالم الإسلامي، ولاسيّما في شرقي آسيا وإفريقيا، ومنها الصومال الذي لم يعد ينافسه فيه مذهب فقهي آخر، وكان المذهب الشافعي ( [67])من نصيب المجتمعات المسلمة في شرقي إفريقيا عموماً، وفي القرن الإفريقي خصوصاً، ومن بينها الشعب الصومالي ( [68]) وأنه- انتشر علم الفقه وأصوله في الصومال كغيره من العلوم الإسلامية بفضل جهود الرواد الأوائل من المسلمين، في نشرهم الدعوة الإسلامية في منطقة القرن الإفريقي، ومع أنه يصعب تحديد تاريخ وصول المذهب الشافعي إلى الصومال، وكيفية انتشاره فيها، إلا أن الظاهر أن المهاجرين اليمنيين إلى السواحل الصومالية هم الذين نشروا المذهب في المدن الساحلية، ومنها انتقل إلى المدن الداخلية  ويؤيد ذلك:-

1)    انتشار المذهب الشافعي في اليمن انتشاراً واسعاً في وقت مبكر، ونبوغ الكثير من الفقهاء فيه، علماً بأن الإمام الشافعي نفسه زار اليمن.

2)    وصول الكثير من العلماء والفقهاء اليمنيين إلى الصومال مهاجرين ودعاة وزواراً.

3)    كثرة المؤلفات الفقهية للعلماء اليمنيين المتداولة في الصومال، مما يبرز الدور الكبير للفقهاء اليمنيين في انتشار المذهب الشافعي في الصومال([69])

      ومع انتشار المذهب الشافعي في الصومال فقد عرف أيضاً المذهب الحنفي، الذي كان منتشراً في الشمال( [70])، وخاصة مدينة زيلع ونواحيها، وقد برز من الزيلعيين علماء أجلاء، لهم مكانتهم في الفقه الحنفي، منهم: العالم الكبير: جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (ت762هـ)، صاحب كتاب “نصب الراية لأحاديث الهداية”([71])  والعالم الكبير  فخر الدِّين عثمان بن علي الزيلعي (ت734هـ). ([72])

              المظاهر :- مظاهر ومعالم  التفاعل الإيجابي مع المذهب الشافعي في الصومال كثيرة ومتعددة الجوانب، تتمثل في: المؤلفات والمخطوطات الفقهية والأصولية المحفوظة، وطرق التدريس في الحلقات العلمية في المساجد، وطرق تطبيق الفقه والعمل به، كالقضاء، والفتاوى الفقهية في الأقضية والنوازل، والتحاكم الطوعي إلى الفقهاء والمحاكم الشرعية الأهلية، بالإضافة إلى العمل الفردي وغير ذلك،، فهناك الكثير من – المؤلفات الفقهية والأصولية، والتي قام بها علماء صوماليون تأليفها في أغلب التخصصات العلمية: – في الفقه وأصوله، والنحو والعروض، والتاريخ وغيرها من العلوم والمعارف([73]) على الرَّغم من قلَّة التَّأليف بصفةٍ عامَّة. كما توجد المخطوطات الفقهية والأصولية، ونقصد بها ما ألَّفه علماء غير صوماليين، وكان حظّ الصوماليين منه الخط والاحتفاظ بنسخة خطية منه، بقطع النظر عما إذا كان المؤلف منشوراً أو غير منشور( [74])

           وأخيراً  لم يكن في هذا الوطن اختلاف في الدين والإعتقاد والمذهب بل والقراءة فقد كانت هذه الأمة كلها مسلمة مائة في المائة، وكانت العقيدة الأشعرية هي العقيدة الوحيدة لها، ومذهب الشافعي مذهبها، وكانت القراءة على قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري، فلم يكن بين هذه الأمة تفرق واختلاف في ذلك كله من بدء تاريخها إلى منتصف القرن الرابع الهجري تقريباً، ثم ظهرت البدع أول مرة فيما بين الخمسين والستين من هذا القرن، وكانت الحكومات المتعاقبة تقف أمام نشاطها وتفرض المراقبة على خطواتها، وكانت تفشي سرّاً أفكارها، وتلقي خفية الدروس إلى أصحابها ([75](

      وطبعاً كانت هذه الوحدة الكاملة والاتفاق الكلي في الدين والمذهب والإعتقاد بما يغيظ أعداء الإسلام، ويغرس الشحناء والحسد في قلوبهم، فكانوا متربصين بنا الدوائر مرتقبين يوماً تذهب فيه هذه الوحدة والمودة فتحققت – والأمر لله – أحلامهم ونجحت آمالهم فصار المواطنون كفريسة لا تمتنع من السباع، وسائمة ترعي بلا راع، وظباء متوحشة لامانع من اقتناصها؛ فامتدت أطماع الأعداء وتداعت الدعاة الصليبية من الأرجاء، وجاءت من كل فج عميق، ومكان سحيق، وهي ترقص فرحاً واستبشاراً بما أتيح لها من هذه الفرصة الذهبية فضربت خيامها، وحطت رحالها في ربوع ديارنا، وظنت أنها تنال بسهولة مرادها، وتظفر أياماً قلائل بمقصودها؛ لكننا نرجو من الله أن تكون العاقبة على عكس مرادها ونقيض مظنونها، ولم يكن سبب هذا كله إلا سقوط الدولة وسيطرة القبلية وسلطنة العصبية …([76])

 الهوامش



[1]–  عبد الرحمن النجار،  الإسلام في الصومال، ص61ـ 62

[2] – تقع الحبشة  في شرق افريقيا في منطقة قرن افريقيا .. ويحدها من الغرب والشمال السودان  ومن  الشمال البحر الأحمر ومن الشرق والجنوب الصومال ومن الجنوب كينيا ، جمال الدين الدناصوري وآخرون ، جقرافية العالم دراسة  اقليمية،  ص، 115

[3] – ممن مال إلى هذا الرأي الشيخ عبد الرحمن النجار المصري، في كتابه: ” الإسلام في الصومال،” ص62، وهذا الرأي هو الراجح  عند كثير من الباحثين في تاريخ دخول الإسلام إلي الصومال  حينما هاجر الصحابة الى الحبشة ، وكما ذهب اليها  علي الشيخ أحمد أبوبكر، في كتابه “معالم الهجرتين إلى أرض الحبشة”، ص258: “واليقين الذي لا يقبل الشك هو دخول الإسلام في الحبشة، قبل الهجرة إلى المدينة، وليس عندنا ما يبطل ذلك أو يضعف أو يقاوم، وهذا هو الثابت، واليقين لا يبطل بالشك”.

[4] – منهم جامع عمر عيسى صاحب كتاب تاريخ الصومال في العصور الوسطي والحديث

[5] –  هذا  الرأي  مذكور في كتاب ”  تاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة ” ص13.وهو رأي مرجوح والصواب ما ذهب إليه جمهور الباحثين وهو مصرح في الرأي الأول

[6] – شريف عيدروس ، بغية الأمال في تاريخ الصومال ، ص، 38

[7]–  حسن مكي محمد، السياسات الثقافية في الصومال الكبير، ص24

[8] –  السيد حمدي السالم  ، الصومال قديماً وحديثاً ، ص – 176

[9] – عبد الفتاح علي حاج احمد ، مرجع سابق ، ص 3

[10] –   الدكتور عطاء الله الجميل ، تاريخ المسلمين في افريقيا ومشكلاتهم ،  ص، 11

[11] –  المرجع السابق ، ص، 11

[12] –  المرجع السابق ،ص، 33

[13] –  عبد الله عبد الرزاق إبراهيم ،  تاريخ المسلمين في أفريقيا ومشكلاتهم ، ص 34

[14] –  زاهر رياض ، الإسلام في ايثوبيا ، ص 74.

[15]– شريف عيد روس ، مرجع سابق   ، ص36- 42

[16] – محمد عبد المنعم يونس، مرجع سابق  ، ص، 104

[17] –   أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي  دون ذكر الصفحة

[18]– محمد رجب حراز  ، التوسع الإيطالي في شرق أفريقيا ، ص52.

[19] –  السيد عبد الفتاح عامر ، اللغة العربية في إثيوبيا ، ص، 78

[20] –  الشيخ عبدالله ريراش، مرجع سابق، ص، 10

[21] – دهلك اي دناكل كانت مركزاًلتجارة مزدهرة نامية وخاصة تجارة الرقيق وكان لها اسطول تجاري . .وكانت منفيا للمغضوب عليهم روي ان عمر بن عبد العزيز سمع عن عمر بن ربيعةه وهو ينتظر نساء المدينة وهن يقمن بشعائر الحج فيتغزل فيهن فنفاه الى ” دهلك” ..  الشيخ عبد الله احمد ريراش، مرجع سابق ، ص، 11

[22]–  مصوع : مرفأ إيثوبي في اريرتيا على البحر الأحمر ، ودهلك جزيرة في جنوب بحر العرب يتبع اريريا  وزيلع مرفأ في الصومال على خليج عدن،  لويس معلوف ، مرجع سابق  ص، 283/ 247-2 535

[23] –   يوسف احمد ، الإسلام في الحبشة ،  ص 21

[24] –  الشيخ عبد الله احمد ريراش، مرجع سابق ، ص، 11

[25] –  البخاري ، الصحيح  ،ج / 13،  رقم الحديث 2790باب السُّهُولَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ  ص: 1908

[26] – عبد الرحمن محمد النجار ،  مرجع سابق ، ص 45

[27] –  المرجع السابق ص( 46)

[28] – المرجع السابق ص 46

[29] –  سيد عبد المجيد ، الأقليات المسلمة في أفريقيا ، ص 76

[30] –  فتحي غيث ، الإسلام والحبشة ، ص 127/129

[31] –  يلقب احياناً باحمد” جُرَيْ” وهي كلمة صومالية بمعني “الأشول “

[32] –  سيد عبد المجيد ، مرجع سابق ، ص 465

[33] –  زاهر رياض ، مرجع سابق ،ص 203

[34] – تحدّ اوجادين ( الصومال الغربي ) ايثوبيا من الشمال والغرب ، ومن الشمال الشرقي عفار وعيسي (جيبوتي) – ومن الجنوب جمهوريتا الصومال وكينيا ، ويضم إقليم اوجادين ثلاث ولايات وهي “هرر “وبالي” وسيدامو”  والغالبية العظمي منهم تعتنق الإسلام  . سيد عبد المجيد بكر ، مرجع سابق ، 72

[35] –   جامع عمر عيسى مرجع سابق  ، ص 14

[36] –  المرجع السابق ،  ص( 59)

[37]–  المرجع السابق ،  ص( 61)

[38]–  شريف عيدروس ، مرجع سابق ، ص 39

[39] –  محمد عبد المنعم  يونس، مرجع سابق ،  ص 109

[40] –  المرجع السابق ص ، 109- 110

[41]–  حمدي السيد  سالم   ، مرجع سابق ، ص 182

[42] –  يوسف فضل حسن ، مرجع سابق، ص 10

[43] – حمد السيد سالم ،  مرجع سابق ص  349

[44] –  للدراسة التفصيلية  لهذه الهجرات يرجع الي حمدي السيد سالم ، الصومال قديماً وحديثاص، ص، 349

[45] –  هم اتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسن وقد هاجرت الى شرق افريقية بعد مقتلهم زعيمهم زيد سنة 739م ، في الكوفة في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وانتشروا نحو الداخل كما بلغوا خد الإستواء ، محمد عبد المنعم يونس، مرجع سابق، ص، 66. والزيدية : طائفة من الشيعة تقول بامامة زيد بن علي بن الحسين ..اكثر سكان اليمن هم الزيدية . لويس معلوف، مرجع سابق ، ص، 282

[46] –  هاجر عندما احسّ باستعلاء اخوته عليه لأن امه كانت حبشة فدعه هذا الى الهجرة الى شرق افريقية مع ابنائه الستة وجاء في اعقاب هذه الهجرة قودم بني نبهان مالك من عمان الى دزيرة باتا ، محمد عبد المنعم يونس، مرجع سابق، ص، 66

[47] –  عبد الله عبد الرزاق إبراهيم  ، مرجع سابق ، ص 36

[48] –  إقليم بونت لاند  يقع شمال شرق الصومال، في منطقة نوغال‎.

[49] – عبد الله صالح حدّاد ،  رجال الشحر في شرق أفريقيا من خلال أدبهم الشعبي ّ ،  ص 30- 37- 64 – وص – 101

[50] –  حسين محمد الهدار ،  هداية الأخيار في سيرة الداعي إلي الله محمد الهدّار ، ص 517

 [51]- عبد الفتاح علي حاج احمد ، مرجع سابق  ، ص 4

[52] –  فالشاعر خميس سالم كندي عمل طوال حياته بالصومال معلّما للصبيان حيث افتتح هناك أكثر من مدرسة في أكثر من مدينة وبلدة. عبد الله صالح حدّاد ، مرجّع سابق، ص 62- 63

[53] –  المرجع السابق، ص 62- 63

[54] –  شريف عيدروس ، مرجع سابق ، ص، 49

[55] –   المرجع السابق   ص 36

[56]–   حسن مكي ، مرجع سابق ، ص 24

[57] –  حمدي سيد سالم ،  مرجع سابق ، ص 184

[58] –   المرجع السابق ، ص 7

[59]  –  المرجع السابق ، ص،  8

[60] –  حسب اطلاعي لم اسمع استعمال اسم مقدام في المجتمع الصومالي الحديث  ولعله انخرط وربما كان سائدا في عهد المؤلف  وليس في عهدنا  ، أما اسم حاجة  فهو موجود في الصومال  ويستعمله الصوماليون في  تسمية أبنائهم وان كان اللفظ يعاني من تعديل

[61] – عميد محمد فريد السيد حجاج ، مرجع سابق ص 8 .

[62] – شريف عيدروس  مرجع سابق  ، ص 39 .

[63] –  المرجع السابق  ، ص 39 .

[64] –  المرجع السابق ،   ص 39 .

[65]–  المرجع السابق ،  ص 39 .

[66]–  المرجع السابق ص 39.

[67] –  نُسب هذا المذهب إلى الإمام الشافعي، وهو: محمد بن إدريس الشافعي، يلتقي نسبه مع الرسول e في عبد مناف، وُلِدَ بغزة سنة 150هـ، وتوفي بمصر سنة 204هـ. ، نشأ الإمام  في مكة بعد أن رحلت به أمه إليها يتيماً وهو ابن سنتين، فحفظ القرآن، وكثيراً من الأحاديث، وشعر البادية، ودرس فيها الفقه والحديث على مسلم بن خالد الزنجي، وسفيان بن عيينة، ثم رحل إلى المدينة فلقيَ مالكاً، ودرس عليه كتابه الموطأ، ثم انتقل إلى اليمن في سن الثلاثين للعمل بها، ثم إلى العراق حيث التقى بمحمد بن الحسن الشيباني الفقيه الحنفي، أحد فقهاء مدرسة الرأي فدرس عليه وناظره، وكان يؤثر الحديث، ويناضل دونه مع أصحاب الرأي، حتى لُقِّب بـ(ناصر الحديث. محمد شيخ احمد محمد ، المذهب الشافعي في الصومال معالم وملامح   مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية 233- العدد التاسع

[68] – محمد شيخ احمد محمد  ،  المرجع سابق،    مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية 233- العدد التاسع

[69] –  محمد حسين معلم، أصول الثقافة العربية وروادها في الصومال،  ص133ـ 134.

[70] – لعل هذا هو السبب في انتشار  كثير من مراكز تدريس الفقه  الشافعي في المناطق الجنوبية، مثل:  مقديشو، وبارطيري، ومركا، وبلدوين، وقلافو، على الرغم من انتشاره الواسع في كل مدن الصومال وقراه.

[71]–  هذا الكتاب هو تخريج لأحاديث كتاب “الهداية “في فقه الأحناف للعلامة برهان الدين المرغيناني.

[72] –  صاحب كتاب “تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق”، الذي يعتبر من أهم كتب المذهب الحنفي.

[73]– محمد حسين معلم ،مرجع سابق ،  ص133ـ

[74] –   محمد شيخ احمد محمد ،مرجع سابق ،  ص  28  .

[75] –  الشيخ عثمان حدج ، المنح والوهبية في ذم القبلية ، ص، 11

[76] –  المرجع السابق ، ص11

تعليق واحد

  1. لا اتفق مع الاستاذ حسن البصري بان اليمنيين كان لهم فضل نشر الاسلام في الصومال , لا شك ان لهم وجد كبير في الصومال وان لهم قبائل حتى ان بعض القبائل الكبرى تقول انها تنحدر من اصل يمني الا انك بالغت قليلا فالصوماليين كان لهم فضل في نشر الاسلام في شرق افريقيا و شرق اسيا بل حتى في اليمن بل سمعت ان الكثير من علماء اليمن درسوا في الصومال يا اخي استغرب تحقير بعض مثقفي الصومال لتاريخ بلدنهم الصومال حتى انني اطلعت على خريطة الدولة العباسية كان من بين اقاليمها الصومال بينما لم ارى هذا في معظم الكتب و الخرائط وما احب ان انصحك به لا تطلع على المصادر العربية فيما يخص الصومال لان العرب ينكرون اسطرة محمد عبد الله حسن فمابلك بالامجاد القديمة العضيمة للصومال

%d مدونون معجبون بهذه: